جلس ديكس على صخرة ناتئة قبالة الكهف المظلم، وقد غطى السواد بصره بينما كان يغرق في بحر من الأفكار المتلاطمة.
كانت الرياح الباردة لغابة "فالوس" تعوي بين الأشجار الضخمة كأرواح معذبة، تحمل معها رائحة الصنوبر المتعفن ورائحة الدماء التي طمرها للتو.
تحت ضوء القمرين الموحشين، الفضي البارد والأرجواني المحطم، بدا العالم وكأنه مسرح مهجور أُعدّ خصيصاً لعرض تراجيدي لا ينتهي.
هز رأسه بعنف كمن ينفض عن نفسه كابوساً لزجاً، ودمدم بصوت خفيض، أجش، يحمل خشونة سنوات السجن من حياته السابقة: "البقاء هنا.. التقوقع في هذا الكهف خوفاً من المجهول، يعني الموت ببطء. البقاء هنا يعني القبول بكوني مجرد سطر عابر، حاشية مهملة في أسفل صفحة من رواية بائسة."
في حياته الأولى، كان سجيناً بلا اسم، مجرد رقم محفور على باب زنزانة حديدية. لقد مات هناك وحيداً، مطعوناً في الظهر.
والآن، سخر منه القدر ليوقظه في جسد شاب مات أيضاً مطعوناً في الظهر، وفي غابة نائية، ليكون مجرد أداة حبكة رخيصة في قصة بطل آخر.
"لا،" همس ديكس، وعيناه تلمعان ببريق مظلم وخطير.
"لقد مت مرة واحدة، ولن أسمح لأي كاتب أحمق، أو قدر عبثي، أن يقرر نهايتي مرة أخرى. إذا كان هذا العالم رواية، فسأمزق أوراقها وأكتبها بدمائي."
بفضل ذكرياته كقارئ نهم لرواية "أسطورة التنين الفضي" في زنزانته السابقة،
كان ديكس يمتلك ميزة استراتيجية مرعبة، ميزة لا يملكها أقوى السحرة ولا أحكم الملوك في قارة "إيكارثا": المعرفة المطلقة بالمستقبل، وبنوايا البشر المخفية.
كان يعلم علم اليقين أن من سفك دمه وأرسل أولئك القتلة المأجورين لم يكن عدواً من خارج الأسوار، بل كان دماً من دمه. إنه عمه، "سيلفستر ويليامز".
سيلفستر... ذلك الرجل الذي يرتدي قناع النبل، والوقار،
والابتسامة الهادئة التي لا تفارق شفتيه. في الرواية، كان سيلفستر يوصف بأنه "الثعلب" لعائلة ويليامز.
رجل أنيق، يتحدث بلباقة تذيب القلوب، ويتحرك في الأوساط المخملية للإمبراطورية كظل ناعم.
لكن خلف تلك الواجهة الأرستقراطية البراقة، كان يختبئ وحش متعطش للسلطة، وروح متعفنة بنقص مركب تجاه شقيقه الأكبر.
لقد كان سيلفستر ينسج خيوط مؤامرته في الظلام منذ سنوات طويلة.
كان يجمع الحلفاء السريين ، ويزرع الجواسيس في كل زاوية من زوايا قصر ويليامز.
لكن كل طموحه الجامح ومكائده الذكية كانت تصطدم دائماً بجدار واحد، جدار منيع لا يمكن اختراقه ولا تسلقه.
العقبة الوحيدة كانت شقيقه الأكبر... "اللورد ماركوس ويليامز"، والد ديكس.
الدرع الذي لا يُقهر: اللورد ماركوس
ماركوس ويليامز لم يكن مجرد لورد عادي يدير إقطاعية زراعية. كان عملاقاً في عالم القوة، محارباً أسطورياً يتربع على قمة الرتبة SS.
في قارة حيث يعتبر سحرة ومحاربو الرتبة A وحوشاً استثنائية، وحيث قلة نادرة فقط تلامس الرتبة S، كان ماركوس كياناً يبعث على الرعب.
تذكر ديكس فقرة من الرواية تصف ماركوس في إحدى الحروب الحدودية: "عندما استل اللورد ماركوس سيفه العظيم المشتعل بمانا قرموزية،
انشقت الغيوم، وتراجع جيش إمبراطورية 'سوراث' بأكمله خطوتين للوراء. مجرد ذكر اسمه كان كافياً لإسكات الأطفال الباكين في الممالك المجاورة."
