ما إن لامس آرين غلاف الكتاب حتى تهاوت الجدران الصخرية من حوله، وتفتحت الأرض تحت قدميه كما لو أن العالم ذاته قرر أن يسقطه في المجهول.
ضوء ساطع غمر المكان بلون أبيض نقيّ، لم يكن فيه شيء سوى الغيوم، الهدوء، ورائحة قديمة تُشبه رماد الأساطير. وبين هذا البياض، تجسدت أمامه عينان حمراوان بحجم النجوم، ثم ظهر جسد ضخم، مغطى بحراشف سوداء ينساب فيها وهج أحمر داكن. كان تنيناً أسطورياً، عملاقاً بما يكفي ليحجب السماء التي لم تكن موجودة أصلاً.
ارتجف آرين من الرهبة، جسده المتعب لم يحتمل ثقل هذا المشهد، فكاد ينهار لولا أن ثبّت قدميه.
ضحك التنين بصوتٍ عميق جعل الغيوم تتباعد، وقال بصوتٍ كمن نسي اللغة فاختلقها: "أخيراً... حامل الكتاب قد أتى."
آرين لم يحرّك شفتيه، فقط نظر بعينين تملؤهما الصدمة، ولسان حاله يسأل: من؟ كيف؟ ولماذا أنا؟
لكن قبل أن ينطق، اختفى التنين كما ظهر، وابتلع الضوء كل شيء.
حين فتح عينيه، وجد نفسه في مكانٍ مختلف تماماً. أرض واسعة، مباني غريبة الشكل، أعمدة طويلة من حجر أزرق، وسماء مشقوقة بخطوط طاقة خضراء تتحرك ببطء.
كان في مدينة لا تشبه أي شيء رآه من قبل، لا قريته ولا حتى كتب الأساطير التي مرّت عليه.
بدأ يتجول ببطء، ينظر إلى الأزياء، والناس، والوجوه التي لم تره من قبل، لكنه رأى في عيونهم شيئاً مشتركاً: الدهشة.
اقترب من رجل عجوز وسأله: "أين أنا؟"
لكن الرجل لم يرد، بل تراجع بخوف، كأنه رأى شبحاً.
وقبل أن يزداد الأمر غرابة، ظهرت فتاة بشعر قصير وعيون خضراء، هي نفسها التي لمحها في الرؤية التي رافقت فتح الكتاب.
قالت له بابتسامة خفيفة: "كنت أعلم أنك ستأتي... تعال، سأوصلك إلى معلمي، فهو من ينتظر ظهور حامل الكتاب منذ زمن."
رافق آرين الفتاة عبر ممر حجري طويل بين مباني قديمة حتى وصل إلى معبد عظيم، يتوسطه تمثال ضخم لتنين منحوت من الحجارة السوداء.
في ساحة التدريب أمام المعبد، كان عشرات التلاميذ يتدربون بإتقان، يتحركون بتناغم، كأنهم يرقصون على نغمة خفية.
نظر آرين إلى الفتاة وسأل باستغراب: "ما الذي يفعلونه؟"
أجابت الفتاة وهي تنظر إليهم بفخر: "إنهم يتدرّبون على بناء النواة داخل أجسادهم. من دونها، لا يمكنهم استخدام قدراتهم السحرية."
تراجع آرين خطوة وقال: "سحر؟ نواة؟ ما هذا بحق الجحيم؟"
ضحكت الفتاة برقة، ثم أشارت له أن يتبعها.
في الداخل، داخل قاعة المعبد الكبرى، جلس رجل مسن ذو شعر أبيض كثيف ولحية طويلة تمتد حتى صدره. لم يكن يشبه أي شيخ رآه من قبل؛ حضوره كان طاغياً ومخيفاً رغم هدوئه.
رفع الرجل نظره نحو آرين وقال بصوت هادئ لكنه نافذ: "أهلاً بك، يا من حمل الكتاب المهجور."
جلس آرين أمامه بتوتر، بينما راح الشيخ يحدّق فيه بنظرات تفحص.
قال الأستاذ: "هذا العالم يُدعى (
نيراثيوم)
أخذ نفسًا ثم أكمل: "كل مدينة في هذه الأرض تخفي كتاباً قديماً، وكل كتابٍ يحتوي على أثرٍ من قوة تنينٍ خالد. الكتاب الذي وجدته ليس مجرد أثر، بل هو قلب تنين حيّ...