[الموقع: مدينة سيرون - المقر الرئيسي لعائلة ويليامز]
على بعد مئات الأميال من غابة "فالوس" المظلمة حيث كان ديكس يصارع قدره،
كانت مدينة "سيرون" تتألق تحت شمس الخريف الباردة. سيرون، جوهرة الغرب الإمبراطوري،
المدينة التي بُنيت فوق تقاطع ثلاثة عروق مانا رئيسية، كانت تعتبر المعقل الحصين لعائلة ويليامز منذ أكثر من أربعمائة عام.
في قلب هذه المدينة، تربع قصر ويليامز كتحفة معمارية مهيبة تعكس قروناً من المجد، القوة، والدماء التي سُفكت لحماية الإمبراطورية.
أبراج القصر الرخامية كانت تناطح السحاب، والأسوار العالية المزينة بنقوش الأسد الذهبي الزائر كانت تبث الرهبة في قلوب العابرين.
ولكن، خلف هذه الواجهة الأرستقراطية البراقة، وداخل إحدى الغرف الفاخرة والمحصنة سحرياً في الجناح الشرقي من الطابق الثاني، لم يكن هناك مجد ولا كبرياء. كان الجو داخل تلك الغرفة الواسعة مشبعاً برائحة ثقيلة ومقبضة؛ مزيج من المطهرات الكيميائية، بخور الأعشاب السحرية المحترقة، ورائحة خفيفة لكنها نفاذة... رائحة الموت البطيء.
وقف سيلفستر ويليامز، الشقيق الأصغر للورد العائلة، أمام نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض إلى السقف، تطل على الحدائق الهندسية المشذبة بعناية فائقة.
كان سيلفستر في أواخر الأربعينيات من عمره، لكنه بدا أصغر من ذلك بكثير بفضل سحره وموارده. كان رجلاً وسيماً بطريقة حادة ومقلقة؛
ملامحه منحوتة كتمثال من الجليد، شعره مصفف بعناية ليعكس لقبه في الأوساط النبيلة "ثعلب الغرب"،
وعيناه تحملان ذكاءً حاداً وكاريزما طاغية تخفي خلفها هاوية من الظلام والخبث.
كان يرتدي سترة من المخمل الأسود الفاخر مطرزة بخيوط من الفضة الخالصة،
تعكس مكانته كوصي مؤقت على العائلة. التفت ببطء، وحذاءه الجلدي المصقول لا يصدر صوتاً على السجاد الوثير،
ليوجه نظره نحو المركز الحقيقي لهذه الغرفة الكئيبة: السرير الكريستالي الضخم الذي يتوسط المساحة.
هناك، رقد شقيقه الأكبر، اللورد ماركوس ويليامز.
ماركوس، الرجل الذي كان يوماً ما يهابه الأباطرة وتتغنى ببطولاته حانات القارة بأكملها. محارب النخبة من الرتبة المطلقة (SS)
، الذي لُقبت قوته بـ "إعصار فيسوس" لأنه كان قادراً على مسح كتائب كاملة من الوحوش السحرية بتلويحة واحدة من سيفه العظيم.
كان رجلاً يمتلك بنية جسدية أقرب إلى أنصاف الآلهة، وروحاً تشتعل كشمس منتصف النهار.
أما الآن... فلم يتبق من ذلك الإعصار سوى نسيم عليل يوشك على التلاشي.
كان ماركوس مجرد شبح شاحب لأسطورته السابقة. جسده الجبار تحول إلى هيكل عظمي مكسو بجلد رقيق وشفاف تبرز من تحته عروق سوداء نافرة.
كانت تحيط بسريره عشرات الأنابيب الكريستالية المعلقة في الهواء بواسطة تعاويذ الرفع، تضخ سوائل سحرية ملونة تتوهج بضوء خافت—أحمر، أخضر،
وذهبي مباشرة إلى أوردته ومسارات المانا الخاصة به، في محاولة يائسة للحفاظ على نبض قلبه الضعيف ومنع نواته السحرية من الانهيار التام.