ماركوس كان رجلاً ترتعد فرائص الخصوم عند النظر في عينيه. كان صارماً، عادلاً، وقوة طبيعية لا يمكن إيقافها.
لذا، ولأن سيلفستر كان يدرك تمام الإدراك استحالة هزيمة شقيقه الأكبر في قتال عادل
حتى لو جمع جيشاً كاملاً من مرتزقة القارة، لجأ إلى أقذر الوسائل وأكثرها جبناً. لقد اتجه نحو الهاوية، وتعاقد مع "منظمة الظلال".
"منظمة الظلال".. مجرد التفكير في هذا الاسم جعل جسد ديكس الجديد يرتجف غريزياً. إنها نقابة اغتيالات لا توجد في السجلات الرسمية،
أسطورة حضرية يتهامس بها النبلاء في غرفهم المغلقة. منظمة يخشاها حتى ملوك الإمبراطوريات العظمى. لا أحد يعرف من يقودهم،
ولا أين يقع مقرهم، لكن الجميع يعرف حقيقة واحدة: إذا قبلت المنظمة عقداً، فإن الهدف ميت لا محالة، حتى لو كان يختبئ في قبو الإمبراطور.
نجحت منظمة الظلال في الوصول إلى ماركوس. لم يقاتلوه وجهاً لوجه، فهذا انتحار.
بل استغلوا لحظة ضعف نادرة، لحظة ثقة عمياء في أخيه سيلفستر، وقاموا بحقنه بأكثر المواد سمية وندرة في الوجود: سم "دمعة بعلزبول".
قبض ديكس على قبضة يده بقوة قهرية حتى ابيضت مفاصله،
وغرزت أظافره في لحم كفه لتسيل قطرات من الدم، لكنه لم يشعر بالألم المادي، بل بألم نفسي خانق.
"شهران.." تمتم بصوت يقطر إحباطاً ومرارة، وهو ينظر إلى الخاتم الذي يحمل شعار عائلته في إصبعه.
حسب الجدول الزمني الصارم للرواية، سيُعلن رسمياً عن وفاة اللورد ماركوس ويليامز بعد شهرين بالضبط من بدء "آرك الأكاديمية".
شهران هي كل ما يفصله عن انهيار عائلة ويليامز وتحولها إلى دوقية ممزقة،
لتسقط أخيراً كدمية مطيعة في يد سيلفستر، ومن ورائه منظمة الظلال التي ستتخذ من أراضي العائلة قاعدة خلفية لعملياتها.
"دمعة بعلزبول..." فكر ديكس برعب، واستدعى كل ما قرأه عن هذا السم الملعون في فصول متقدمة من الرواية. إنه سم أسطوري من الرتبة SSS
، مادة لا تنتمي إلى هذا العالم، بل مستخلصة من دماء الشياطين النقية.
لا يوجد له ترياق معروف في جميع المراجع وكتب الطب ، وحتى سحرة النور المتقدمين يقفون أمامه كأطفال عاجزين.
الرعب الحقيقي لهذا السم لا يكمن في قدرته على القتل، بل في ميكانيكيته السادية؛ ما يُعرف بـ "التناسب العكسي".
السموم العادية تقتل الشخص القوي بصعوبة، وقد ينجو منها بفضل مناعته السحرية.
لكن "دمعة بعلزبول" يتغذى على قوة الضحية. كلما كان الضحية أقوى وأكثر كثافة في المانا، كانت آلامه أشد وشراسة السم أعظم.
والده، اللورد ماركوس، بفضل قوته الهائلة في الرتبة SS
وحيويته الخارقة، كان جسده يقاوم الموت الفوري بكل خلية فيه. لكن هذه المقاومة هي بالضبط ما يطيل أمد الجحيم.
تخيل ديكس المشهد، وشعر بغصة تخنق حلقه. والده، المحارب الذي كان يهز الجبال بخطواته، ملقى الآن على سرير في قصر ويليامز،
مشلول تماماً من الرقبة إلى الأسفل. المانا الشيطانية السوداء للسم تتسلل عبر قنوات المانا الخاصة به، وتذيب جسده ببطء مرعب.
