كانت السماء رمادية، مبلّلة كأنها تبكي بصمت. قطرات المطر تتساقط على زجاج النافذة في إيقاعٍ رتيب، بينما يجلس "ديوس" على الأرض، يحتضن ركبتيه وينظر إلى الخارج.
لم يكن يسمع سوى صوت المطر... وصدى أفكاره.
في الطابق السفلي، كانت ضحكات والديه تتعالى بين الحين والآخر، تتخللها أصوات خفيفة لأخيه الصغير الذي يركض بينهما بفرح.
فكان كأنه مجرد ظلّ يعيش في نفس البيت دون أن يراه أحد.
لم ينادِه أحد لتناول الغداء، ولم يسأله أحد عن دراسته أو يومه، حتى نظراتهم أصبحت باردة... خالية من أي اهتمام.
تسلّل إلى ذهنه سؤال بسيط لكنه مؤلم:
"
هل يمكن أن ينسى الأهل ابنهم
وقف ببطء، اقترب من المرآة الصغيرة في غرفته. وجهه شاحب، عيناه متعبتان أكثر من عمره. لمس خده بإصبعه كما لو أنه يحاول تذكير نفسه بأنه ما زال موجودًا.
ثم عاد يجلس، ينصت للمطر.
شيء غريب في صوته هذه المرة... كأن المطر يهمس له بشيء.
أغمض عينيه، فاختلطت الأصوات في رأسه. بين همهمة المطر ونبضات قلبه، سمع لأول مرة ذلك الصوت الغريب...
هادئ، لكنه عميق كأن مصدره من داخله:
> "
وحيد... أليس كذلك
فتح ريان عينيه بسرعة، نظر حوله — لا أحد.
تردّد صدى الكلمة في ذهنه كأنها نُقشت داخله.
> "من... من هناك؟"
لم يأتِ جواب، فقط المطر ازداد شدّة.
شعر بحرارة خفيفة في صدره، قرب قلبه بالضبط. وضع يده هناك، فلاحظ شيئًا غريبًا... كأن جلده ينبض بحرارة غير طبيعية.
لكن حين نظر، لم يجد شيئًا ظاهرًا.
نزلت دمعة من عينه دون أن يدري. لم يكن يعرف إن كانت بسبب الحزن... أم الخوف.
مرت ساعات طويلة، جلس بعدها بجانب النافذة، يتابع والده وهو يحمل أخاه الصغير.
عندما التقت عيناهما لثانية، صرف الأب بصره فورًا وكأن شيئًا لم يكن.
تلك اللحظة كانت كافية لتحفر في قلب ديوس جرحًا جديدًا.
ثم قال فجاة شيء لم يعرف لماذا قااله كأنه شيء في روحه:
> " لا يُقارن القوي بالضعيف. "
ابتسم أماديوس ابتسامة صغيرة، غامضة، لم يفهم تمامًا مغزى الكلام، لكنه شعر بثقلها وكأنها رسالة خفية عن شيء أكبر.
سمع مجددًا ذلك الصوت، أو ربما كان خياله... لكن هذه المرة كان أقرب، أكثر دفئًا:
> "يوماً ما... سيشعرون بوجودك."
ابتسم ريان مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان ابتسامة حذرة، تختلط بالخوف والفضول.
ثم هدأ المطر، ومعه هدأ كل شيء — إلا الصوت في داخله، الذي لم يتركه للحظة.
((سبحان الله والحمد لله ولا الا الله والله اكبر))