الفصل الرابع: أول صيد
---
استيقظتُ باكراً، قبل أن يخفت القمر الأخضر تماماً. كان ضوءه البارد لا يزال يتسلل من نافذتي الصغيرة، يرسم خطوطاً فضية على جدران غرفتي الحجرية. جلستُ على حافة السرير، وتأملت المنجل الذي وجدته بجانبي حين استيقظت.
كان سلاحاً غريباً. نصله منحني كهلال، يلمع بلمعة فضية باردة، ومقبضه من الخشب الأسود، ملفوف بجلد داكن يثبت قبضتي عليه. لم أطلب هذا السلاح، لكن فاروس قال إنه مناسب لي. قال إن المنجل سلاح المرن، سلاح من لا يزال يبحث عن طريقه. يمكن استخدامه للقطع، للخطف، للدفاع، وحتى للصيد. ليس ثقيلاً كالسيف الطويل، ولا خفيفاً كالخنجر. إنه في المنتصف. مثلي تماماً.
لبستُ معطفي الأزرق، ووضعت المنجل في حزام خلف ظهري، وشعرت بوزنه يلامس عمودي الفقري. كان وجوده مريحاً، كأنه كان هناك دائماً.
خرجت إلى القاعة الرئيسية، حيث وجدت كايل واقفاً بجانب الطاولة، يلمع سيفه الطويل بقطعة قماش حريرية. رفع عينيه إليّ، ونظر إلى المنجل خلف ظهري، ثم ابتسم.
"المنجل؟" قال، ونبرته كانت مزيجاً من الدهشة والفضول. "اختيار غير معتاد. لكن ربما يناسبك."
"لماذا؟"
"لأن المنجل لا يفرض عليك أسلوباً معيناً. السيف يريد منك أن تكون حاسماً، الخنجر يريد منك أن تكون خادعاً، لكن المنجل... المنجل ينتظر أن تكتشف ما تريده." وضع قطعة القماش جانباً، وأشار إليّ بالاقتراب. "تعال، سأريك شيئاً."
وقف أمامي، وسحب سيفه ببطء. "المدرك الأول: النصل. ليس مجرد حمل سلاح، بل أن تصبح سلاحاً. السيف يمتد من إرادتك. كل ضربة تحمل جزءاً من روحك."
"كيف أعرف إن كنت مناسباً للنصل؟"
"بسيط،" قال، وضرب سيفه برفق على المنجل خلف ظهري. "أمسك به. لا تفكر. فقط اشعر به."
أخرجت المنجل من حزامي، ووقفتُ متردداً. كان الوزن متوازناً، والنصل المنحني يلمع تحت ضوء المصابيح. أمسكتُ به بكلتا يدي، وشعرت بشيء غريب: كأن المعدن كان دافئاً، كأنه يستجيب لمسي.
"ما تشعر به الآن،" قال كايل، وهو يراقبني بعينيه الواحدة، "هو صوت النصل. كل سلاح له صوت، لكن القليلين يسمعونه. أنت سمعته."
"كيف عرفت؟"
"لأن عينيك اتسعتا، وتنفسك تغير. هذا هو الارتباط. النصل ليس أداة، إنه امتداد لإرادتك. عندما ترتبط به، تصبح ضرباتك أكثر دقة، وحركاتك أكثر سلاسة، وتستطيع توجيه طاقة القمرين عبره."
"وكيف أفعل ذلك؟"
"بالتدريب،" قال، وابتسم ابتسامة خفيفة، "و بالوقوع. كثيراً. تعال، سأريك الأساسيات."
---
قضيتُ الساعات التالية في قاعة التدريب، أتعلم كيفية حمل المنجل بشكل صحيح. كانت القاعة واسعة، أرضيتها من الرمل الناعم، وجدرانها مغطاة بوسائد جلدية ممزقة من آثار ضربات سابقة. كايل كان معلماً صبوراً، لكنه لم يكن رحيماً.
"قدمك اليسرى إلى الأمام،" قال، وهو يعدل وضعيتي بيده. "لا، ليس هكذا. المنجل يحتاج إلى دوران، ليس إلى قوة دفع. أنت تحاول أن تقطع الخشب، وليس أن تحفره."
