الفصل التاسع: قاع الماء

لا يعرف تشن غوان كم من الوقت صمد؛ كانت كل ثانية تمر وكأنها قرن من الزمان. تحولت الآلام في ذراعيه من وجع حاد إلى خدر تام، حتى خُيل إليه أنها لم تعد ملكاً له. عرق جسده بلل الزي الموحد، وأصبح تنفسه ثقيلاً ومضطرباً كالكير.

بدت نقاط اللياقة البدنية البالغة (1.4) ضئيلة جداً أمام هذا الاستهلاك عالي الكثافة، رغم أنه شعر فعلاً بأنه أصبح يمتلك تلك الـ (0.4) الإضافية. لكنه لم يستطع التراجع؛ فالتراجع يعني الغرق تحت أمواج الوحوش. حدقت عيناه بشدة في الموجة السوداء المتدفقة أمامه، ولم يكن في ذهنه سوى فكرة واحدة: "اصمد! يجب أن تصمد!"

هذا ليس موتاً حقيقياً، لكنه اختبار، ويجب أن يظهر قوته. إذا لم يكن يمتلك قدرة خارقة، فلديه هذا التابوت.. ولديه إرادة لا تعرف الهزيمة.

وفي اللحظة التي بدأ فيها وعيه يضطرب وقاربت طاقته على النفاد تماماً..

بوم!

وكأن الموقف وصل إلى نقطة حرجة، أو كأن آلية ما في الوهم قد فُعلت. تبددت موجة الوحوش اللانهائية فجأة كأنها سراب.

في البرية، بقي تشن غوان وحده، لا يزال متخذاً وضعية أرجحة التابوت، وأمامه بقايا خيالية ودماء تتلاشى ببطء. الأرض المتفحمة، الخلاء، والسماء الرصاصية.. بدأ كل شيء يبهت كالألوان الباهتة. رن صوت هادئ، مجرد من المشاعر، مباشرة في عقل تشن غوان :

"اكتمل التقييم. الإرادة: ممتاز (أ)، سرعة البديهة: جيد جداً (ب)، التحمل: جيد (أ-، استخدام الأدوات الخاصة: ممتاز (أ)، الإمكانات الشاملة: قيد الانتظار."

"الاختبار التالي، استعد."

لا وقت للراحة، تغير المشهد مرة أخرى. اختفى تشن غوان وتابوت حديد الغسق من تلك البرية القاحلة.

في هذه الأثناء في القاعة الكبرى، كانت شاشة ضوئية دائرية ضخمة تعرض آلاف الصور الصغيرة التي تومض وتتبدل بسرعة، مستعرضة أداء الطلاب الجدد في أوهامهم الخاصة. ثبتت إحدى الصور الصغيرة للحظة على مشهد شاب يتخذ من تابوت رمحاً له ويواجه موجة الوحوش بضراوة؛ ورغم أنها مرت بسرعة، إلا أنها جعلت أعين بعض الأساتذة في منصة المشاهدة تتحرك بفضول.

راقب نائب الرئيس سيتو مينغ الشاشة، وهو ينقر بإصبعه بخفة على مسند الكرسي، ونظرته عميقة.

هذا الفتى، لم يستخدم أي قدرة خارقة..

ذلك التابوت..

نظر إلى أسفل حيث تشن غوان الحقيقي مغمض العينين، ثم نزل من المنصة ولمس مادة التابوت؛ ومضت في عينيه نظرة دهشة خاطفة.

هذا حديد غسق لألف عام!

الحصول على قطعة بهذا الحجم من حديد الغسق ليس بالأمر السهل، والأهم من ذلك، هذا الفتى يجري والتابوت على ظهره؟ من الطبيعي أن اسم "حامل التابوت" في منتدى الأكاديمية لم يغب عن مسامع سيتو مينغ .

قطعة ضخمة كهذه من حديد الغسق يحملها الفتى وكأنها لوح من الفلين؟ كم تبلغ قوته؟ لن تخطئ عين سيتو مينغ ؛ ففي الوهم السابق، لم يعتمد تشن غوان سوى على التابوت نفسه، وقوته، وإرادته.

إنه غير عادي..

لم يختفِ شعور الدوار الناتج عن تغيير المشهد تماماً حتى بدأت البيئة الجديدة تتضح. لم تعد أرضاً متفحمة، بل أصبحت عالماً مائياً عميقاً وساكناً..

تحت الماء؟

وجد تشن غوان نفسه عائماً في مياه زرقاء داكنة، محاطاً بتيارات مائية ناعمة. كان الضوء ينفذ من الأعلى مكوناً أعمدة ضوئية متأرجحة. نمت حوله شعاب مرجانية ملونة، وتسللت بينها أسماك بأشكال مختلفة بسلام وجمال.

لكن، تحت هذا الجمال يكمن ضغط غير مرئي؛ كان ضغط الماء يضغط على جسده من كل جانب، مما جعله يشعر بضيق في صدره وثقل في الحركة، والأصعب من ذلك كان التنفس. كتم أنفاسه غريزياً، لكنه أدرك بسرعة أن هذا ليس اختباراً قصيراً لكتم النفس؛ فقد حاكى الوهم بيئة مائية حقيقية، وهو بحاجة للأكسجين.

