لقد بكيت حتى جفّت دموعي، وحزنت حتى ذاب حزني… كنت حينها في الثالثة من عمري، وما زالت تلك اللحظة محفورة في داخلي، كجرح لم يلتئم بعد.
في يومٍ من الأيام، اقتيد أماديوس مع والديه إلى مكان الاختبار. كان المكان محصناً، لا يدخله إلا النبلاء، أشبه بخاتم عظيم تتوسطه حفرة واسعة وعميقة لا يُرى لها قاع. هنا بالضبط كان يقام اختبار الـ«ذيفا».
الذيفا قدرة خارقة تولد مع الإنسان، لكنها لا تستيقظ إلا في لحظات الضعف والخوف. لهذا كان الامتحان يقام في الحفرة، حيث يلقى الأطفال فيها بلا رحمة، ومن ينجح في إيقاظ قدرته يُنتشل إلى الأعلى، أما الآخرون… فيُتركون لمصيرهم.
مع مرور الوقت، امتلأ المكان بالناس. النبلاء اصطفوا على جانب، يتحدثون بصوت منخفض مترقّب، بينما الأهالي المساكين ضمّوا أبناءهم بخوف مكتوم. وعندما وصل أماديوس رفقة والديه القلقين، انقطع الصمت فجأة بصوت جرسٍ مدوٍّ، ارتجّت له القلوب.
ظهر رجل يسير بخطوات سريعة لا تكاد العين البشرية تلاحقها. كان ذا شعر طويل، وعينين سوداويين، ووجهٍ شاحب لا يحمل أي دفء. لم يكن سوى صاحب الذيفا ، ذاك الذي بلغ قمة القدرة. انحنى له النبلاء واحداً تلو الآخر، لكنّه لم يعرهم أي اهتمام، بل ثبت بصره على الحفرة، كأنه يتخيّل ما سيحدث فيها بعد لحظات.
ثم دوّى صوت الجرس مرة أخرى، لكن أضعف من المرة الأولى. كان ذلك إعلان بدء الاختبار.
اقتيد جميع الأطفال نحو الحفرة. لا يمكن تخيل عمقها؛ بدت كهاوية مظلمة بلا نهاية. وفجأة، ومن دون إنذار، دفعهم المشرفون واحداً تلو الآخر ليسقطوا في الظلام.
سقط أماديوس، والتفت خلفه فرأى نظرات المشرف القاسية، قبل أن يشعر بجسده يهوي في الهواء. رفع عينيه فرأى السماء تتقلص فوقه حتى غدت دائرة بعيدة، ولم يفهم كيف تحوّل المشهد إلى ما يشبه كرة تحيط به من كل جانب. غمره إحساس غريب، كما لو أنه عاش هذه اللحظة من قبل.
لكن الظلام ابتلعه. تحت أذنه دوّى بكاء الأطفال، ثم تلاه صوت عظام تتحطم. نظر نحو الصوت، فرأى يده اليسرى وقد التوت بشكل بشع. لم يقوَ على الصمود، فبكى كما بكى الآخرون.
رفع رأسه متسائلاً: لماذا وضعونا هنا؟ هل لأننا ضعفاء؟ بينما هو غارق في أسئلته، لاحظ أن أطفال النبلاء يتصرفون بهدوء غريب، كأنهم يعرفون ما سيحدث مسبقاً. أما أبناء العامة، فكانوا يصرخون ويرتجفون.
مرّت ساعة كاملة، ولم يأتِ أحد لإنقاذهم. امتلأ المكان بأصوات البكاء والخوف، وبعضهم لم يقوَ على التماسك حتى فقد السيطرة على نفسه. ومع حلول الليل، ازدادت رهبتهم.
لكن في جانب آخر من الحفرة، كان هناك مجموعة من النبلاء قد تجمعوا حول فتى يُدعى فليريان، وهو الأذكى والأقوى بينهم. عيّنوه قائداً لهم، غير أن فليريان كان يخفي أمراً في قلبه. فقد استيقظت قدرته منذ زمن، لكنه تظاهر بالضعف حتى لا يلفت الأنظار، ولا يُثير حقد أعداء والده من النبلاء.
وحين حلّ الليل أخيراً، بدأ جسده يهتز بأنفاس متسارعة تشبه زئير الوحوش، ثم انبثق من داخله نور ساطع أضاء الحفرة بأكملها. تجمد أماديوس في مكانه، مأخوذاً بذلك الضوء الأصفر الذي اخترق الظلام. أحسّ برغبة عارمة لرؤيته من جديد، وكأن شيئاً في أعماقه كان ينجذب إليه.
بعد لحظات، انطفأ النور، وسقط فليريان على الأرض منهكاً، كأنه ركض آلاف الكيلومترات. وسرعان ما نزل رجال الاختبار، حملوه، وأخرجوه إلى الأعلى. عندها فقط فهم الأطفال الباقون:
الخلاص من هذه الهاوية لن يكون إلا عبر ذلك الضوء… عبر استيقاظ الذيفا.
أما أماديوس، فلم يكن يفكر بالخروج. كل ما أراده في تلك اللحظة… هو أن يرى ذلك الضوء مرة أخرى.
((سبحان الله والحمد لله ولا الا الله والله اكبر))