"ما الفرق؟"
"القطع من الأعلى إلى الأسفل، الحفر من الأمام إلى الخلف. المنجل يقطع. تذكر هذا."
حاولتُ مرة أخرى، وأنا أدير المنجل في قوس عريض. النصال المنحني اخترق الهواء بصوت صفير خفيف، وكاد يلمس وسادة التدريب. كايل أومأ برأسه بارتياح.
"أفضل. لكنك ما زلت تفكر كثيراً. النصل لا يفكر. النصل يشعر. عندما تصل إلى هذه المرحلة، ستعرف أنك مستعد."
"متى سأصل إليها؟"
"عندما تتوقف عن السؤال."
تنهدتُ، وأعدتُ المحاولة. كان التعب يبدأ بالتسلل إلى ذراعي، لكنني شعرت بشيء آخر: إحساس غريب، كأن المنجل كان يتحرك معي، وليس ضدي. كأنه كان يرقص على إيقاع تنفسي.
هكذا مرت ساعات. وكايل يقف بجانبي، يصحح أخطائي، ويشجعني حين أخطئ، ولا يتركني أستسلم. وعندما شعرت بأن ذراعي ستنفصل عن جسدي، أوقفني.
"كفى لليوم. أنت تبلي حسناً للمبتدئ." نظر إليّ بعينه الواحدة، ثم أضاف: "لقد اخترت المنجل، والآن اخترت النصل. المدركان يتوافقان. هذا جيد."
"هل أنا مستعد لمهمة؟"
ضحك كايل ضحكة قصيرة، خشنة. "مستعد؟ لا. لكن لا أحد مستعد حقاً لأول مهمة له. فقط تأكد من أن المنجل في مكانه الصحيح، واتبع تعليمات من يكبرك. ستعيش."
"من يكبرني؟"
"كاين،" قال، وهو يضع سيفه في غمده. "سيرافقك في مهمتك الأولى. هو أكبر منك بعام، لكنه في تير منذ ثلاث سنوات. يستخدم عنصر الرمال. قوي، لكنه متعجرف قليلاً. ستتعلم منه الكثير."
"وماذا عن ليرا؟"
نظر إليّ كايل بنظرة غريبة، كمن يقرأ شيئاً لم يقله. "ليرا ستكون في مهمة أخرى. لكنها ستكون حاضرة عند العودة. لماذا تسأل؟"
"لا شيء،" قلت بسرعة، وشعرت بحرارة تخف في خدي. "فقط فضول."
ابتسم كايل ابتسامة عريضة، وكشف عن أسنانه البيضاء. "آه. أرى. حسناً، لا تنسَ أن ليرا ليست الفتاة التي تظنها. هي أكثر خطورة من معظم الرجال في هذه المنظمة. وحين تغضب... دعني فقط أقول إن عنصرها لا يرحم."
لم أجب. فقط تمنيت أنني لم أكن قد سألت.
---
في اليوم التالي، التقيتُ بكاين.
كان شاباً في التاسعة عشرة، أطول مني بنصف رأس، بشعر أشقر كثيف ينسدل على كتفيه، وعينين بنيتين حادتين كعينيّ صقر. كان يرتدي سترة جلدية بنية اللون، وحزاماً عريضاً يحيط خصره، وفوق كتفه الأيمن، كانت تطفو كرة صغيرة من الرمال، تدور ككوكب مصغر. لم تكن ثابتة، بل كانت تتحرك باستمرار، كأنها كائن حي.
"أنت الجديد،" قال، دون أن يمد يده للسلام. "كينج، صائد كلاب. سمعت عنك."
"وماذا سمعت؟"
"أنك نجوت من مستذئب في أول ليلة لك،" قال، ونبرته كانت مزيجاً من الاحترام والفضول. "هذا ليس شيئاً يفعله كل مبتدئ. لكن لا تدع هذا يرفع من شأنك. المهمة الأولى هي الأصعب."