لحسن الحظ، تعامل الوهم بإنسانية ومنحه القدرة على الرؤية تحت الماء، فلم يتركه يتلمس طريقه في الظلام. كان تابوت حديد الغسق يطفو بهدوء بجانبه، غطاؤه محكم الإغلاق؛ يبدو أن التابوت مُنح خاصية "المتابعة" في الوهم، فهو دائماً في متناول يده.

【مشهد تحت الماء؟ ماذا يختبرون هنا؟ البقاء؟ حل الألغاز؟】

【ماذا سيفعل بالتابوت في الماء؟ هل سيستخدمه كغواصة؟】

【يبدو أن الشاب لا يجيد السباحة؟ حركاته متيبسة قليلاً.】

【المهم ليس السباحة، بل كيف يتنفس ويتحرك تحت الماء.】

【جيد أنه لم يغرق للقاع وهو يحتضن التابوت، يبدو أن التابوت ثقيل جداً.】

مرت التعليقات بسرعة. أجبر تشن غوان نفسه على الهدوء والتحليل بسرعة. الاختبار تحت الماء لا يخرج عن احتمالات: التكيف مع البيئة، القتال تحت الماء، أو البحث عن مخرج. التنفس هو الأولوية القصوى. حاول تحريك تلك القوة الضئيلة في جسده لتدوير نفسه داخلياً، لكن من الواضح أن هذا تجاوز قدرات الجسد البديل الحالية، وبدأ شعور الاختناق يزحف ببطء.

وقعت عيناه مجدداً على التابوت.

كيف هي درجة إحكامه؟ هل يمكن أن يوفر هواءً مؤقتاً؟

خطرت الفكرة في ذهنه لكنه استبعدها فوراً؛ ناهيك عن صعوبة فتح التابوت، فإن الوضع بداخل التابوت مجهول، وإذا تسرب الماء بعد الفتح أو حدث تغيير غير متوقع، فالمخاطرة كبيرة جداً.

إذاً، كيف يستغل التابوت نفسه؟ تذكر بعض المبادئ الفيزيائية البسيطة. التابوت من حديد الغسق الكثيف، ويُفترض أن يغرق في الماء. لكن إذا كان هناك هواء ملتصق به أو تجويف داخلي؟ لا، المهم ليس الطفو، بل..

نظر إلى سطحه الأملس والصلب، ثم إلى أسراب الأسماك التي لا تبالي بوجوده هو وتابوته. ربما عليه تغيير تفكيره. توقف عن محاولة مقاومة مقاومة الماء وضيق التنفس، وأرخى جسده، تاركاً التيارات تحركه ببطء. مد يده وأمسك بجانب التابوت، مستخدماً إياه كمرتكز لتعديل اتجاهه.

لم يحاول الصعود للأعلى، فرغم أن الضوء يأتي من هناك، إلا أن مخرج الوهم قد لا يكون بالضرورة هناك. بدأ يلاحظ البيئة المحيطة؛ الشعاب المرجانية كونت متاهة مائية معقدة، وتوزيع أعمدة الضوء يبدو وكأنه يتبع نمطاً معيناً. بعض الطحالب المضيئة وقناديل البحر كانت منثورة كعلامات طريق، أو ربما فخاخ. بدت بعض الأسماك الضخمة ذات الأسنان الحادة في الظلال البعيدة وكأنها كائنات مفترسة.

الاختبار هو.. قوة الملاحظة في بيئة مائية، والقدرة على الحكم، والهدوء والاستراتيجية عندما تكون الحركة مقيدة والموارد شحيحة؟

تحرك تشن غوان مدفوعاً بالتابوت، وبدأ يسير ببطء في ممر مرجاني بدا هو الأوسع والأكثر إضاءة. حاول الحفاظ على هدوء حركاته لتقليل استهلاك الأكسجين، بينما كانت عيناه ترصدان كل اتجاه.

سرعان ما لاحظ أنه عند بعض نقاط المرجان المحددة، يصبح تيار الماء مضطرباً للغاية، مكوناً دوامات صغيرة. وعندما تنجرف أسراب الأسماك الصغيرة في هذه الدوامات، تُشفط بسرعة وتختفي.

فخاخ..

تجنب تلك الدوامات بحذر.

بعد مسافة قصيرة، ظهرت ثلاثة طرق متفرعة. طريق يميل للأعلى نحو مياه أكثر إشراقاً، طريق يتجه للأمام مباشرة نحو عمق مجهول، وطريق يتلوى للأسفل ويغوص في ظلال كثيفة.

أي طريق يختار؟

توقف تشن غوان ، محاولاً الاستشعار بدقة. الطريق الصاعد يبدو أن ضغط الماء فيه يقل، لكن التيار يزداد قوة، ويُسمع منه صوت هدير خافت كأنه تيار جارف أو شلال. الطريق الأمامي هو الأكثر هدوءاً، لكن ضوءه الأضعف والرؤية فيه سيئة. أما الطريق الهابط، فضغطه هو الأعلى والأكثر ظلمة، لكنه.. شعر بشيء ما، اهتزاز ضعيف جداً يختلف عن حركة التيار، قادم من الأسفل.

2026/04/30 · 10 مشاهدة · 1041 كلمة
UWK07
نادي الروايات - 2026