لكن الأسوأ من الشلل هو "الوعي". السم لا يخدر الأعصاب، بل يزيد من حساسيتها لمئات الأضعاف.
ماركوس واعي ومدرك لكل خلية في جسده وهي تتآكل، يشعر بأعضائه الداخلية وهي تغلي ببطء، ويشعر بنخاعه الشوكي وكأنه يُسلق في حمض كبريتي.
ومع ذلك، لا يستطيع الصراخ، لا يستطيع التحرك، لا يستطيع حتى إغلاق عينيه للهرب في النوم.
لقد تحول جسده الجبار إلى زنزانة تعذيب مطلقة. إنه سجين داخل جسده، يعيش موتاً مستمراً لا ينتهي، يتضرع كل ثانية طالباً الموت الذي يرفض أن يأتيه.
عَرِف ديكس هذا الشعور بشكل مشوه. لقد قضى سنوات في زنزانة انفرادية مساحتها متران،
محروم من الضوء والحركة. كان يعرف ماذا يعني أن تكون سجيناً بلا أمل. لكن ما يمر به والده يفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب.
زفر ديكس بقوة، مخرجاً هواءً ساخناً من رئتيه،
محاولاً طرد صورة والده المعذب من ذهنه. فتح عينيه، ولم يعد فيهما أي أثر للصدمة أو الارتباك الذي صاحب استيقاظه في هذا العالم.
لقد حل محل ذلك جليد بارد، وقسوة مرعبة لا يمتلكها إلا من فقد كل شيء وعاد من الموت.
"سيلفستر..." نطق ديكس الاسم وكأنه يلفظ سماً، وصوته يتردد في ظلام الكهف كفخ ينغلق على عنق فريسة.
"أنت تظن أنك تخلصت من ابن أخيك الضعيف المتهور. تظن أن خطتك قد اكتملت، وأن التاج الذهبي لعائلة ويليامز أصبح بين يديك."
وقف ديكس، وامتد قامته في الظلام. سحب أحد الخناجر السوداء التي غنمها من القتلة،
ومرر إبهامه ببطء على نصله الحاد حتى سالت قطرة دم من إصبعه، لتقع على طحالب الأرضية.
كان هذا عهداً. عهداً بلغة لا يفهمها سواه.
"أقسم بحياتي السابقة،
وبدماء هذا الجسد الذي أسكنه الآن... سأجعلك تتوسل لرحمة الموت التي حرمت والدي منها. سأمزق إمبراطورية الظلال التي تتحامى بها،
وسأجردك من كل شيء تملكه، قطعة تلو الأخرى، حتى تنظر في عيني وتدرك أنك لم تبع روحك للشيطان... بل بعتها لي."
لكن الغضب، رغم قوته، ليس استراتيجية. ديكس يعرف ذلك جيداً.
وضع الخنجر في حزامه، وبدأ يرتب أفكاره بعقلانية مرعبة.
"الأولوية الآن ليست الانتقام الأعمى. الأولوية هي البحث عن علاج لـ 'دمعة بعلزبول'. والوقت هو العدو الأول."
شهران (ستون يوماً). هذا كل ما يملكه قبل أن تستسلم حيوية والده الهائلة وينهار قلبه.
في الرواية الأصلية، لم يُذكر أي علاج للسم، لأنه أدى غرضه بقتل ماركوس لخدمة تطور الأحداث.
لكن ديكس يعلم أن قارة إيكارثا مليئة بالآثار القديمة، والأسرار المنسية، والكيانات التي تتجاوز فهم البشر.
نظر ديكس إلى السماء مرة أخرى. القمرين يراقبانه بصمت.
"لتبدأ اللعبة إذن، يا سيلفستر. لقد لعبت ورقتك الرابحة، والآن... حان دوري لقلب الطاولة."
عاد ديكس إلى داخل الكهف المظلم، وافترش الأرضية الصخرية الباردة. كان عليه أن ينام، أن يستعيد طاقة هذا الجسد الضعيف،
فغداً سيبدأ رحلته من غابة فالوس المميتة. غابة قتلت صاحب الجسد الأصلي، لكنها الآن تواجه رجلاً تسكنه روح ناجٍ من قاع الجحيم