"أي مهمة؟"
"استعادة أثر قديم من معبد مهجور في الضواحي الشرقية." أشار إلى حقيبة صغيرة معلقة على كتفه. "الأثر هو تميمة صغيرة، من العصر القديم. يقولون إنها كانت تنتمي إلى أحد مؤسسي تير. سُرقت قبل أسبوع، والآن نعلم أين هي."
"لماذا لا يذهب أحد آخر؟"
"لأن الجميع مشغولون،" قال كاين، وابتسم ابتسامة جانبية. "و لأنك بحاجة إلى اختبار. وسأكون مرشدك. لا تقلق، الأمر بسيط. ندخل، نأخذ التميمة، نغادر. لا قتال، لا مطاردة."
"وماذا لو حدث قتال؟"
"عندها ستتعلم كيف يعمل عنصر الرمال." رفع يده، وتوقفت كرة الرمال في الهواء، ثم تشكلت على شكل سيف صغير، ثم عادت إلى كرتها. "الرمال ليست مجرد تراب، هي حبيبات صغيرة حادة. أستطيع تشكيلها بأي شكل أريده، وإطلاقها بسرعة كافية لتقطع الجلد. مفيد جداً في المواقف الصعبة."
"أنا استخدم المنجل،" قلت، وأخرجته من حزامي لأريه.
نظر إليه كاين، ورفع حاجباً واحداً. "منجل؟ اختيار غير معتاد. لكن لا بأس. ربما يناسبك."
"هذا ما قاله كايل أيضاً."
"كايل ذكي،" قال، ووضع يده على كتفي. "لكن تذكر: المنجل يحتاج إلى مسافة. الرمال تحتاج إلى رؤية. سنعمل معاً، وسننجح. فقط ثق بي، ولا تفعل شيئاً غبياً."
"مثل ماذا؟"
"مثل محاولة أن تكون بطلاً. نحن صيادون، ليس أبطالاً. الفرق بينهما أن الصياد يعود حياً."
---
غادرنا مقر تير عند الغسق. كان القمران يظهران في السماء، الأخضر يبدأ بالسيطرة والأحمر يتراجع. كاين قال إن الضواحي الشرقية تشتهر بكثرة الأماكن المهجورة، وإن المعبد الذي سنذهب إليه كان قديماً جداً، يعود إلى عصر المؤسسين.
مشينا في شوارع المدينة التي بدأت أعرفها شيئاً فشيئاً. مررنا ببائع التفاح الأزرق الذي صرخ في وجهي: "يا صغيري! اليوم تفاحك أحلى من الغد!" ابتسمتُ له، وعدتُ بشراء تفاحة في طريق العودة.
عند بوابة المدينة الشرقية، وجدنا ليرا واقفة، تتحدث مع حارس البوابة. كانت ترتدي معطفها البني القصير، وشعرها الأحمر يتطاير في الريح الخفيفة. حين رأتني، ابتسمت ابتسامة واسعة.
"ها هو صائد الكلاب الجديد!" قالت، واقتربت مني بخطوات واثقة. "سمعت أنك ستذهب في أول مهمة لك. متوتر؟"
"قليلاً،" اعترفتُ، وشعرت بحرارة غريبة في صدري حين نظرت إلى عينيها الخضراوين.
"لا تخف،" قالت، ورفعت يدها وربتت على كتفي برفق. "كاين قد يكون متعجرفاً، لكنه ماهر. وسيعتني بك."
"شكراً،" قلتُ، وحاولتُ ألا أبدو مرتبكاً. "أنتِ... ألا تأتين معنا؟"
"لدي مهمتي الخاصة،" قالت، وضربتني على ذراعي بقبضة خفيفة. "لكنني سأكون هناك عند عودتك. لأرى إن كنت قد نجوت بجلدك، أم أن المنجل الذي اخترته سيئ جداً لدرجة أنك ستقطع يدك به."
ضحكتُ، وشعرتُ بالحرج يتسلل إليّ. "سأبذل قصارى جهدي."
"أعلم،" قالت، وابتسمت ابتسامة جعلت قلبي يخفق أسرع. "هذا ما يعجبني فيك. أنت تحاول. وهذا نادر."
