الفصل السادس
بداية الطريق
مرت أيام قليلة...
لكن حديث شجرة البلوط لم يغادر عقل كايل.
ولا المشهد الأخير...
ذلك التشوه الغريب في الهواء عندما ضرب ريان الذئب.
...
في صباح هادئ...
كان كايل يجلس مع والده في مكتبه.
كان البارون إيثان يراجع تقارير الأراضي، بينما وقف كايل أمام النافذة صامتًا.
لاحظ والده شروده.
"يبدو أن لديك ما تريد قوله."
التفت كايل إليه.
"أبي..."
"أريد أن أتحدث عن ريان."
رفع البارون رأسه.
"صديقك من القرية؟"
أومأ كايل.
"إنه مختلف."
ابتسم والده.
"كل طفل يظن أن صديقه مختلف."
هز كايل رأسه.
"ليس هذا ما أقصده."
ثم روى له ما حدث في الغابة...
منذ ظهور الذئاب...
حتى الضربة الأخيرة.
لم يقاطعه البارون.
ظل يستمع بصمت.
وعندما انتهى كايل...
ظل المكتب هادئًا للحظات.
ثم قال إيثان:
"هل تظن أنه استخدم السحر؟"
"لا."
"إذن ماذا؟"
أجاب كايل بصدق.
"لا أعلم."
نهض البارون من مكانه.
واتجه نحو النافذة.
ثم قال بهدوء:
"إذا كان الصبي يملك موهبة..."
"فمن الظلم أن تبقى مدفونة."
التفت نحو كايل.
"أحضره غدًا."
...
في صباح اليوم التالي...
دخل ريان القصر لأول مرة.
كانت عيناه تتحركان في كل اتجاه.
"القصر أكبر مما تخيلت..."
ضحك كايل.
"لا تنظر كثيرًا."
"ستصطدم بشيء."
وبالفعل...
اصطدم بدرع أحد الفرسان.
احمر وجهه.
فضحك الجميع.
...
في ساحة التدريب...
وقف قائد الفرسان.
رجل ضخم يدعى جيرالد.
نظر إلى ريان.
"سمعت أنك تريد أن تصبح فارسًا."
ابتلع ريان ريقه.
"نعم."
ابتسم جيرالد.
"إذن أرني."
ألقى إليه سيفًا خشبيًا.
وقف أمامه أحد المتدربين الأكبر سنًا.
وبدأت المبارزة.
في البداية...
تعثر ريان.
ثم تلقى ضربة.
ثم أخرى.
لكن...
بعد دقائق فقط...
بدأ يتفادى الضربات.
ثم رد واحدة.
ثم اثنتين.
ثم ثلاثًا.
اتسعت أعين الفرسان.
همس أحدهم:
"إنه يتعلم أثناء القتال."
انتهت المبارزة.
تنفس جيرالد ببطء.
ثم نظر إلى البارون.
"هذا الصبي..."
"لم يتلق تدريبًا قط."
"ومع ذلك..."
"موهبته مرعبة."
ابتسم البارون.
"إذن..."
"اعتبره أحد متدربي القصر."
لم يصدق ريان ما سمع.
"حقًا؟"
ابتسم إيثان.
"لكن عليك أن تجتهد."
انحنى ريان بسرعة.
"لن أخيب ظنك يا سيدي."
...
وهكذا...
بدأت أيام جديدة.
كل صباح...
يتدرب ريان مع الفرسان.
يتعلم المبارزة.
وركوب الخيل.
والرماية.
وفنون القتال.
أما كايل...
فكان يقضي صباحه بين الكتب.
ثم ينتقل إلى حديقة القصر.
يجلس تحت شجرة كبيرة.
ويبدأ تدريبه المعتاد.
ينقل جزءًا من ماناه إلى العالم الأبيض.
ثم يعيدها.
مرة...
ومرتين...
وعشرات المرات.
