كان صباحًا غريبًا، لم يشبه أي صباحٍ عرفه أماديوس من قبل. الهواء من حوله كان يضجّ بطاقةٍ خفية، والسماء مغطاة بضبابٍ أزرقٍ خفيف يلمع كأن فيه ذراتٍ من ضوءٍ حيّ.

وقف أمام البوابة العملاقة لأكاديمية الذيفا، قلب العالم السري الذي طالما سمع عنه في الحكايات.

كانت البوابة مصنوعة من مزيجٍ من الحديد الأسود والفضة المنقوشة، تتخللها رموز متشابكة كأنها أنفاسُ تعويذةٍ قديمة.

اقترب أماديوس ببطء، فإذا بالبوابة تهتز قليلًا ثم ينبعث منها صوتٌ رخيم، كأنه صادر من أعماق الأرض:

> "الاسم... والنية."

تراجع أماديوس للحظة، قبل أن يتمتم بصوتٍ ثابت:

> "أماديوس... والنية أن أتعلم، أن أصبح أقوى."

ساد صمتٌ قصير، ثم ارتسم على البوابة فمٌ من نورٍ وهمس بصوتٍ مبحوحٍ كأن الزمن أنهكه:

> "مرحبًا بك في عرين القدرات... مرحبًا بتلميذ الذيفا الجديد."

انفتح الباب ببطء، وأضاء نورٌ خافت ممرًّا طويلًا من الحجارة الرمادية اللامعة.

دخل أماديوس، وعيناه تتسعان بدهشةٍ لم يستطع إخفاءها.

كان المكان يشبه عصرًا فيكتوريًّا سحريًّا، حيث تتدلى من السقف ثرياتٌ نحاسية تتغذى على شعلاتٍ خضراء تتحرك ككائناتٍ حيّة، وتنتشر على الجدران لوحاتٌ تتحرك فيها الأشكال كأنها تتنفس.

وفي الزوايا، آلاتٌ غريبة تعمل بالبخار، تُصدر همهماتٍ ناعمة وأضواءً خافتة كأنها تحلم.

مرّ بمجموعةٍ من الطلاب يرتدون عباءاتٍ رمادية أنيقة، لكنّهم لم يتكلموا، لم يبتسموا، بل لم يلتفت أحدهم إليه أصلًا.

كانت وجوههم شاحبة وعيونهم كأنها منشغلة بعوالم أخرى.

حتى خطواتهم كانت متناسقة، بلا صوت، كأنهم يسيرون وفق إيقاعٍ واحدٍ لا يسمعه إلا هم.

توقف أماديوس أمام تمثالٍ ضخم في منتصف الممر، تمثال لرجلٍ يمدّ يده نحو السماء ومن حوله دوائر من الرموز متوهجة.

اقترب بخطواتٍ حذرة، فرأى النقوش تتحرك ببطء حول التمثال، كأنها ترحّب به أو تختبره.

> "أماديوس..."

جاءه صوت ذراجو من داخله من جديد.

"هذه ليست مدرسة عادية. هنا تُخلق القدرات... وهنا تُختبر الأرواح."

شعر أماديوس برجفةٍ تسري في أطرافه، لكنه رفع رأسه بثبات.

نعم، كان خائفًا، لكنّ الخوف لم يعد يسيطر عليه كما في الماضي.

تابع السير حتى وصل إلى الردهة الكبرى، قاعة ضخمة سقفها الزجاجي يعكس ضوء السماء كمرآة سماوية، وتملؤها آلات سحرية تدور في صمت، وأوراق تطفو في الهواء تكتب كلماتها بنفسها.

في الزاوية، لاحظ بابًا نحاسيًا صغيرًا عليه وجهٌ منقوش.

ولما اقترب منه، فتح الوجه فمه فجأة وقال بصوتٍ عميقٍ متذمّر:

> "تأخرت! كان من المفترض أن تصل قبل دقات الساعة التاسعة!"

تراجع أماديوس بخوفٍ ممزوجٍ بالدهشة:

> "هل... تتكلم؟"

ضحك الباب ضحكةً قصيرة:

> "هنا... كل شيء يتكلم يا فتى، ما عدا من لا يملك ما يقول."

فتح الباب ببطء، فانبعث منه ضوءٌ دافئ، فابتسم أماديوس بخفةٍ وقال في نفسه:

> "إذًا... هنا تبدأ قصتي حقًا."

ومض النور على وجهه، ثم اختفى داخل القاعة، تاركًا خلفه البوابة تهمس بكلماتٍ غامضة لا تُفهم إلا لمن عبرها.

((سبحان الله والحمد لله ولا الا الله والله اكبر))

2025/11/01 · 12 مشاهدة · 435 كلمة
Shadow
نادي الروايات - 2026