ثم التفتت، ومشت بعيداً، وشعرها الأحمر يتطاير خلفها كعلم صغير. وقفتُ أنظر إليها، ونسيتُ أن كاين كان بجانبي.
"أغلق فمك،" قال كاين، وهو يضحك بصوت خفيض. "أنت واضح كالشمس. ليرا ليست من النوع الذي يعجبه المعجبون المتلعثمون."
"أنا لست متلعثماً!"
"أنت تتلعثم بعينيك،" قال، وضربني على كتفي. "تعال. لدينا مهمة لننجزها."
---
مشينا ساعة كاملة حتى وصلنا إلى الضواحي الشرقية. كانت المباني هنا أقدم، وأكثر اتساخاً. بعضها كان مهجوراً، نوافذه مكسورة، وأبوابه مخلوعة. في نهاية الطريق، وقف المعبد.
كان بناءً قديماً من الحجر الرمادي، واجهته مزينة بنقوش متآكلة لا تُقرأ. قبة كبيرة في وسطه، وأربعة أبراج حولها، كلها متشققة ومهملة. الباب الرئيسي كان مفتوحاً جزئياً، يبدو أن أحداً قد دخل قبله.
"هنا،" قال كاين، ورفع يده، فتشكلت كرة الرمال في كفه بحجم قبضته. "سندخل ببطء. اتبعني، ولا تلمس أي شيء."
"ماذا لو كان هناك فخاخ؟"
"هناك فخاخ،" قال، وابتسم ابتسامة جانبية. "لكنني أستطيع قراءة الرمال. هي تخبرني أين تكمن المخاطر. ثق بي."
دخلنا، وكان الهواء داخل المعبد بارداً ورطباً. أرضية من البلاط المكسور، وجدران تحمل رسوماً جدارية باهتة تصور مشاهد غريبة: رجال يحاربون مخلوقات، وأقمار تطل من السماء، ودوائر وهلالات تشبه نقش العظمة التي في جيبي.
"التميمة في الغرفة الرئيسية،" همس كاين، وهو يتقدم بخطوات حذرة. "خلف هذا الممر، ثم يميناً."
اتبعته، ويدي على المنجل خلف ظهري. كنت متوتراً، لكنني حاولتُ ألا أظهر ذلك. كاين كان هادئاً، وكرة الرمال في يده تدور ببطء، كأنها تستشعر المكان.
عندما وصلنا إلى الغرفة الرئيسية، رأيناها.
التميمة كانت هناك، على منصة حجرية صغيرة، تتلألأ بضوء أخضر خافت. كانت عبارة عن دائرة معدنية صغيرة، في وسطها هلالان متقاطعان. نفس نقش العظمة التي وجدتها، لكنها كانت أصغر وأكثر تفصيلاً.
"هي هي،" همس كاين، واقترب منها ببطء. "لا تلمسها حتى أفحصها."
رفع يده، وأرسل كرة الرمال نحو التميمة. لامستها، ثم عادت إليه. تنفس الصعداء.
"ليست مسحورة. فقط تميمة عادية. يمكننا أخذها."
لكن قبل أن يلمسها، سمعنا صوتاً.
لم يكن صوت خطوات، بل صوت حصى تتحرك على البلاط. التفتنا، ورأينا شخصاً واقفاً عند مدخل الغرفة.
كان طويلاً، نحيفاً، يرتدي عباءة سوداء تغطي جسده بالكامل، ووجهه مخفي تحت غطاء الرأس. في يده اليمنى، كان يحمل سيفاً طويلاً مستقيم، يشع بضوء بنفسجي خافت.
"التميمة ليست لكم،" قال، وصوته كان عميقاً، مبحوحاً، كأنه قادم من قاع بئر. "اتركوها، واذهبوا."
"من أنت؟" سأل كاين، ورفع يده، فتضاعفت كرة الرمال إلى ثلاث كرات، تدور حوله بسرعة.
"لا يهم من أنا،" قال الغريب، وتقدم خطوة. "المهم أنكم لن تأخذوها."
