الفصل 24_المراقب
ساد الصمت لوقتٍ طويل داخل المدينة الرمادية.
صمت ثقيل.
حتى الرياح لم تكن موجودة.
وكأن العالم نفسه...
كان ينتظر شيئًا.
وقف آزارث في مكانه.
وعيناه تجولان بين المباني الرمادية والكائنات المشوهة المنتشرة في الشوارع.
كانت تنظر إليه.
جميعها.
دون استثناء.
"من أنتم...؟"
خرج صوته منخفضًا.
"وماذا تكونون؟"
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم شعر بشيء غريب.
الكائنات لم تتحرك.
لكنها بدت وكأنها تبتسم.
سرت قشعريرة باردة في عموده الفقري.
وشعر بعدم ارتياح لا يعرف سببه.
فجأة...
وصل صوت إلى عقله مباشرة.
نحن...
توقف الصوت للحظة.
وكأنه يحاول تذكر شيء منسي.
من نحن...؟
نحن لا أحد.
ولم نكن أحدًا.
ولن نصبح أحدًا.
ارتجفت عينا آزارث.
لأن الصوت لم يأتِ من أذنيه.
بل من داخل رأسه مباشرة.
نظر حوله بسرعة.
لكن جميع الكائنات بقيت واقفة دون حراك.
"ماذا تقصدون؟"
وصل صوت آخر.
هذه المرة...
كان مختلفًا.
الصوت الأول كان هادئًا.
أما هذا...
فكان عميقًا.
بعيدًا.
وكأنه قادم من هاوية لا نهاية لها.
نحن الساقطون من الإدراك.
شعر آزارث بثقل غريب داخل صدره.
ثم نظر إلى نيكورديس.
لكن الأخير كان يراقب الكائنات بصمت.
"الساقطون من الإدراك..."
كرر آزارث الاسم ببطء.
نعم.
نحن الساقطون من الإدراك.
ونحن ننتظر صاحب العرش منذ ز...
توقف الصوت فجأة.
وفي اللحظة التالية...
أصبح الهواء أثقل.
اختفى الضوء الذي كان يملأ المدينة.
رغم أنه لم يكن يملك مصدرًا منذ البداية.
انخفضت درجة الحرارة فجأة.
وتجمد الدم داخل عروق آزارث.
أما نيكورديس...
فضاقت عيناه فورًا.
لأول مرة منذ دخوله المدينة...
ظهرت على وجهه علامات التوتر.
شعر الاثنان بشيء ينظر إليهما.
شيء...
لم يكن حيًا.
ولم يكن ميتًا.
شيء جعل الموت والحياة معًا...
يرفضان الاعتراف بوجوده.
ثم...
سمعاها.
"المراقب."
في لحظة واحدة...
ترددت الكلمة داخل عقليهما آلاف المرات.
المراقب.
المراقب.
المراقب.
بدأ رأس آزارث ينتفخ بشكل مرعب.
تشوهت عظامه.
وانتفخت عروقه.
وانفجر الدم من جلده كالنوافير.
أما نيكورديس...
فبدأت التشققات السوداء على جسده تتمدد بعنف.
استمر الأمر لثوانٍ فقط.
لكنهما شعرا وكأنه استمر لسنوات.
ثم...
اختفت الأصوات.
وعاد كل شيء إلى طبيعته.
سقط آزارث على ركبتيه وهو يلهث بعنف.
بينما بقي نيكورديس واقفًا بصعوبة.
"ما... هذا الشيء؟"
رفع آزارث رأسه نحو نيكورديس.
لكنه وجد الحيرة نفسها داخل عينيه.
حتى نيكورديس...
لم يكن يعرف.
في تلك اللحظة...
ابتعد الساقطون من الإدراك ببطء.
واحدًا تلو الآخر.
وكأنهم يفسحون الطريق لشيء ما.
لكن الغريب...
أن أحدًا لم يتقدم.
نظر آزارث نحو الفراغ الذي كانت تحدق فيه جميع الكائنات.
ثم...
تجمد.
لأنه عندما نظر...
رأى شيئًا لا يعلم ماذا يمكن أن يسميه.
شيئًا لا يمكن أن يطلق عليه اسم.
ولا يمكن وصفه.
وكأن عقله كان يرفض فهم ما يراه.
شعر بألم حاد داخل رأسه.
ثم فجأة...
اختفت صورة ذلك الكائن من ذاكرته.
حاول تذكر شكله.
فشل.
حاول تذكر طوله.
فشل.
حتى لونه...
لم يستطع تذكره.
لكن شيئًا واحدًا فقط بقي داخل عقله.
الخوف.
الخوف الذي لم يعرف له سببًا.
أما الساقطون من الإدراك...
فقد خفضوا رؤوسهم أكثر.
وكأن مجرد النظر إليه يعد إهانة.
ثم...
وصل صوت إلى عقل آزارث.
"أخيرًا..."
"وصل حامل العرش."
وفي اللحظة نفسها...
شعر نيكورديس أن الظلام داخل جسده بدأ يتحرك.
لأول مرة منذ دخوله المدينة.
اتسعت عيناه.
وحاول السيطرة عليه.
لكن دون جدوى.
بدأ الظلام يتسرب من جسده.
ثم ازداد.
ثم انفجر.
وخلال ثوانٍ...
ابتلع الظلام نيكورديس بالكامل.
"نيكورديس!"
صرخ آزارث.
واندفع نحوه مباشرة.
لكنه عندما وصل...
شعر وكأنه اصطدم بجدار غير مرئي.
حاول مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
لكن الظلام لم يسمح له بالعبور.
استمر الظلام بالتمدد.
حتى اختفى نيكورديس داخله بالكامل.
ثم...
اختفى.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
وقف آزارث في مكانه.
وعيناه تبحثان عنه بجنون.
لكن دون فائدة.
في اللحظة التالية...
بدأت الأرض تهتز.
تشققت الشوارع الرمادية.
وخرج منها ضباب أسود كثيف.
أحاط الضباب بآزارث من جميع الجهات.
حاول المقاومة.
لكن جسده لم يستجب.
ثم...
اختفى.
━━━━━━━━━━━━━━━
في مكانٍ لا يوجد فيه شيء.
لا أرض.
لا سماء.
لا ضوء.
فقط الظلام.
والوحدة.
فتح نيكورديس عينيه ببطء.
"أين أنا؟"
نظر حوله بصمت.
لكن قبل أن يحصل على إجابة...
بدأ العالم من حوله بالتحطم.
ظهرت شقوق هائلة داخل الظلام.
ثم ظهر النظام أمامه.
[جارٍ البحث عن السجلات...]
[فشل]
[جارٍ تحديد الموقع...]
[فشل]
[جارٍ تحليل الزمن...]
[فشل]
استمرت رسائل الفشل بالظهور.
ثم...
تغير كل شيء.
اتسعت عينا نيكورديس.
وأخيرًا ظهر النظام مجددًا.
[انتهى جمع المعلومات]
[أنت الآن داخل محاكمة الماضي]
━━━━━━━━━━━━━━━
في مكان آخر...
وقف آزارث وسط بحر لا نهاية له من الدماء.
نظر حوله بارتباك.
كانت السماء حمراء.
والأرض مغمورة بالدم.
وفي الأفق...
ظهرت ظلال لا يستطيع تمييزها.
ثم ظهر النظام أمامه.
[انتهى جمع المعلومات]
[أنت الآن داخل محاكمة المستقبل]