الفصل الثالث: الخزنة البيضاء

منذ ذلك اليوم...

لم تفارق الفكرة عقل كايل.

إذا كان الذهب يمكن أن يُقرض...

فلماذا لا يمكن إقراض المانا؟

كان السؤال بسيطًا.

لكن كلما فكر فيه...

ازداد غموضًا.

عاد إلى مكتبة القصر.

قرأ كتب السحر.

ثم كتب المانا.

ثم المخطوطات القديمة التي لم يفتحها أحد منذ سنوات طويلة.

قرأ حتى تعبت عيناه.

ومع ذلك...

لم يجد سوى شيء واحد.

لا أحد...

حاول يومًا تخزين المانا.

"إذن..."

همس كايل وهو يغلق آخر كتاب.

"سأكون أول من يجرب."

في الأيام التالية...

بدأت محاولاته.

جمع المانا داخل كفه.

ثم أغلق قبضته.

بعد لحظات...

عادت المانا إلى جسده.

جرب أن يحبسها داخل بلورة.

فتبددت.

رسم دائرة سحرية نقلها من أحد الكتب.

انتظر طويلًا...

ولم يحدث شيء.

مرة بعد أخرى...

كان يفشل.

لكن الفشل...

لم يكن يزعجه.

بل كان يمنحه سؤالًا جديدًا.

"لماذا؟"

وكان يحاول مجددًا.

مرت أسابيع.

وفي صباح هادئ...

جلس كايل وحده في حديقة القصر.

أغلق عينيه.

وسحب جزءًا صغيرًا جدًا من ماناه.

هذه المرة...

لم يحاول ضغطها.

ولم يحاول حبسها.

بل تخيل...

أنها لا تنتمي إلى هذا العالم.

ساد الصمت.

وفجأة...

اختفى كل شيء.

فتح كايل عينيه ببطء.

فتجمد في مكانه.

لم تعد الحديقة موجودة.

كان يقف فوق أرض بيضاء ناعمة...

تشبه سحابة صلبة تمتد بلا نهاية.

وحوله...

بحر هادئ من السحب البيضاء.

تتخلله أشعة شمس ذهبية تنساب بين الغيوم في هدوء.

وفي الهواء...

كانت ذرات صغيرة من الضوء ترقص ببطء.

غبار مانا نقي...

يلمع كلما لامسته أشعة الشمس.

لم يكن المكان باردًا.

ولا حارًا.

بل مريحًا...

وكأن العالم كله توقف عن إصدار الضجيج.

وقف كايل صامتًا.

ثم همس دون أن يشعر:

"جميل..."

نظر أمامه.

فرأى كرة المانا الصغيرة التي حاول حفظها.

كانت تطفو وسط الهواء.

هادئة.

لا تتبدد.

اقترب منها بحذر.

ومد إصبعه.

وما إن لمسها...

عادت المانا إلى جسده.

واختفى العالم الأبيض.

فتح عينيه.

ليجد نفسه من جديد في حديقة القصر.

تنفس بسرعة.

ونظر حوله.

الأشجار كما هي.

والعصافير ما زالت تغرد.

همس لنفسه:

"لم يكن حلمًا..."

في اليوم التالي...

كرر التجربة.

وفشل.

وفي اليوم الذي يليه...

نجحت.

ثم فشل مرة أخرى.

واستمر الأمر أيامًا.

حتى أدرك الحقيقة.

ذلك المكان...

لم يظهر مصادفة.

بل كان نتيجة مئات المحاولات التي سبقته.

كل تجربة فاشلة...

كانت تقربه خطوة من النجاح.

ابتسم كايل.

لأول مرة...

شعر أن جهده أثمر.

بدأت تجربة جديدة.

هذه المرة...

لم يكن هدفه الوصول إلى العالم الأبيض.

بل استخدامه.

منذ ولادته...

امتلك كايل كمية مانا تفوق معظم الأطفال.

حتى بين أبناء النبلاء.

ولذلك...

قرر أن يخوض تجربة جريئة.

في كل صباح...

كان ينقل جزءًا كبيرًا من ماناه إلى العالم الأبيض.

قرابة ثلثي مخزونه.

ثم يواصل يومه كالمعتاد.

المفاجأة...

أنه لم يشعر بالضعف.

فالثلث المتبقي...

كان أكثر من كافٍ للدراسة، والتدريب، واللعب، وحياته اليومية.

بل إن نقل تلك الكمية الهائلة كل يوم...

أجبره على التحكم بماناه بدقة أكبر.

ومع مرور الأيام...

أصبحت المانا تدور داخل جسده بانسيابية لم يعهدها من قبل.

لم يكن التخزين يستهلكه.

بل كان يدربه.

مرت الشهور.

وأصبح العالم الأبيض يستقبل المانا بسهولة.

وفي أحد الأيام...

دخل كايل كعادته.

لكنه توقف فجأة.

ذلك المكان...

لم يعد كما كان.

وسط بحر السحب البيضاء...

ارتفع درج حجري صغير.

يصعد إلى استراحة هادئة.

تحت أشعة الشمس.

وعليها...

طاولة حجرية بسيطة.

وأمامها...

كرسي واحد فقط.

وفوق الطاولة...

استقر سجل جلدي سميك.

اقترب كايل ببطء.

كان متأكدًا...

أن شيئًا من ذلك لم يكن موجودًا بالأمس.

جلس على الكرسي.

ثم فتح السجل.

لم يجد فيه سوى صفحة واحدة.

وسطر واحد.

الرصيد الحالي:

وتحته...

كمية المانا التي خزّنها.

اتسعت عيناه.

لم يكتب أحد هذه الكلمات.

ولم يحملها معه.

ومع ذلك...

كانت موجودة.

مرر أصابعه فوق الصفحة.

ثم ابتسم.

"إذن..."

رفع نظره نحو السماء البيضاء.

"هذا المكان..."

"...يحفظ ما أودعه."

أغلق السجل برفق.

ونظر إلى السحب الممتدة بلا نهاية.

كان يشعر...

أن هذا العالم ينمو معه.

وأنه كلما فهمه أكثر...

كشف له سرًا جديدًا.

ولم يكن يعلم...

أن تلك الخزنة البيضاء الصغيرة...

ستصبح يومًا...

أعظم مؤسسة عرفها العالم.

2026/06/28 · 2 مشاهدة · 617 كلمة
qquussuu
نادي الروايات - 2026