سار ديكس لساعات متواصلة، بخطوات رتيبة ومحسوبة، كبندول ساعة لا يكل. ورغم المسافة التي قطعها مبتعداً عن مسرح معركته مع ذئب الظل،
بدا وكأن التضاريس ترفض أن تتغير. الغابة كانت عبارة عن متاهة خضراء وسوداء لا نهائية.
نفس رائحة التراب المبلل الممزوجة بعبق الأوراق المتعفنة، نفس الجذوع الملتوية التي تبدو وكأنها تراقب المارة،
ونفس الأصوات الغريبة لحيوانات غير مرئية تزمجر وتصرخ في المسافات البعيدة، تذكره في كل ثانية بأنه يقبع في قاع السلسلة الغذائية.
كانت ساقه اليسرى تؤلمه بشدة، وعضلات ظهره تشتكي من وزن الحقيبة الخفيفة أصلاً.
هذا الجسد النبيل، الذي لم يعتد سوى على السير فوق السجاد الحريري في قصر عائلة ويليامز، كان يصرخ طالباً الراحة.
توقف ديكس أخيراً، واستند بظهره المنهك إلى جذع شجرة عملاقة لحائها خشن كالحجر.
انزلق ببطء حتى لامس الأرض، وأنفاسه اللاهثة كانت مسموعة وواضحة في سكون الغابة المريب؛ سكون يشبه هدوء المقبرة قبل أن تستيقظ جثثها.
"لا يمكنني الاستمرار هكذا،" حدث نفسه بصوت خافت، وهو يمسح العرق البارد عن جبينه بظهر يده الملطخة بالطين.
"الركض الأعمى في هذه الغابة هو مجرد تذكرة سريعة ومجانية للموت. الذكاء وحده لن ينقذني إذا لم أكن أملك الأداة لتنفيذه."
لم يكن لديه وقت للراحة، فوقت والده ينفد، لكن التحرك دون فهم حقيقي
لإمكانياته السحرية والبدنية في هذا العالم الانتحاري هو انتحار من نوع آخر. كان عليه أن يجري "جرداً" لقدراته، أن يفهم الآلة التي يقودها الآن.
"حسناً يا ديكس..." همس لنفسه، رافعاً كفيه أمام وجهه ليتأملهما.
كانت أصابعه طويلة، ناعمة، ولا تحمل أي ندوب لتدريبات قتالية حقيقية. "أنت الآن محبوس في جسد شاب من الرتبة E
. في لغة هذا العالم، الرتبة E ليست مجرد تصنيف مدرسي؛ إنها إعاقة سحرية."
في عالم الرواية، "نواة المانا" الموجودة في الصدر هي القلب الثاني للساحر. الرتبة E
تعني أن هذه النواة صغيرة جداً، ضامرة، ومسارات المانا (الأوردة السحرية) التي تنقل الطاقة إلى الأطراف ضيقة ومسدودة بالشوائب.
هذا يعني أن مخزون المانا لديه ضئيل لدرجة تثير الشفقة، وأن محاولة استخدام تعويذة قوية ستؤدي ببساطة إلى تمزق أوردته من الداخل والنزيف حتى الموت.
"لكن..." لمعت عيناه الزرقاوتين ببريق من التحدي. "الرتبة E
تعني طاقة قليلة، نعم، لكنها لا تعني 'الغباء'. المانا الضعيفة تتميز بمرونة عالية في التشكيل،
خاصة إذا كنت تملك المعرفة الهندسية والسحرية لكيفية عمل العناصر. أنا لست بحاجة إلى إلقاء نيزك من السماء؛ أنا بحاجة فقط إلى إبرة في المكان الصحيح."
قرر ديكس البدء بالعنصر الأكثر استقراراً لديه: [الأرض].
أغمض عينيه، وعزل حواسه عن أصوات الغابة.
ركز انتباهه بالكامل على منتصف صدره، حيث تقبع نواته السحرية. في البداية، لم يشعر بشيء. لكن مع التركيز الشديد، مستخدماً إدراكه العالي (الرتبة C)
، بدأ يشعر بنبض خافت، حرارة دافئة ولزجة كالعسل تدور في صدره.