"نحن من تير،" قال كاين، ونبرته أصبحت أكثر حدة. "هذا الأثر يعود لنا. لا داعي للقتال. فقط اتركنا نأخذه، وسنغادر."
"تير،" كرر الغريب، وابتسم تحت غطاء الرأس. "سمعتُ عنكم. لكنني لا أخاف من تير."
ثم هجم.
كان سريعاً، أسرع مما توقعت. سيفه البنفسجي انطلق كالصاعقة، موجهاً نحو كاين. لكن كاين لم يكن بطيئاً. حرك يده، وانطلقت كرات الرمال الثلاث، تصطدم بالسيف في منتصف الطريق. كان الصوت كصوت الزجاج المتحطم، وانتشرت الرمال في كل مكان.
"الآن،" صاح كاين، "أمسك التميمة وأهرب!"
لكنني لم أستطع. الغريب كان أسرع مما بدا. تفادى هجمة الرمال الثانية، وقفز فوقي، وهبط بيني وبين التميمة. رفع سيفه، وضرب المنصة الحجرية، فتحطمت، وسقطت التميمة على الأرض، وتدحرجت نحو الزاوية.
"خذها،" صاح الغريب، وكأنه يستهزئ بنا. "خذها إن استطعت."
ركضتُ نحو التميمة، لكن الغريب كان أسرع. سيفه البنفسجي انطلق في اتجاهي، وكدت أن أُصاب لولا أن كاين أطلق كرة رملية ضخمة صدت السيف في آخر لحظة.
"لا تقاتله وحيداً،" صاح كاين. "هو أقوى مما يبدو. سنتراجع."
"لكن التميمة..."
"سنعود لها لاحقاً. الآن، اهرب!"
تراجعنا، نركض عبر الممرات الضيقة، والغريب يطاردنا. كان سريعاً، لكن كاين كان يعرف الطريق. أطلق كرات رملية خلفنا، تعيق الغريب، وتجبره على التباطؤ. خرجنا من المعبد، وركضنا عبر الشوارع المهجورة، حتى وصلنا إلى الحي الآمن.
توقفنا، وكلانا يلهث. كاين نظر إليّ، وابتسم ابتسامة مريرة.
"حسناً، هذه كانت كارثة."
"ماذا كان ذلك؟" سألت، وأنا أحاول استعادة أنفاسي. "من كان ذلك الرجل؟"
"لا أعرف،" قال كاين، وهو يهز رأسه. "لكنه كان قوياً. أقوى مني. لو استمر القتال، لكنا خسرنا. أو متنا."
"والتميمة؟"
"ستبقى هناك. سنبلغ فاروس، وسنخطط مرة أخرى." نظر إليّ، وقال: "لكن أنت... أنت أديت جيداً. لم تهرب، ولم تخذلني. هذا جيد."
شعرتُ بشيء من الفخر، لكنه كان مختلطاً بالخيبة. فشلنا في مهمتنا الأولى. لم نأخذ التميمة، وهربنا من عدو مجهول. لكنني كنت حياً، وهذا ما كان يهم كاين.
---
في طريق العودة إلى مقر تير، كنت صامتاً. كاين كان أيضاً صامتاً، لكنه كان يبتسم من وقت لآخر، كمن يجد شيئاً مضحكاً في الموقف.
"لا تقلق،" قال أخيراً. "الفشل في المهمة الأولى شيء طبيعي. حتى أنا فشلت في مهمتي الأولى."
"ماذا حدث؟"
"حاولت أن أكون بطلاً، وكدت أن أموت. ليرا أنقذتني." ضحك، وهو يهز رأسه. "منذ ذلك اليوم، تعلمت أن أكون صياداً، لا بطلاً."
"ليرا أنقذتك؟"
"نعم،" قال، ونظر إليّ بنظرة جانبية. "وهي تتحدث عنك. تقول إن لديك شيئاً مختلفاً. إنها معجبة بك."
شعرتُ بحرارة في خدي. "لا، هي فقط لطيفة."
"ليرا ليست لطيفة مع أحد،" قال كاين، وضحك بصوت أعلى. "إذا كانت لطيفة معك، فهذا يعني أنها تحترمك. أو أنها تجدك مضحكاً. لا أعرف أيهما أسوأ."
