...

...

..

.

"عالم الاستيعاب..."

همس يو الجملة بين أنفاسه، و فمه مفتوح بدون سبب من تلك الكلمات الغريبة. شعر بشيء ما يتحرك في قلبه وهو يرددها في عقله...

كانت مألوفة و في نفس الوقت غامضة، غريبة و معقدة...

'عالم الاستيعاب. عالم الاستيعاب. عالم الاستيعاب...'

ضغط يو على ذهنه محاولا معرفة الشعور في قلبه تجاهها... سحب الكرسي و جلس ذيله الذهبي تحرك بشكل غير مريح بينما يفكر...

أغلق عيناه السوداء وهو يتمتم لنفسه. بعد مدة فشل في توصل لشيء من ذكرياته. لكن الشعور لم يختفي من صدره بل تعمق أكثر...

مد يده ممسكا بالورقة الصغيرة...

وقرأ الفقرة المكتوبة من طرف الشاب...

"هذه مجرد فرضية مني توصلت لها من خلال قراءة العديد من الكتب وملاحظة العديد من الأشياء الغريب. لم يسأل أحد نفسه أين تذهب الأشياء التي يبتلعها السينيريس، الأشخاص الذين يتحولون لبلورات من مرض الأوريجينيوم برايم. الجميع يري أمر كسبب و نتيجة فقط. السينيريس يسبب المرض، المرض ينهي كل شيء... لكن أعتقد أن أمر أعمق من ذلك. أعتقد أن هناك عالما كاملا منفصلا، مندمجا بعلامنا. ذلك العالم هو عالم الاستيعاب..."

توقف يو عن القراءة للحظة هدوؤه كان في قمته بسبب حالته الغريبة، لكن عقله كان يحلل الكثير وفقا لذكريات الشاب...

بعد تواني عاد بنظره نحو الورقة...

"السينيريس، يبتلع عالمنا ببطء مند حوالي ألاف السنين لصنع عالم جديد كليا. إنه مجرد إفتراض غريب لكنه الأقرب للواقع من نظري. ما أخافه أن السينيريس ليس شيئا من صنع العالم، ربما تمت صناعته من قبل كيان ما و أرسله لعالمنا..."

تنفس يو بعمق و أعاد قراءة الورقة مجددا بتأمل ينظر كل كلمة و جملة لوحدها. نظر للجهة الخلفية منها وعندما لم يجد شيئا إتكأ بظهر على ظهر الكرسي ونظر لسقف بعيون سوداء عميقة...

تنهد بعمق...

"هذا.. إن كان صحيحا فالعالم في مشكلة كبيرة. ربما يقف على حافة النهاية..."

إن كان هناك كائن حقا هو المسؤول عن صنعه. لأي غرض صنعه...؟. وما هو الهدف النهائي منه...؟

عالم الاستيعاب هل هو موجود حقا...؟. وماهو عمله...؟

رفع يو إصبعين وفرك صدغه بحيرة.. بعد ثوان من تفكير وضع الورقة مكانها و إستدار لمغادرة الغرفة...

لقد إستيقظ مند أسبوع فقط الآن، و لم يفعل شيئا غير نوم و تحديق في السقف. تحريك أطرافه قليلا سيكون جيدا جدا. يمكنه التفكير في الأمر بعد أن يتحرك قليلا..

حدق يو لثانية من النافذة. الشمس كانت في كبد السماء، والرياح اللطيفة تلعب بالغيوم و العشب الأخضر على أرض...

تدفق الهواء محمل برائحة الأرض و الأعشاي من النافدة وعانق جسده...

أخد لحظة لتأمل ذلك الشعور الجميل بالطبيعة، التي ربما لم يبقي مثلها الكثير حول العالم... السينيريس يتوسع و يمحوا الكثير في طريقه...

كثرة التفكير في الأمر جعلت معدة يو تصدر أصواتا عميقة تحتج عليه...

إبتسم وهو يستدير، تمايل ذيله مع كل خطوة وهو يغادر الغرفة. مشي ببطء نازلا الدرج. المنزل الخشبي جميل جداً و الأثات في الطابق السفلي أكثر من حابس لأنفاس، من التنظيم و الجمال...

مطبخ متوسط الحجم و غرفة صغيرة للجلوس. مع طاولة مستديرة صغيرة، لم يكن ليصبح أكثر جمالا و روعة...

عند نزوله الدرج وقع نظر يو على المرأة الجميلة في المطبخ تعد الطعام بشغف و حب، وهي تدندن بلحن جميل جداً...

