سرتُ خلف سير فيكتور في الرواق الطويل الذي تفوح منه رائحة البخور الفاخر وخشب الصندل. كانت الجدران مزينة بلوحات لأسلاف عائلة هينيتوس؛ رجال ونساء بملامح صارمة وشعر أسود فاحم كشعري، لكن عيونهم كانت تخلو من تلك اللمعة العسلية الهادئة التي اكتسبتها اليوم.

'سير فيكتور..' نظرتُ إلى ظهر الخادم العجوز الذي يسير بخطوات لا تصدر صوتاً. 'هذا الرجل ليس مجرد خادم. إنه قاتل محترف هرب من القارة الشرقية مع ابنه. إذا اكتشف أنني لست أدريان الحقيقي، فمن المرجح أن يقطع رقبتي قبل أن أتمكن من قول كلمة واحدة.'

توقفتُ أمام باب خشبي ضخم مرصع بالبرونز. طرق رون الباب مرتين بانتظام.

"سيدي الدوق، الشاب كايل هنا."

"ادخل." جاء الصوت من الداخل عميقاً، رزيناً، ويوحي بوقار السلطة.

فتح سير فيكتور الباب وتراجع خطوة ليفسح لي المجال. دخلتُ المكتب، وكان الدوق سيلاس يجلس خلف مكتب ضخم مغطى بالأوراق والخرائط. كان رجلاً في منتصف العمر، يمتلك نفس شعري الأسود الفحمي لكن مع بعض الخصلات الشيبية التي تمنحه هيبة إضافية.

نظر إليّ الدوق سيلاس، وتوقعتُ أن يبدأ بالصراخ أو التوبيخ كما يفعل أي والد مع ابنه "النفايات"، لكنه بدلاً من ذلك تنهد بعمق وأشار إلى الكرسي المقابل له.

"اجلس أدريان فالتون"

جلستُ على المقعد الجلدي الوثير أمامه بوقار وهدوء لم يعتده. لاحظتُ دهشة عابرة في عينيه، لكنه سرعان ما استعاد بروده المعتاد.

"سمعتُ أنك حطمت بعض الأثاث في الحانة بالأمس وتسببت في ضجة كبيرة كالعادة." قال الدوق سيلاس وهو يشبك أصابعه فوق المكتب.

أحنيتُ رأسي قليلاً، ليس ندماً، بل لتجنب نظراته التي كانت تحاول سبري. "أعتذر عن ذلك يا أبي. لقد كنتُ طائشاً، ولن يتكرر الأمر."

ساد صمت ثقيل في الغرفة. كان الدوق سيلاس ينظر إليّ وكأن كائناً فضائياً قد حل مكاني. كايل، الذي كان دائماً يصرخ ويرد بوقاحة، يعتذر الآن بهدوء تام؟

"هل.. هل أنت بخير؟" سأل الدوق سيلاس بتردد غير معهود.

"نعم، أنا بخير تماماً. في الواقع، كنتُ أفكر في أنني أريد أن أعيش حياة أكثر هدوءاً واستقراراً من الآن فصاعداً." قلتُها وأنا أنظر إلى عينيه مباشرة، بكل صدق.

كانت هذه الحقيقة الوحيدة. أهدأ حياة ممكنة، بعيداً عن بطل الرواية "كين" الذي من المفترض أن يصل إلى هنا قريباً.

سعل الدوق سيلاس بوضوح ليغطي على ارتباكه من هذا التغير المفاجئ. "حسناً.. هذا جيد. بما أنك هنا، أردتُ إخبارك أنني سأرسل وفداً إلى العاصمة لحضور مأدبة الملك الأسبوع القادم. كنتُ أنوي إرسال أخيك الأصغر، باسيل، لكن بما أنك الابن الأكبر.."

"سأذهب أنا." قطعتُ كلامه بسرعة وثقة.

اتسعت عينا الدوق سيلاس بذهول. "ستذهب؟ أنت تكره العاصمة والمراسم الملكية الرسمية."

'بالطبع سأذهب.' فكرتُ في داخلي. العاصمة هي المكان الذي توجد فيه أول "قوة قديمة" أحتاجها لأتمكن من حماية نفسي والعيش بسلام: (السيف الذي لا ينكسر). وفقاً للرواية، هو سيف أسطوري مخفي يمكنه قطع أي شيء دون أن يفقد حدته أو ينكسر، وهو السلاح المثالي لشخص لا يريد بذل جهد في صيانة أسلحته أو الخوف من تحطمها في وقت حرج.

كما أنها فرصة ذهبية للابتعاد عن المدينة قبل أن يقوم "كين" بتحويل الغابة المجاورة إلى ساحة قتال دامية.

"أريد أن أبدأ بتحمل بعض المسؤولية كابن أكبر ،" قلتُ بجدية مصطنعة كادت تجعلني أضحك من شدة نفاقي.

أومأ الدوق سيلاس برأسه ببطء، وبدا وكأن جبلاً من الهموم قد انزاح عن كاهله. "حسناً. سأطلب من رون تجهيز كل شيء لرحلتك. وأيضاً.." فتح درجاً في مكتبه وأخرج كيساً قماشياً ثقيلاً وضعه فوق الطاولة. كان صوت اصطدام العملات الذهبية ببعضها البعض بمثابة موسيقى سماوية لآذاني.

"خذ هذا من أجل مصاريفك الشخصية. لا أريدك أن تظهر بمظهر يقلل من شأن دوقية في العاصمة."

لم أتردد لثانية واحدة. أخذتُ الكيس ووضعته في جيبي بهدوء. 'الآن بدأنا نتحدث بلغة المصالح.'

"شكراً لك يا أبي. سأذهب الآن لتناول الإفطار والاستعداد."

خرجتُ من المكتب وأنا أشعر بخفة غريبة. وبينما كنتُ أسير في الردهة، شعرتُ بنظرة باردة تخترق ظهري كأنها نصل حاد. التفتُّ لأجد سير فيكتور يقف في الظل، وعلى وجهه تلك الابتسامة الدائمة التي لا تصل أبداً إلى عينيه.

"سيدي الشاب، يبدو أنك أصبحتَ شخصاً مختلفاً ومثيراً للاهتمام اليوم." قال سير فيكتور بنبرة هادئة جداً.

ابتسمتُ له ببرود مماثل، متجاهلاً القشعريرة التي سرت في جسدي بسبب معرفتي بقوته الحقيقية. "الإنسان يتغير يا سير فيكتور عندما يدرك قيمة ما يملك. أليس كذلك؟"

"بالفعل يا سيدي.. بالفعل."

عدتُ إلى غرفتي، وجلستُ أمام النافذة المطلة على الحديقة الواسعة. غداً، سيصل "كين" إلى هذه المدينة. سيكون جائعاً، غاضباً، ومليئاً بالدماء بعد أن نجا من الغابة المظلمة.

نظرتُ إلى كيس الذهب فوق الطاولة، ثم إلى ملامحي في المرآة؛ الشعر الأسود الفحمي والعيون العسلية التي بدت واثقة.

"الخطوة الأولى: المال. الخطوة الثانية: إطعام الوحش الجائع قبل أن يقرر سحقي."

كان عليّ أن أستعد للمواجهة الأولى مع بطل الرواية، والبحث عن السيف الأسطوري في العاصمة.

2026/03/24 · 12 مشاهدة · 731 كلمة
Dark
نادي الروايات - 2026