اقترب سيلفستر من السرير بخطوات متمهلة،
وانحنى فوق وجه أخيه الشاحب، الغارق في غيبوبته الظاهرية. الابتسامة الملتوية، التي تحمل مزيجاً من الشماتة والنشوة، لم تفارق شفتيه الرقيقتين.
"أعرف أنك تسمعني يا أخي العزيز،" همس سيلفستر بنعومة أفعى تنساب بين العشب، صوته كان هادئاً لكنه يحمل سماً زعافاً.
"أنا أعرف تماماً كيف يعمل سم 'دمعة بعلزبول'. حواسك القوية، التي كانت يوماً ما فخرك ومصدر قوتك، هي لعنتك الكبرى الآن.
أنت لست في غيبوبة، أليس كذلك يا ماركوس؟ أنت محبوس... مسجون داخل هذا اللحم المتعفن، غير قادر على تحريك حتى جفن عينك،
لكنك تشعر بكل شيء. تشعر بدمائك وهي تغلي، وبمسارات المانا وهي تتمزق، وتسمع كل كلمة أقولها بوضوح تام."
لم يرمش ماركوس، ولم يتحرك صدره إلا بحركة ميكانيكية بطيئة بفعل أجهزة التنفس السحرية، لكن سيلفستر لاحظ ارتجافة طفيفة جداً،
غير مرئية تقريباً، في حدقة عين أخيه تحت الجفن المغلق. كانت تلك الارتجافة كافية لتغذية سادية سيلفستر.
أدخل سيلفستر يده في جيب سترته الداخلي،
وأخرج ورقة برقية مطوية ومختومة بشمع أسود. لوّح بها ببطء شديد أمام وجه ماركوس، وكأنه يلوح بقطعة لحم أمام أسد مكبل.
"لم أستطع الانتظار لأزف إليك هذا الخبر السعيد،" قال سيلفستر ونبرته ترتفع قليلاً بنشوة المنتصر. "كنت أعلم أنك تقاوم الموت من أجله... من أجل حمايته.
لكن، للأسف، كل مقاومتك ذهبت أدراج الرياح. ابنك العزيز، وريثك المدلل ديكس... انتهى أمره."
توقف سيلفستر للحظة ليسمح للكلمات بأن تغوص كخناجر ملتهبة في وعي أخيه المشلول،
ثم أكمل: "وصلني التقرير السري من 'الظلال' للتو. لقد مات. مات وحيداً، خائفاً، ومطعوناً في وسط غابة فالوس الموحشة.
لم تكن هناك معركة ملحمية، ولم يكن هناك شرف في موته. لقد صرخ طالباً النجدة، لكن أحداً لم يسمعه."
انفجر سيلفستر ضاحكاً. ضحكة جافة، خالية من أي دفء أو إنسانية، ترددت أصداؤها في جدران الغرفة الباردة.
"مات ككلب أجرب، تماماً كما خططت. والآن، يا ماركوس، سلالتك انتهت. إرثك انقطع. كل ما بنيته قد تحول إلى رماد."
في تلك اللحظة، وكاستجابة مباشرة لكلمات سيلفستر، حدث شيء مرعب.
بدأت الأجهزة السحرية المحيطة بالسرير تصدر صفيراً حاداً ومضطرباً.
الكريستالات التي كانت تضخ السوائل المهدئة توهجت فجأة بلون أحمر قرمزي عنيف، يشبه لون الحمم البركانية.
الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً وممغنطاً، وبدأت النوافذ الزجاجية السميكة ترتجف وتهتز كما لو أن زلزالاً يضرب أساسات القصر.
كان ذلك هو رد فعل ماركوس. رغم الشلل التام، ورغم السم الشيطاني الذي ينهش نواته، إلا أن روح الأب المحارب، روح الرتبة SS
، رفضت الخضوع. الغضب الأعمى، الحزن الماحق، والرغبة المتوحشة في تمزيق حنجرة أخيه، كلها تجمعت في محاولة يائسة ويائسة لتفجير طاقته الداخلية.
"أوه، أرجوك يا ماركوس، اهدأ،" ربت سيلفستر على كتف أخيه العظمي بسخرية لاذعة،
وهو يتراجع خطوة للوراء خوفاً من أن ينفجر جسد ماركوس ويسبب كارثة في الغرفة. "لا داعي للغضب.
