كانت الليلة هادئة أكثر من المعتاد. القمر معلق في السماء، يشع بنوره البارد فوق المعبد، بينما التلاميذ يخلدون للنوم بعد يوم طويل من التدريب. آرين كان في حجرته، يكتب شيئاً في دفتر صغير الذي أعطته له ليريا. لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستكون آخر ليلة هادئة في حياته.
صرخة اخترقت سكون الليل. تبعها صدى انفجار هائل، وهزّات أرضية كأن زلزالاً ضرب قلب المعبد.
فتح آرين الباب بسرعة، وإذا بدخان كثيف يملأ الممر. سمع صراخاً، وقع خطوات راكضة، ثم رأى شخصاً مقنّعاً، مغطى برداء أسود متموج كاللهب، يقف وسط ساحة المعبد.
"من أنت؟!" صاح أحد الأساتذة، لكنه لم ينطق أكثر من ذلك. حركة سريعة من يد الرجل، وإذا بجسد الأستاذ يسقط بلا حياة.
حاول آرين التراجع، لكنه شعر بشيء يضربه من الخلف. شعر بثقله يسقط. عينيه تثقلان. الظلام يبتلعه.
في مكانٍ مجهول
استيقظ آرين ببطء. كان ممدداً على أرضٍ صلبة، باردة كالجليد. المكان معتم، لا يُسمع فيه سوى صوت تنفّسه المرتجف. رفع رأسه بصعوبة، فوجد نفسه داخل كهف عظيم، جدرانه سوداء مشققة، ينبعث منها بخار أحمر كالدخان.
في صدر الكهف، كان هناك عرش حجري ضخم، تحيط به سلاسل ضخمة ودوائر نقشٍ قديم تتوهج بألوان قرمزية. وعلى ذلك العرش، جلس كيان مغطى بهالة سوداء قاتمة، عيناه تلمعان باللون الأحمر القاني.
بصوت أجش وعميق كصدى الجحيم، قال: "انهض، يا من تحمل الدماء المختارة."
ارتجف جسد آرين. حاول النهوض، وتراجع إلى الوراء.
"م-من أنت؟ أين أنا؟!"
في لحظة، اختفى الكيان من على العرش، وظهر خلف آرين، يهمس في أذنه:
"أنا من سيوقظ القوة النائمة بداخلك. أنا من سيُريك من تكون حقاً."
استدار آرين بسرعة، وإذا بالكيان يقف أمامه، طوله يفوقه بأضعاف، قرناه ملتويان، وجسده يفيض طاقة شريرة.
قال آرين بصوت متقطع: "أنا لا أريد هذه القوة دعني أرحل!"
ضحك الكيان، ضحكة تقشعر لها الأبدان، قال:
"ولكنك ولدت لأجل هذه القوة يا آرين أنت لست من هذا العالم دماؤك ليست عادية والكتاب الذي وجدته ليس مصادفة."
مدّ يده، وإذا بالكتاب القديم يظهر من العدم، يدور في الهواء، ثم يسقط أمام آرين.
"اختر، آرين. إما أن تبقى عبداً لهذا العالم الكاذب… أو تتبعني وتُشعل النواة بداخلك. سأجعلك ما لم يكن أحد قادراً أن يكونه."
آرين كان يتنفس بصعوبة، رأسه تدور، الصور تتزاحم في عقله: وجه أمه، ضحكة ليريا، حكمة زيرافوس… وصوت الأستاذ الذي قُتل.
"هؤلاء قتلوا بسببك؟!"
قال الكيان مبتسماً:
"البعض يُولد ليُشعل النور والبعض ليبتلع الظلام. أنت، يا آرين الإثنان معاً."
أخذ آرين الكتاب بيد مرتجفة. عيناه ما زالتا متوهجتين بذلك اللون الثلجي. وفجأة، شعر بحرارة تنبع من داخله، نواة قلبه بدأت ترتجف.
الشيطان قال بهدوء:
"ارقص مع الظل يا فتى… الزمن القادم ليس للضعفاء."
في المعبد – بعد الهجوم
كانت ليريا تركض في الممرات المحطمة. وجدت الأستاذ زيرافوس بين الأنقاض، ينزف لكنه حي. بجانبه، كان جسد كايل بلا حراك.
قالت وهي تبكي: "أين آرين؟! ماذا حدث؟!"
فتح زيرافوس عينيه بصعوبة: "لقد أخذوه, الظلام قد بدأ يتحرك ويبدو أن الكتاب اختار مصيره."