كانت الليلة ساكنة، يغمرها ضوء القمر الباهت الذي ينساب بين أغصان الأشجار خلف سور الحصن القديم.

في تلك الساعة، كان الجميع نائمين… إلا أماديوس.

لم يستطع النوم منذ أن سمع ذلك الصوت أول مرة.

كان يجلس على سريره، يحدّق في النافذة المفتوحة، كأن شيئًا ينتظره هناك.

الريح تمرّ باردة، تحمل معها رائحة الأرض الرطبة… ورائحة أخرى غريبة، لم يعرفها من قبل، تشبه رمادًا مختلطًا بالحديد.

ثم، سمعه مجددًا.

صوت عميق، مشبع بالثقة، مغرور، كأنه لا يكلّم بشرًا بل يأمر تابعًا:

> "أماديوس... تأخرت."

تصلّب جسده.

التفت حوله ببطء، لا أحد.

لم يكن الصوت في أذنه، بل في داخله — في عمقٍ لا يمكنه تحديده.

حاول تجاهله، أغلق أذنيه بيديه، لكن الصدى استمر، أقوى من ذي قبل:

> "قم. الغابة بانتظارك. لا تختبر صبري."

تسارعت أنفاسه، وقف بصعوبة.

خطواته نحو الباب كانت بطيئة، مترددة، كأن جزءًا منه يقاوم، والآخر يُسحب دون إرادته.

خرج إلى الممر، والبيت غارق في السكون.

مرّ بجانب والدته النائمة، نظر إليها لحظة، ثم واصل السير.

حين خرج، لفحته رياح باردة، وأصوات الليل كانت كهمسات أشباح.

كل شيء فيه كان يقول له: “عد إلى الداخل.”

لكن الصوت لم يتركه.

> "قريب... قريب جدًا. اتبع الظل، أيها الضعيف."

تقدم بين الأشجار.

كل خطوة تغوص في الأرض المبللة، وكل نفسٍ يثقل صدره أكثر.

كان يشعر بشيء غريب — مزيج من الخوف والفضول — وكأن في داخله نارًا صغيرة تشتعل، تقوده نحو المجهول.

حتى توقّف.

كانت هناك حفرة قديمة، مغطاة بالعشب، وسط الغابة.

الريح سكنت، والليل كتم أنفاسه.

وفجأة…

انبثق من داخل الحفرة ضوءٌ خافت، لونه أزرق داكن، يلمع كأنه نَفَسُ مخلوقٍ ينهض من سباته.

ثم سمع الصوت، أقرب من أي وقتٍ مضى، هذه المرة واضحًا، يقطر غرورًا وسخرية:

> "أخيرًا جئت... يا من تحاول الهرب من ظلك."

شعر أماديوس بقشعريرةٍ حادة تجتاح جسده.

لم يفهم إن كان يحلم أو يعيش يقظةً غير واقعية.

اقترب ببطء، والخطوات تُحدث صدى غريبًا في الغابة الصامتة.

وقف على حافة الحفرة، نظر في عمقها — فلم يرَ شيئًا، سوى ضوءٍ يتنفس.

مدّ يده، فتوقّف فجأة…

الصوت قال بنبرة حادة، آمرة:

> "لا تلمسني، أنا من سيلمسك أولاً."

في تلك اللحظة، شعر بشيءٍ يخرج من الأرض بسرعة البرق، كريحٍ سوداء تخترق صدره.

شهق بصوتٍ مكتوم، وسقط على ركبتيه، بينما عيناه تتسعان في ذهول.

> "من... من أنت؟"

ضحك الصوت بخفّةٍ متعجرفة، وقال:

> "أنا لست من، بل ما سيكون. أنت فقط... بداية ما هو قادم."

ثم اختفى الضوء، واختفى الصوت.

وبقي أماديوس راكعًا وسط الغابة، يرتجف، يشعر بأن شيئًا غيّر داخله للأبد.

((سبحان الله والحمد لله ولا الا الله والله اكبر))

2025/10/07 · 29 مشاهدة · 405 كلمة
Shadow
نادي الروايات - 2026