كان الفجر في غابة "فالوس" لا يشبه أي فجر آخر في عالم إيكارثا؛

لم يكن الضوء يتسلل بنعومة ورومانسية ليمسح ظلام الليل، بل كان يقتحم الضباب الكثيف السام كأنصالٍ فضية باردة وحادة.

خيوط الشمس الشاحبة كانت تمزق العتمة بصعوبة، كاشفة عن تفاصيل الغابة المروعة: أشجار عملاقة جذوعها تنضح بعصارة سوداء لزجة،

وطحالب تتنفس بصمت، وأصوات حفيف خافتة لوحوش ليلية تنسحب إلى جحورها هرباً من النور.

على مسافة غير بعيدة من الكهف الذي شهد ولادته الجديدة،

جلس ديكس على جذع شجرة بلوط ضخمة اقتلعتها عاصفة قديمة. كان جسده لا يزال ينبض بحرارة خفيفة غير مألوفة،

وتحديداً في منتصف صدره حيث تقع "نواة المانا". هالة زرقاء باهتة جداً، تكاد لا تُرى بالعين المجردة، كانت تحيط بجلده كبقايا حلم محترق.

كانت هذه الهالة هي رد فعل الجسد الغريزي لاندماج روحه العائدة من الموت مع القنوات السحرية التي كانت خاملة في هذا الجسد الشاب.

لقد نجا من ليلته الأولى في الجحيم الأخضر، لكن النجاة هنا لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل بدء جولة جديدة من العذاب.

بين يديه الخشنتين حديثاً، كان يمسك بقلادة ذهبية ثقيلة، وجدها مخبأة تحت ثياب هذا الجسد.

كانت القلادة تحمل شعار دوقية عائلة "ويليامز": أسد ذهبي يزأر، يقف على سيفين متقاطعين، محاطاً بهالة من النيران المنقوشة ببراعة.

نظر ديكس إلى الشعار البراق بسخرية مريرة، وابتسامة مائلة ارتسمت على شفتيه الجافتين.

"يا لها من مزحة كونية سخيفة،" تمتم بصوته الأجش الذي بدأ يعتاد عليه.

"الأسد الذهبي الذي يزأر لترتعد القارة... العائلة التي يُفترض أن تكون رمزاً للقوة المطلقة والسيادة الإمبراطورية،

تقف الآن على حافة هاوية مظلمة، تنتظر ركلة خفيفة من 'ثعلب' خائن لتسقط في قعر النسيان."

أغلق ديكس قبضته على القلادة حتى انغرزت حوافها الحادة في لحمه.

لم يكن يشعر بانتماء عاطفي لهذا "الوالد" الذي لم يلتقِ به قط، فقلبه قد تصلب في زنزانة حياته السابقة. لكن بمنطق البقاء البارد،

ماركوس ويليامز ليس مجرد أب؛ إنه "الدرع السياسي والمادي" الوحيد الذي يمنع سيلفستر ومنظمة الظلال من سحق ديكس كحشرة.

إذا مات ماركوس، فإن كل ثروات العائلة، نفوذها، وحتى الحق في دخول "أكاديمية هورايزن" كنبيل،

ستتبخر في الهواء. إنقاذ ماركوس ليس فضيلة أخلاقية بالنسبة لديكس... بل هو ضرورة استراتيجية قصوى للبقاء.

ولكن، وسط هذا اليأس المطبق والوقت الذي ينفد كحبات الرمل في ساعة زجاجية مكسورة،

تذكر ديكس ميزته الوحيدة. السلاح الذي لا يستطيع أي ساحر أو إمبراطور أو قاتل مأجور أن يجرده منه.

هو ليس مجرد ابن اللورد المنبوذ. هو "القارئ".

أغمض ديكس عينيه، وعزل حواسه عن أصوات الغابة المخيفة ورائحة العفن.

بدأ يبني في مخيلته "قصر ذكريات"، مستحضراً كل صفحة، كل سطر، وكل حاشية سفلية قرأها عن رواية "أسطورة التنين الفضي" في حياته السابقة.

"دمعة بعلزبول..." ردد الاسم في عقله.

في الرواية الأصلية، قُدم هذا السم كقوة قاهرة لا تُقهر لقتل شخصية ماركوس وإخراجها من مسرح الأحداث.

جميع أطباء الإمبراطورية أكدوا أنه لا يوجد له ترياق في كتب الطب المعروفة.

ولكن، الرواية باعتبارها عملاً خيالياً ملحمياً كانت مليئة بالتفاصيل الجانبية،

والحكايات المنسية، وتلميحات الكاتب التي لم تُستغل بالكامل في الحبكة الرئيسية.

بدأ عقله يفرز المعلومات بسرعة فائقة، يربط الخيوط المتباعدة بين الفصول والآركات المختلفة للرواية.

"السم شيطاني، يتغذى على المانا الخالصة.

الطب البشري يعتمد على تحفيز الخلايا، وهذا ما يجعل السم أسرع. إذن، الحل ليس 'علاجاً' بل 'تطهيراً' أو 'استبدالاً'."