محاولتك لكسر قيود السم ستؤدي فقط إلى تسريع ذوبان أعضائك الداخلية. عزاؤك الوحيد في هذه اللحظة هو أنك ستلحق بابنك الحبيب قريباً جداً."
تغيرت ملامح سيلفستر فجأة. سقط قناع السخرية البارد،
واختفت الابتسامة لتحل محلها كراهية دفينة، وحقد أسود تراكم وتخمر عبر عقود طويلة من الزمن. انحنى مجدداً، وعيناه تلمعان ببريق جنوني.
"انظر إلى نفسك..." همس سيلفستر بصوت يرتجف من فرط الحقد.
"الرجل الذي ملأت حكايات بطولاته القارة، الرجل الذي كان الإمبراطور نفسه يقف لتحيته... يرقد هنا كدمية مكسورة تثير الشفقة.
طوال حياتي يا ماركوس، عشت في ظلك العريض الخانق. كنت دائماً 'أخو اللورد'،
'الابن الثاني'. مهما فعلت، مهما درست، ومهما عقدت من تحالفات سياسية بذكائي لإنقاذ هذه العائلة من الإفلاس في أوقات السلم،
كان الجميع ينظرون إليك أنت. والدي اللعين فضلك عليّ منذ ولادتنا، المجتمع النبيل فضلك عليّ، وحتى المرأة التي أحببتها... احبتك أنت."
قبض سيلفستر على حافة السرير حتى كادت أصابعه تكسر الكريستال. "جعلتموني مجرد هامش في كتاب تاريخكم المجيد. لكن التاريخ يكتبه المنتصرون يا أخي.
وجودك في هذه الحياة هو خطيئتي الكبرى، وموتك... موتك هو خلاصي وميلادي الحقيقي كحاكم أوحد لعائلة ويليامز."
قاطع اعترافه الحاقد والمتشنج دوي صافرات الإنذار السحرية التي انطلقت من بلورات المراقبة خارج الغرفة. فُتح الباب الخشبي الثقيل بقوة،
ليدخل فريق طبي متكامل مكون من أربعة سحرة معالجين من النخبة، يرتدون أثواباً بيضاء مطرزة بشعارات النقابة الطبية الإمبراطورية.
انتشر الفريق حول السرير بسرعة وكفاءة عسكرية. بدأوا فوراً في إلقاء تعاويذ التهدئة من الرتبة المتقدمة؛ توهجت أيديهم بضوء أخضر زمردي نقي،
بينما أخذ اثنان منهم يعيدان ضبط تدفق المانا في الأنابيب لمنع النواة السحرية لماركوس من الانفجار الذاتي.
راقبهم سيلفستر وهو يتراجع إلى زاوية الغرفة في صمت. وفي جزء من الثانية،
وببراعة ممثل مسرحي محترف، تغيرت لغة جسده بالكامل. ارتخى كتفاه، بهتت ملامحه القاسية، وظهرت على وجهه علامات الفزع والهلع.
لقد أعاد رسم قناع "الأخ المحب القلق" بإتقان مرعب، لدرجة أن من يراه الآن سيقسم أنه مستعد للتضحية بحياته من أجل إنقاذ شقيقه.
بعد عدة دقائق مشحونة بالتوتر، والتي بدت كالساعات، استقر وضع ماركوس أخيراً.
تراجع التوهج الأحمر من الأجهزة، وعاد الصفير إلى إيقاعه الرتيب والبطيء. تنهد المعالجون براحة، ومسحوا العرق المتصبب من جباههم.
تقدم سيلفستر نحو كبير المعالجين،
وهو رجل مسن ذو لحية بيضاء طويلة ونظارات كريستالية سميكة يُدعى الطبيب "آريس". أمسك سيلفستر بذراع الطبيب، وسأله بصوت يقطر قلقاً مصطنعاً،
وعيناه تلمعان بدموع زائفة: "كيف حاله أيها الطبيب آريس؟ أرجوك أخبرني، ماذا حدث؟ هل أخي يتألم؟ وكم بقي له من الوقت ليتحمل هذه المعاناة؟"
خلع الطبيب آريس نظارته ومسح وجهه بتعب شديد، ناظراً إلى سيلفستر بنظرة تحمل تعاطفاً حقيقياً مع "مأساة" هذا الأخ الوفي.