حتى أصبحت المانا تتحرك داخل جسده كما تتحرك الدماء في العروق.
كل تعويذة...
أصبحت تحتاج مانا أقل.
وكل خطأ...
أصبح يختفي شيئًا فشيئًا.
كان أساتذته يندهشون.
"تحكمه بالمانا لا يشبه طفلًا في مثل عمره."
لكن كايل لم يكن راضيًا.
كان يكرر دائمًا:
"ما دام هناك هدر..."
"فما زال هناك مجال للتحسن."
...
وعند غروب كل يوم...
كان الصديقان يلتقيان في ساحة جانبية.
قال ريان وهو يرمي سيفًا خشبيًا إلى كايل:
"هيا."
"قاتلني."
ابتسم كايل.
"سأخسر."
"أعرف."
ضحك ريان.
"لكن حاول."
بدأت المبارزة.
وخلال ثوانٍ...
أسقط ريان السيف من يد كايل.
جلس كايل على الأرض.
"كما توقعت."
ضحك ريان.
"أنت ضعيف."
ابتسم كايل.
"وأنت متهور."
توقف ريان.
"ماذا تقصد؟"
رسم كايل بعصا خطوطًا على التراب.
"لو كنت مكان خصمك..."
"لاستدرجتك إلى هنا."
وأشار إلى منطقة ضيقة.
"ثم هاجمتك من الخلف."
ظل ريان ينظر إلى الرسم.
لأول مرة...
بدأ يفكر قبل أن يهاجم.
...
ومنذ ذلك اليوم...
صار كل واحد منهما يعلم الآخر ما ينقصه.
ريان...
يعلم كايل الوقفة الصحيحة.
وكيفية الإمساك بالسيف.
وكيف يقرأ حركة جسد خصمه.
أما كايل...
فيعلم ريان التفكير.
وكيف يضع خطة.
وكيف يحول نقطة ضعف خصمه إلى فرصة.
مرت الشهور...
وأصبحا لا يفترقان.
...
لكن شيئًا آخر...
كان يشغل عقل كايل.
في كل ليلة...
كان يعود إلى مكتبة القصر.
يفتح كتب السحر.
ثم كتب المبارزين.
ثم المخطوطات القديمة.
كان يبحث عن شيء واحد فقط.
ما الذي حدث في الغابة؟
بعد أسابيع من البحث...
وجد مخطوطة قديمة، تكاد أوراقها تتفتت.
قرأ بصوت منخفض:
"ليست كل القوى تعتمد على المانا..."
توقف.
أكمل القراءة.
"فقد ظهر عبر التاريخ أفراد امتلكوا..."
"...تقنيات فريدة."
اتسعت عيناه.
تابع بسرعة.
"لكنها لا تورث..."
"...ولا يمكن تعلمها..."
"...ولا تظهر إلا لمن اختاره القدر."
انتهت الصفحة.
أما بقية المخطوطة...
فكانت ممزقة.
أغلق كايل الكتاب ببطء.
ثم همس:
"إذن..."
"ما استخدمه ريان..."
"قد يكون إحدى هذه التقنيات."
وفي تلك الليلة...
فتح سجلًا جديدًا داخل العالم الأبيض.
وكتب في الصفحة الأولى:
أبحاث التقنيات الفريدة
ثم كتب أول عنوان:
التقنية الأولى (اسم مؤقت): ضربة الفراغ.
الوصف:
"تشوه لحظي في الفضاء يحدث عند تنفيذ ضربة جسدية."
المستخدم المعروف:
"ريان."
ثم أغلق السجل.
ورفع رأسه نحو السماء البيضاء.
"إذا وجدت تقنية واحدة..."
"فلا بد أن توجد تقنيات أخرى."
وفي مكان بعيد...
كانت عجلة القدر تدور بصمت.
دون أن يدرك الطفلان...
أن سنوات التدريب الأولى...
لم تكن سوى بداية الطريق.
الفصل السادس