4 - الفتى القادم من القرية

الفصل الرابع: الفتى القادم من القرية

مرت عدة أشهر...

وأصبح كايل يقسم أيامه بين المكتبة...

والفضاء الأبيض.

كل صباح...

يودع جزءًا من ماناه.

ثم يقضي بقية يومه يقرأ، ويتدرب، ويطرح الأسئلة التي لا تنتهي.

لكنه بدأ يشعر بشيء غريب.

كلما قرأ كتابًا جديدًا...

ازداد اقتناعًا بأن الكتب لا تجيب عن كل شيء.

أغلق آخر كتاب بين يديه.

وزفر بهدوء.

"إذا أردت أن أفهم العالم..."

رفع بصره نحو النافذة.

"...فعليّ أن أراه."

في صباح اليوم التالي...

خرج كايل من القصر لأول مرة دون موكب.

ارتدى ملابس بسيطة.

وأخفى شارة عائلته.

لم يشأ أن يعرف أحد أنه ابن الدوق.

كان يريد أن يرى الناس...

كما هم.

لا كما يتصرفون أمام النبلاء.

سار حتى وصل إلى قرية صغيرة تقع عند أطراف أراضي آلدرين.

هناك...

كان كل شيء مختلفًا.

أطفال حفاة يركضون في الأزقة.

نساء يخبزن الخبز أمام البيوت.

ورجال عادوا من الحقول قبل غروب الشمس.

ضحكات...

ورائحة خبز ساخن...

وصوت مطرقة حداد في آخر القرية.

توقف كايل.

وأخذ ينظر إلى كل شيء.

لم يكن أي كتاب...

قد وصف هذا الشعور.

ابتسم دون أن يشعر.

للمرة الأولى...

أدرك أن العالم...

أكبر من جدران القصر.

وفجأة...

ارتفع صراخ من الطرف الآخر للقرية.

"أمسكوه!"

"سيحطم كل شيء!"

التفت كايل.

فرأى خنزيرًا بريًا ضخمًا يركض بين البيوت.

كانت العربات تتناثر في طريقه.

والدجاج يهرب في كل اتجاه.

وخلفه...

ركض طفل أسود الشعر.

يحمل عصًا خشبية أطول منه بقليل.

ويصرخ بحماس.

"قف!"

"لن تهرب هذه المرة!"

قفز فوق سور منخفض.

ثم تدحرج على الأرض.

ونهض بسرعة...

دون أن يتوقف عن المطاردة.

اصطدم الخنزير بصخرة كبيرة.

فاختل توازنه للحظة.

استغل الطفل الفرصة.

قفز فوق ظهره.

وأمسكه بكلتا يديه.

وبدأ يضربه بالعصا عدة مرات.

ظل الخنزير يقاوم.

ثم هدأ أخيرًا...

واستلقى على الأرض وهو يلهث.

ساد الصمت.

ثم انفجر أهل القرية بالضحك.

قال أحد الرجال مبتسمًا:

"رون..."

"لو استخدمت عقلك نصف استخدامك لقدميك..."

"لأصبحت عبقريًا."

حك الطفل رأسه بخجل.

ثم ضحك.

"لكنني استمتعت بالمطاردة."

ضحك الجميع مرة أخرى.

راقب كايل المشهد بصمت.

لم يكن ينظر إلى الخنزير.

ولا إلى العصا.

بل إلى الطفل نفسه.

كان متعبًا.

ملابسه مغطاة بالطين.

وذراعاه مليئتان بالخدوش.

ومع ذلك...

كان يبتسم.

اقترب منه.

وقال بهدوء:

"لو نصبت فخًا..."

"لما اضطررت إلى مطاردته."

نظر رون إليه باستغراب.

ثم اتسعت ابتسامته.

"وفيمَ المتعة إذًا؟"

ضحك قليلًا.

ثم أضاف:

"إذا وضعت فخًا..."

"فلن أستطيع الجري خلفه."

صمت كايل.

ولأول مرة...

لم يجد جوابًا.

مد رون يده.

"أنا رون."

نظر كايل إلى اليد الصغيرة.

كانت مليئة بالخدوش والطين.

لكنه صافحه.

"أنا كايل."

ابتسم رون.

ثم سأله بعفوية:

"هل أنت ابن تاجر؟"

تردد كايل لحظة.

لم يعتد الكذب.

ثم قال بابتسامة خفيفة:

"يمكنك أن تقول..."

"إن عائلتي تعمل في التجارة."

أومأ رون باقتناع.

"إذن أنت محظوظ."

جلس الاثنان قرب النهر.

كان الماء يجري بهدوء.

ورائحة الأعشاب تملأ المكان.

أما رون...

فلم يتوقف عن الكلام.

حدثه عن الغابة.

وعن الصيد.

وعن الأشجار التي يحب تسلقها.

وعن حلمه بأن يصبح فارسًا...

يحمي قريته.

أما كايل...

فكان يستمع أكثر مما يتحدث.

كان يكتشف عالمًا...

لم تذكره الكتب.

بعد فترة...

التفت رون إليه.

"لماذا تنظر إلى الناس كثيرًا؟"

فكر كايل قليلًا.

ثم أجاب:

"لأن الكتب..."

"لا تخبرني بكل شيء."

رمى رون حجرًا صغيرًا في النهر.

ثم سأله:

"وماذا تعلمت اليوم؟"

نظر كايل إلى الأطفال الذين يركضون قرب الماء.

وإلى النساء اللواتي يضحكن.

ثم قال بهدوء:

"أن الناس..."

ابتسم ابتسامة صغيرة.

"...يضحكون أكثر مما تصفه الكتب."

نظر إليه رون باستغراب.

ثم انفجر ضاحكًا.

"أنت غريب."

ابتسم كايل.

"ربما."

بدأت الشمس تميل نحو الغروب.

وقف رون.

ونفض الغبار عن ملابسه.

ثم قال بحماس:

"غدًا..."

"سأريك مكانًا في الغابة."

اقترب قليلًا وهمس:

"لا يعرفه أحد غيري."

ابتسم كايل.

"إذن..."

"سأعود."

لوح له رون بيده.

ثم ركض مبتعدًا.

ظل كايل يراقبه...

حتى اختفى بين البيوت.

وفي ذلك اليوم...

لم يكن أحد يعلم...

أن الصبيين اللذين التقيا صدفة عند أطراف قرية صغيرة...

سيكتبان معًا...

فصلًا جديدًا من تاريخ العالم.

2026/06/28 · 0 مشاهدة · 610 كلمة
qquussuu
نادي الروايات - 2026