"هذه هي المانا..." فكر بإثارة. "الآن، لنوجهها."
بإرادة حديدية، بدأ يضخ هذا "العسل الدافئ" من قلبه، دافعاً إياه بصعوبة عبر مسارات ذراعه اليمنى الضيقة. شعر بوخز مؤلم،
كأن آلاف الإبر الدقيقة تسري تحت جلده، وهو دليل على عدم تدرب هذا الجسد. وضع كفه اليمنى منبسطة بقوة على التربة السوداء الرطبة بجانبه.
في اللحظة التي تلامست فيها المانا الخاصة به مع الأرض، تغير العالم في مخيلته بالكامل.
لم يعد يرى الظلام المطلق خلف جفنيه المغلقين. بدلاً من ذلك، انفجرت في عقله خريطة ثلاثية الأبعاد مرسومة بـ "الاهتزازات".
كان هذا هو "إحساس الأرض" (Earth Sense)، وهي مهارة استشعار متقدمة لا يتقنها عادة إلا سحرة الرتبة C
، لكن ديكس تجاوز حاجز الرتبة بفضل ذكائه وفهمه النظري للرواية.
شعر بجذور الشجرة العملاقة التي يستند إليها
وهي تتلوى كشرايين ضخمة في أعماق التربة. شعر بحركة دودة أرض عمياء تشق طريقها على بعد مترين تحته. والأهم من ذلك،
التقط اهتزازات إيقاعية خفيفة على بعد خمسين متراً... خطوات لحيوان مفترس يزن حوالي مائة كيلوغرام، يسير بحذر، لكنه يتجه بعيداً عنه.
"يا إلهي... هذا مذهل،" فكر ديكس، وقلبه ينبض بنشوة الاكتشاف.
"الأرض ليست مجرد صخور وتراب؛ إنها شبكة عصبية هائلة، وأنا الآن متصل بها. هذا هو راداري الخاص."
بعد أن أتقن الاستشعار، حان وقت الاختبار الهجومي.
سحب وعيه من المحيط الواسع وركز مانا الرتبة E
الضئيلة في نقطة واحدة من التربة تبعد عنه خطوتين. حاول تخيل شكل محدد في عقله، وحاول فرض إرادته على المادة الصلبة.
العملية كانت مجهدة للغاية. شعر وكأنه يحاول رفع صخرة ثقيلة باستخدام خيط رفيع.
تجمعت التربة السوداء، وارتفعت كومة صغيرة من التراب كأنها نبتة سريعة النمو تخرج من رحم الأرض. وتحت ضغط المانا التي وجهها،
تكسرت جزيئات التراب وانضغطت معاً بقوة هائلة، متحولة إلى وتد صخري صلب ومدبب كالسهم، يبلغ طوله حوالي عشرين سنتيمتراً.
فتح ديكس عينيه ونظر إلى الوتد الصخري.
كان صغيراً، ويبدو تافهاً مقارنة بجدران الأرض العظيمة التي يبنيها السحرة في الرواية. لكن بالنسبة لديكس، كان هذا الوتد تحفة فنية مميتة.
"القاعدة التكتيكية الأولى..." همس ديكس، وهو يضع قاعدة لأسلوب قتاله الجديد. "عنصر الأرض في رتبتي الحالية لا يصلح لبناء القلاع،
ولا لرمي الصخور العملاقة على الأعداء. لكنه مثالي لتعطيل الأقدام وتغيير التضاريس الصغيرة."
ابتسم ديكس ببرود. تخيل وحشاً يندفع نحوه بسرعة جنونية،
وفي اللحظة الحاسمة، يرفع وتداً صخرياً حاداً كهذا مخفياً تحت أوراق الشجر، ليخترق باطن قدم الوحش أو يمزق أوتار ساقه.
في المعارك المميتة، التواء في الكاحل أو وتر مقطوع يعادل رصاصة في الرأس. لقد حول الأرض من تحته إلى حقل ألغام محتمل.
لكن الأرض وحدها تعني الدفاع والتعطيل. ماذا عن الهجوم المميت والدقيق؟ كان عليه الآن أن يوقظ النصف الآخر من قدراته، النصف الأكثر دموية ومرونة.