حاول يو البقاء ساكنا، وعدم إصدار أي صوت يعيق عملها. لكن كرسيا غبيا من لا مكان إصطدم بقدم...

الكرس إصطدم به وليس العكس...

نظر يو للكرسي مطولا وهو يلاحظ توقف الدندنة...

توقفت الأم عن ما تفعله ونظرت ليو من فوق كتفها وهو ينظر بينها وبين الكرسي الغبي...

إبتسامة دافئة إرتسمت على شفتيها...

"يو، صغيري. ماذا تفعل بالضبط...؟"

إبتسم يو بحرج وخدش مؤخرة رأسه...

"كنت أحاول عدم إزعاج دندنتك، لكن الكرسي أفسد خطتي..."

ضحكت الأم بمرح و عيناها الواسعة توهجت بسعادة...

"ربما ستنجح المرة القادمة. من الجيد أنك تعافيت صغيري. إجلس، الطعام سيجهز قريبا..."

دغدغت الرائحة أنف يو مما جعل ذيله يتحرك قليلا... بسبب هودئه الغريب، شعر يو أن ذيله هو من يعبر عن تلك المشاعر الطفولية...

تقدم وجلس فوق الكرسي...

نظر يو حوله ولاحظ أن شخصا ناقصا...

"أين أبي... أمي...؟ "

أجابت بهدوء دون إبعاد نظرها عن قدر الطعام

"أعطاه عمدة القرية مهمة صيد مستعجلة، يبدو أن وحشا صغيرا قد شوهد مؤخرا في أرجاء الغابة. لم يبدو خطيرا أو مؤديا بشكل خاص. لكن شعر البعض بالخوف من دهاب لمحاصيلهم. و الكثير شعرو بالخطر على صغارهم.."

تنهدت و أضافت...

"إن كان وحشا واحدا فستكون الأمور عادية..."

تمتم يو وهو يحك ذقنه...

"هممم. إن ظهر كائن بلوري، فهذا يعني أن حجر سينيريس ظهر في مكان قريب من القرية..."

نفت الأم الأمر...

"إن ظهر أي أثر لسينيريس فستأتي القوات الخاصة من فيكتوريا لحل المشكلة. لورد الليل لذيه شبكة معلومات هائلة لتعامل مع الأمر قبل تفاقمه... يبدو أن الكائن هرب من مكان أخر، ويبدو أنه بعيد أيضا..."

وضع يو دقنه على يده...

"إذن مهمة أبي ستكون مهمة تحقيق أكثر منها مهمة صيد عادية. سيحتاج لمعرفة المكان و الحدث و هل هناك المزيد منهم. أعتقد أن سيغيب لبضع أيام بذلك الشكل..."

اومأت الأم بالموافقة و جناحها الأسود الشبيه بالكرستال يلمع بضوء المطبخ بحركات غريبة...

"ربما... والدك محترف في عمله، لن يطول الأمر كثيرا..."

تعبيرها كان هادئا وجميلا. لكن يو لاحظ إرتجافة صغيرة في يدها اليسري...

تلك الإرتجافة لم تكن خوفا على زوجها فهي تعرفه جيدا...

"أمي، يدك...؟، هل أنت بخير...؟"

سأل و شعور غريب يجتاح قلبه من إرتجافة يدها. لم تبدو كشيء طبيعي أو سليم...

نظر يو لعيناها الدافئة منتظرا الجواب، عندما تدفقت ذكرى جديد من الشاب له. الذكريات كانت مدفونة تحتاج لشيء كحافز لتظهر في ذهنه...

وقف يو من مكانه وإقترب منها بعيون متوهجة....

أم الفتي قد أصيبت بالمرض الأوريجينيوم برايم قبل سنوات ، كان هو سبب عدم رغبتها و زوجها في الإنجاب أي أطفال في مقام الأول، خوفا أن الطفلهما البيولوجي قد يولد متأثرا مباشرة بالمرض...

"أمي أريني يدك من فضلك...!"

وقف يو قربها ينظر ليدها مطولا. تنهدت الأم ببتسامة محاولة عدم إقلاقه...

"يو الصغير، لا داعي للقلق، أمك بخير.." ربتت على رأسه.. "سوف يرسل لي الطبيب الحقنة يوم أو غدا، لذلك لا توجد مشكلة كبيرة..."

يو لم يشتري كلامها و بدافع مشاعر الشاب نحوها التي ماتزال في صدره، وبرغبة منه بمعرفة ماهو المرض أمسك يدها اليسري بلطف بين أصابعه...

"أمي، لا يمكنك إخبار شخص بأن لا يقلق، وتوقع أنه لن يقلق. أرني من فضلك..."

