كانت شمس اليوم الثالث تميل نحو الغروب، صابغة سماء مدينة "هاريس" بلون برتقالي قاني يشبه لون الدماء. جلستُ في الحانة الأكثر فخامة في المدينة، لكنني لم أكن أشرب النبيذ كعادتي السابقة، بل كنتُ أحتسي كوباً من عصير الفاكهة البارد وأراقب الباب بتركيز.
'سوف يأتي الآن..' فكرتُ وأنا أشعر ببرودة الكوب في يدي. 'وفقاً للفصل الثالث من (ميلاد البطل)، يدخل كين إلى هذه المدينة وهو في حالة صدمة وجوع شديد بعد تدمير قريته. وإذا سارت الأمور كما في الرواية، سيقوم كايل المخمور باستفزازه، وسينتهي الأمر بكايل في المشفى لأسابيع.'
فجأة، انفتح باب الحانة الخشبي الثقيل بصوت صرير مزعج.
ساد الصمت في المكان. دخل شاب يرتدي ملابس ممزقة ومغطاة بالدماء الجافة والغبار. كان شعره الأسود طويلاً وفوضوياً، وعيناه.. عيناه كانتا فارغتين، مظلمتين، وتحملان ثقلاً لا يمكن لشاب في عمره أن يتحمله. كان هذا هو "كين".
بدأ الزبائن بالهامس والابتعاد عنه، لكنني نهضتُ من مقعدي ببطء. شعرتُ بنظرات سير فيكتور -الذي كان يقف خلفي كظلي- وهي تراقب كل حركة أقوم بها.
سرتُ باتجاه كين. كان يترنح من التعب، ورائحة الغابة المظلمة تفوح منه. عندما أصبحتُ على بُعد خطوات منه، رفع رأسه ونظر إليّ. كانت نظرة كفيلة بجعل أي شخص عادي يرتجف خوفاً، لكنني حافظتُ على هدوئي (أو هكذا تظاهرت).
"أنت.." قلتُ بنبرة هادئة، بعيدة كل البعد عن نبرة الاستعلاء المعهودة.
تصلب جسد كين، وبدت يده وكأنها تتحرك لا شعورياً نحو مقبض سيفه المكسور.
"تبدو جائعاً جداً،" تابعتُ كلامي وأنا أشير إلى طاولة زاوية بعيدة عن الأنظار. "رون، أحضر له أفضل وجبة في الحانة، وأضف إليها الكثير من اللحم المطهو جيداً."
توقف كين عن الحركة. رمش بعينيه عدة مرات وكأنه يحاول استيعاب ما يسمعه. لم يسبقه أحد بالشتائم، ولم يطرده أحد.
"لماذا؟" سأل كين بصوت أجش ومبحوح.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، الابتسامة التي يطلق عليها رون (ابتسامة الشاب الشرير التي تخفي شيئاً). "لأنني أكره رؤية الأشخاص الجائعين في مدينتي. اذهب واجلس، الطعام مدفوع الثمن."
لم ينتظر رد فعله، بل عدتُ إلى طاولتي وجلستُ وكأن شيئاً لم يحدث. راقبتُه من طرف عيني وهو يتوجه نحو الطاولة ويجلس ببطء، وكأن جسده سينهار في أي لحظة. عندما وُضع الطعام أمامه، بدأ يأكل بشراسة لم أرَ لها مثيلاً، وكأنه لم يتذوق الطعام منذ قرون.
'جيد..' فكرتُ بارتياح. 'البشر يصبحون أقل عدوانية عندما تمتلئ معدتهم. لقد اجتزتُ اللحظة التي كان من المفترض أن أُضرب فيها.'
بعد مرور نصف ساعة، وقف كين وتوجه نحو طاولتي. وقف أمامي مباشرة، وظله الطويل غطى المكان. سير فيكتور تحرك سنتيمتراً واحداً للأمام، مستعداً للتدخل في أي لحظة.
"شكراً لك،" قال كين وهو ينظر إلى عيني العسليتين. "أنا مدين لك."
"لا داعي للشكر،" رددتُ ببرود مصطنع وأنا أهز كيس الذهب في جيبي. "إذا كنت تريد رد الجميل، فربما يمكنك مساعدتي في أمر بسيط غداً. أنا ذاهب إلى العاصمة، وأحتاج لبعض الحماية الإضافية."
كانت هذه خطتي الحقيقية. بدلاً من عدوي، سأجعله حارسي الشخصي (بشكل غير رسمي). من سيجرؤ على لمسي وبطل الرواية الأقوى بجانبي؟
نظر كين إليّ لفترة طويلة، وكأنه يحاول قراءة أفكاري. "حسناً. سأفعل ذلك."
'نجحت!' صرختُ في داخلي بانتصار.
في تلك الليلة، وبينما كنتُ مستلقياً في سريري، سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب. دخل سير فيكتور ومعه كوب من عصير الليمون الدافئ (الذي يكرهه أدريان فالتون الأصلي).
"سيدي الشاب، لقد كان تصرفك مع ذلك الغريب مثيراً للاهتمام حقاً،" قال رون وهو يضع الكوب بجانبي، وعيناه تلمعان ببريق غامض. "لم أكن أعرف أنك تهتم بالغرباء المشردين."
"العالم يتغير يا سير فيكتور، وعلينا أن نتغير معه،" قلتُها وأنا أتجرع العصير الحامض دون أن يهتز لي جفن.
ضحك سير فيكتور ضحكة منخفضة وخرج. تنهدتُ بعمق ونظرتُ إلى السقف.
"غداً سنبدأ الرحلة إلى العاصمة. غداً سأضع يدي على (السيف الذي لا ينكسر). ومع وجود كين بجانبي، أصبحت حياتي الكسولة أقرب من أي وقت مضى."
لكنني لم أكن أعلم أن مرافقة بطل الرواية هي المغناطيس الأكبر للمشاكل في هذا العالم.