عدنا إلى المقر، ودخلنا القاعة الرئيسية. كانت ليرا جالسة على الطاولة، تشرب كأساً من الماء. حين رأتنا، وقفت.
"ماذا حدث؟" سألت، ونظرت إلى وجوهنا المتعبة. "أنتم تبدون كمن خاض معركة وخسرها."
"خضنا معركة، وخسرناها،" قال كاين، وهو يجلس على كرسي. "كان هناك رجل غامض، يرتدي عباءة سوداء، يستخدم سيفاً بنفسجياً. قوي جداً. لم نستطع أخذ التميمة."
"سيف بنفسجي؟" قالت ليرا، وتجعد حاجبها. "هذا ليس جيداً. هذا يعني أن شخصاً ما يعرف أننا نبحث عن التميمة."
"من يعرف؟"
"لا أعرف،" قالت، وجلست بجانبي. "لكننا سنكتشف. فاروس سيهتم بالأمر." نظرت إليّ، وابتسمت. "أنت بخير؟"
"نعم،" قلتُ، وشعرتُ بلسان يتعقد. "أنا... كاين كان رائعاً. قاتل بشراسة."
"كاين دائماً مقاتل شرس،" قالت، ورفعت حاجباً. "لكن ماذا عنك؟ كيف كان أداؤك مع المنجل؟"
"لم أستخدمه،" اعترفتُ. "حدث كل شيء بسرعة. لم أستطع حتى أن أمد يدي إليه."
ضحكت ليرا، ورفعت يدها وربتت على رأسي كأنني طفل صغير. "لا بأس. أول مهمة دائماً مربكة. المرة القادمة ستكون أفضل."
"المرة القادمة،" كررت، وأنا أنظر إلى عينيها الخضراوين. "ستكون أفضل."
وقفتُ، وأنا أريد أن أقول شيئاً آخر، لكن الكلمات لم تأتِ. بدلاً من ذلك، قلت: "هل... هل تريدين أن تأتي معي في المرة القادمة؟"
نظرت إليّ، وابتسمت ابتسامة جعلت قلبي يخفق. "ربما. إذا وعدتني ألا تصاب بأذى."
"أعدك."
"حسناً،" قالت، ووقفت أيضاً. "سأنتظر. والآن اذهب واسترح. غداً لدينا يوم جديد."
عدت إلى غرفتي، وأنا أفكر في ما حدث. فشلنا في المهمة، لكنني لم أشعر باليأس. شعرت بشيء آخر: شعور بأن هذه كانت مجرد البداية. وأن المزيد قادم.
---
في تلك الليلة، وقف الرجل ذو المعطف الزيتي على سطح أحد المباني العالية، ينظر إلى القمرين.
كان القمر الأخضر يخفت، والأحمر يشتد، كأنهما يتناوبان على حراسة هذا العالم. كان الهواء بارداً، ورائحة الفحم والتراب تصعد من المدينة أسفل منه.
رفع يده، وأخرج من جيبه شيئاً صغيراً: تميمة، تشبه تلك التي حاول كاين وكينج أخذها من المعبد. نظر إليها، ثم إلى القمرين، وابتسم.
ابتسم ابتسامة غامضة، كمن يعرف سراً لا يعرفه الآخرون.
"بدأت اللعبة،" همس لنفسه. "وها هم الصيادون الجدد يأتون. سيكون الأمر ممتعاً."
ثم وضع التميمة في جيبه، وأدار ظهره، ومشى نحو حافة السطح. وفي لحظة، اختفى في الظلام، كأنه لم يكن هناك أبداً.
تحت قدميه، كانت المدينة تنام، وفوق رأسه، كان القمران يشهدان على بداية شيء لم يفهمه أحد بعد.
في غرفته الصغيرة، كان كينج نائماً، يحلم بأحلام غريبة عن عظام بيضاء وأقمار تتحدث. وعندما يستيقظ، سيكون كل شيء مختلفاً.
لكنه لم يكن يعرف ذلك بعد.
---
نهاية الفصل الرابع