نظرت الأم لتعبير إبنها و إبتسامة حنونة إرتسمت على وجهها... مدت يدها اليمني و رفعت كم سترتها كاشفة عن يدها...

إتسعت عينى يو و تحرك ذيله بشكل غير مريح حوله. عيناه السوداء حدقت بدهشة...

يدها اليسري كانت تتأكل ببطء، بلورة سوداء غطت مرفقها و إنتشرت كعدوي نحو معصمها و كتفها...

'هذا هو مرض الأوريجنيوم برايم...!'

نظر يو له وهو يحبس أنفاسه، شيء ما في صدره تحرك عند رؤيته للمرض الكرستالي..

لم يكن النفور أو خوف، بل تجاذب من نوع ما بينه وبين المرض...

مرض الأوريجنيوم هو شيء غامض جدا. سبب إنتشار السينيريس في العالم، تحول البشر تدريجيا و حصولهم على القرون و المخالب و الهالات و غيرها أصبح طبيعيا.

لكن المرض الذي يحمله كان هائلا جدا، يبدء كبقعة سوداء صغيرة فوق الجلد، ثم يصبح كرستالة صغيرة، وبعدها يحول كامل الجسد لمجرد كرستالة كبيرة سوداء بدون حياة. ثم بشكل بشع جدا تتحلل الكرستالة ولا يبقي غير الرماد من الجتثة وتلك هي النهاية...

بحسب الأبحاث... الأوريجنيوم برايم ليس له علاج يزيله... في لحظة ظهورة يصنف الشخص كمصاب و سيتوجب عليه البدء في أخد حقنة خاصة تبقي المرض تحت السيطرة. ويجب عليه البقاء خارج العديد من الأنشطة لسلامته...

الأسوء فيه أنه يمكن أن يتم تحفيزه لينتشر بسرعة أكبر وينهي حياة الشخص بشكل سيء جدا. وشيء الجيد برغم أن لا شيء جيد أنه لا ينتقل كالعدوي. التلامس مع شخص يحمله لن ينقل العدوي...

وإلا لكان زوج هذه المرأة قد تعادي من خلال علاقتهما الحميمية...

فتح يو فمه وهو يحدق في يدها...

"لقد إنتشر عن أخر مرة أمي. كيف حدث ذلك...؟"

لقد كان الأمر قبل عدة أشهر مجرد كرستالة صغيرة حول مرفقها، و الآن هاهي دي تتوسع نحو معصمها...

برؤية حالته داعبت الأم رأسه قليلا و لمست قرنه الذهبي بخفة..

إبتسمت قبل أن تقول...

"لا تقلق صغيري. هذه الحالة شائعة وليست شيئا ناذرا. بمجرد أن أخد الحقنة سيكون الوضع تحت السيطرة مجددا. الأوريجنيوم أصبح من الممكن تنبؤ بتأثيره الآن..."

فتح يو فمه...

"أنا لا أعني التنبئ أمي. أعني كيف إنتشر نحو معصمك..."

هي لا تكذب بذلك الخصوص، المرض يمكن السيطرة على إنتشاره في الجسد. لكن لا يمكن إزالته...

الشاب، المالك الحقيقي للجسد كان يدرس بجد كبير محاولا الوصول لطريقة للقضاء على المرض نهائيا. برغم أن الكثير قبله حاولو و فشلوا لكنه كان يتحلي بالعزيمة لفعلها...

بقيت الأم ساكنة للحظة...

"لا أعرف. لكن الأمر ليس سيئا كما يبدو، لا تقلق كثيرا صغيري..."

تنهد يو بعمق و عاد نحو الكرسي، هي أم محبة جدا لن تقلقه بمشاكلها...

"أعتقد أن عليك أخد الحقنة اليوم أمي. إرتجافة يدك ليس علامة جيدة مع ذلك..."

أنزلت الأم كم سترتها لتغطية يدها...

"لقد أنهيت الحقن التي أحظرها والدك بالفعل. وقد إتصل للحصول على المزيد.. كما قلت ستأتي اليوم أو غدا كحد أقصي..."

عادت نحو القدر تراقب الطعام ينضج ببطء...

بينما كان يو يضع دقنه على يده وهو يفكر بعمق. اليوم وبشكل غريب إهتز هدوؤه مرتين...

وتلك إن كانت علامة فهي أن لذيه صلة ما بالسينيريس و الأوريجنيوم...

لكن مانوع تلك العلاقة...؟

2026/02/15 · 5 مشاهدة · 1443 كلمة
Yu
نادي الروايات - 2026