لم تكن أورينفال تعرف أن هذه الليلة ستكون آخر ليلة تنام فيها بسلام.
كانت السماء مغطاة بسحب سوداء كثيفة، تتحرك ببطء وكأنها بحر هائج يبتلع النجوم واحدة تلو الأخرى. الرياح الباردة كانت تعصف بين أسطح المنازل الحجرية، حاملة معها رائحة غريبة... رائحة معدن محترق ممزوجة بالرماد.
وقف فيكتور فال أمام نافذة غرفته، يراقب السماء بصمت.
كان في الخامسة عشرة من عمره، لكن عينيه كانتا تحملان فضول طفل لا يزال يصدق أن العالم مكان جميل. خصلة شعره البيضاء امتزجت بخصلات سوداء سقطت فوق جبينه، بينما انعكس ضوء البرق على وجهه الشاحب.
قطع الصمت صوت أخته الصغيرة لينا.
"فيكتور... هل تسمع ذلك؟"
التفت إليها مبتسمًا.
"إنه الرعد فقط."
هزت رأسها ببطء.
"لا... الرعد لا يهمس."
ساد الصمت.
للحظة شعر فيكتور أن قلبه انقبض دون سبب.
ثم...
دوّى انفجار هائل اهتزت له المدينة بأكملها.
تحطمت النوافذ.
ارتجفت الجدران.
وسقطت الكتب من الرفوف.
صرخت لينا، بينما هرعت والدته إيلينا إلى داخل الغرفة وهي تضمها بقوة.
"فيكتور! انزل بسرعة!"
ركض الجميع نحو الطابق السفلي، لكن قبل أن يصلوا إلى الدرج، دوى انفجار ثانٍ... أعنف من الأول.
انهار جزء من سقف المنزل، وتناثرت الحجارة فوق الأرض.
صرخ أدريان، والد فيكتور:
"ابتعدوا!"
اندفع بجسده ليدفع عائلته بعيدًا عن الأنقاض.
ساد غبار كثيف جعل التنفس صعبًا.
سعل فيكتور وهو يحاول فتح عينيه.
وعندما انقشع الغبار...
تجمد في مكانه.
المدينة...
لم تعد كما كانت.
من النافذة المحطمة رأى ألسنة اللهب ترتفع من عشرات المنازل.
الناس يركضون في كل اتجاه.
صرخات الأطفال.
استغاثات النساء.
وأجراس الإنذار تدوي بلا توقف.
لكن أكثر ما بث الرعب في قلبه...
لم يكن الحريق.
بل ذلك الشيء...
في السماء.
شقّ أسود هائل يمتد من الأفق إلى الأفق، كأن شخصًا مزق السماء بسيف عملاق.
ومن داخله...
كانت تتساقط شظايا سوداء متوهجة، تحترق وهي تهبط نحو الأرض.
همست إيلينا وهي ترتجف:
"إنها... نبوءة النهاية..."
نظر إليها أدريان بسرعة.
"لا تقولي ذلك أمام الأطفال."
لكن وجهه كان شاحبًا.
وكأنه يعرف أن كلماتها... صحيحة.
في تلك اللحظة...
دوى صوت لم يكن يشبه أي صوت عرفه البشر.
لم يكن صراخًا.
ولا زئيرًا.
بل شيء بينهما.
صوت جعل الهواء نفسه يرتجف.
ثم...
بدأ الناس في الخارج يصرخون بجنون.
اقترب فيكتور من النافذة مرة أخرى.
ورأى أول مخلوق.
كان أطول من أي إنسان.
جسده مغطى بدرع أسود حي، ينبض كما لو كان مصنوعًا من لحم ومعدن في الوقت نفسه.
له أربعة أذرع.
وعينان حمراوان تشتعلان وسط الظلام.
وفي يده رمح طويل يقطر منه ضوء أسود.
لم يكن يمشي...
بل كان ينزلق فوق الأرض بلا صوت.
وقف رجل من حراس المدينة في طريقه، رافعًا سيفه.
صرخ:
"لن تمر!"
وفي أقل من ثانية...
اختفى المخلوق.
ثم ظهر خلف الحارس.
وسقط رأس الحارس على الأرض...
قبل أن يدرك أنه مات.
ساد الصمت.
ثم انفجرت المدينة بالصراخ.
شعر فيكتور أن الدم تجمد في عروقه.
لأول مرة في حياته...
عرف المعنى الحقيقي للرعب.
يتبع...