"لأكون صادقاً معك يا لورد سيلفستر،
" بدأ الطبيب بصوت خافت لئلا يزعج المريض، غير مدرك أن ماركوس يسمع كل همسة. "ما حدث الآن كان استجابة عصبية مفاجئة،
ربما تشنج لا إرادي بسبب الضغط الهائل على مسارات المانا. بقاء اللورد ماركوس حياً حتى هذه اللحظة يُعتبر معجزة طبية تدرس في الأكاديميات.
هذا السم المجهول الذي يسري في دمه... إنه شيء لم أرَ مثله في حياتي. إنه يمتص طاقة الحياة من نواته السحرية ويستخدمها لتدمير جسده.
معظم أعضائه الداخلية متلفة أو تعمل بنسبة عشرة بالمائة فقط، ومسارات المانا الخاصة به محطمة كزجاج مهشم. أي شخص آخر، حتى لو كان من الرتبة A
، كان ليموت في غضون أيام من الإصابة."
"كم؟" كرر سيلفستر السؤال، وهذه المرة بإلحاح مبطن يخفي رغبة محمومة في سماع رقم محدد.
تنهد الطبيب آريس بأسى،
ونظر إلى السرير: "رغم قوة السيد ماركوس الأسطورية، ورغم كل الموارد الطبية التي نسكبها هنا... جسده لن يتحمل أكثر من ذلك بكثير.
نواة المانا الخاصة به تتآكل بمعدل ثابت لا يمكننا إيقافه، بل نبطئه فقط. أقصى تقدير لبقائه على قيد الحياة... هو شهران.
ستون يوماً يا لورد سيلفستر. ومن المستحيل علمياً وسحرياً أن يتجاوز ذلك. أنصحك بالبدء في التجهيز لأسوأ الاحتمالات، ولترتيب أمور العائلة."
أومأ سيلفستر برأسه ببطء، وأخفض بصره نحو الأرض مدعياً تلقي صدمة عاطفية عنيفة،
بينما في داخله كانت الطبول تقرع احتفالاً بنشوة عارمة. ستون يوماً. هذا هو الختم النهائي لنجاح خطته.
"شكراً لك أيها الطبيب،" قال سيلفستر بصوت مخنوق بالأسى. "افعلوا ما بوسعكم لراحته. لا تبخلوا بأي تكلفة أو جرعة سحرية لتخفيف ألمه في أيامه الأخيرة."
استدار سيلفستر وخرج من الغرفة بخطوات ثقيلة ومحنية.
ولكن، بمجرد أن أغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه، وبمجرد أن أصبح وحيداً في الردهة الطويلة والمظلمة،
استقام ظهره فوراً. اتسعت ابتسامته لتصبح وحشية ومفترسة، وعادت اللمعة الشيطانية إلى عينيه الرماديتين.
"شهران..." تمتم لنفسه وهو يمشي بثقة نحو جناحه الخاص للبدء في مراسلة حلفائه السياسيين لبسط سيطرته المطلقة.
"لقد انتظرت أربعين عاماً في الظل، يمكنني بالتأكيد الانتظار لشهرين آخرين لأرى إسدال الستار على هذه المسرحية العظيمة."
كان سيلفستر يظن أنه المنتصر الأوحد. كان يعتقد أن كل خيوط اللعبة في يده،
وأن رقعة الشطرنج خالية من أي قطع تهدد ملكه الجديد. لم يكن يعلم أن في مكان بعيد جداً، وسط ظلام غابة فالوس، استيقظ وحش آخر من الموت.
وحش لا تهمه قوانين النبلاء، ولا يخشى منظمة الظلال، وحش يمتلك معرفة المستقبل، ويحمل في قلبه غضباً سيحرق قارة إيكارثا بأكملها.
لعبة البقاء الحقيقية... قد بدأت للتو.