فتح عينيه فجأة، وبريق من الذكاء المفترس يلمع في بؤبؤيه الزرقاوين.

"هناك ثلاثة طرق... ثلاثة احتمالات فقط للنجاة ذُكرت كتلميحات عابرة في مجلدات الرواية المختلفة. ثلاثة مسارات لم يسلكها أحد قط."

اتجه تفكيره مباشرة نحو الخيار الأقوى، والأكثر منطقية في عالم السحر. تفكيره سافر آلاف الأميال شمالاً،

متجاوزاً حدود غابة فالوس، وعابراً أراضي إمبراطورية فيسوس، وصولاً إلى القمم الذهبية الشاهقة لـ "الإمبراطورية المقدسة ايكانور".

هناك، على عرش مصنوع من أجنحة الملائكة المتحجرة، يجلس "الإمبراطور أوغستين الثالث"،

الحاكم المطلق، الأب الروحي للكنيسة الكبرى، وأحد أركان القوة القليلة المتبقية في العالم الذي وصل إلى الرتبة الأسطورية (SSS).

قوة أوغستين لم تكن تكمن في مهارته في استخدام السيف العظيم،

ولا في جيوشه الجرارة من الفرسان المقدسين فحسب، بل في سحره الفريد والحصري لنسله: "سحر التطهير المقدس".

حلل ديكس هذا المعطى بمنطقية سحرية بحتة.

"سحر التطهير ليس مجرد مانا ضوئية؛ إنه النقيض الطبيعي والمطلق للقوى الشيطانية. إنه مبرمج كونياً لمحو أي أثر للطاقة الشيطانية.

إذا كانت 'دمعة بعلزبول' هي الظلام الدامس الذي يلتهم الخلايا، فسحر أوغستين هو النور الحارق الذي يبددها ويحولها إلى عدم."

نظرياً، جلسة علاج واحدة، مجرد لمسة من يد الإمبراطور أوغستين الثالث

وهو يوجه مانا التطهير الخاصة به نحو قلب ماركوس، كافية لتبخير السم الشيطاني بالكامل، وإعادة اللورد إلى ذروة قوته في غضون أيام.

"الإيجابية واضحة كالشمس،" تمتم ديكس وهو يخط بأصبعه على التراب الرطب أمامه خريطة وهمية للقارة.

"سحر التطهير هو الحل الأمثل، الأنظف، والأكثر ضماناً. لا يتطلب مكونات نادرة ولا طقوساً معقدة، فقط إرادة الإمبراطور."

لكن، بمجرد أن أنهى تقييم الجانب المشرق، اصطدم عقله البارد التحليلي بجدار السلبيات الشاهق، جدار يصعب، بل يستحيل، تسلقه في وضعه الحالي.

أولاً: الجغرافيا القاسية. المسافة بين نقطة تواجده الحالية في أقصى الجنوب،

والإمبراطورية المقدسة في أقصى الشمال، هائلة بشكل يبعث على اليأس. القارة شاسعة، وتفصل بينهما "جبال النحيب" التي تسكنها تنانين الجليد،

و"نهر الدم القرمزي" الذي يغلي بالمانا المتوحشة. حتى لو استأجر أسرع وحش طائر بأموال لا يمتلكها،

فإن الرحلة ستستغرق أربعة أشهر على الأقل ذهاباً وإياباً. وهو يملك ستين يوماً فقط قبل أن يلفظ والده أنفاسه الأخيرة.

ثانياً: السياسة والحواجز الطبقية. الإمبراطورية المقدسة دولة منغلقة، تعتبر بقية الممالك مهرطقين أو أقل شأناً.

حدودها محصنة بتعاويذ تفتيش تمنع دخول أي شخص لا يحمل ختماً بابوياً. وحتى لو، بمعجزة إلهية، استطاع ديكس اختصار الزمن، وعبور الحدود،

وتجاوز آلاف الحراس... كيف لبشري مغمور، شاب منبوذ من عائلة نبيلة تحتضر، أن يقترب من قصر الإمبراطور ذي الرتبة SSS

؟ الحرس الإمبراطوري المتشددون كفيلون بسحقه وتحويله إلى رماد بمجرد أن تطأ قدمه عتبة القصر، قبل حتى أن تتاح له فرصة نطق كلمة واحدة.

"إقناع إمبراطور بمستوى إلهي بمساعدة لورد من دولة أخرى، وبشكل مجاني،

وفي أقل من شهرين؟ هذا ليس مجرد ضرب من الخيال، إنه انتحار غبي،" تنهد ديكس بإحباط شديد، ومسح الخريطة التي رسمها على التراب بحذائه.

ومع ذلك... وسط هذا الإحباط، لمعت ومضة من المكر الخالص في عينيه ، كذئب يرى فريسة سمينة في فخ.

"ومع ذلك... مسألة الإقناع بحد ذاتها، لو استطعت الوصول إليه، ليست مستحيلة تماماً."

ديكس ابتسم ابتسامة خطيرة. هو يعرف "السر".

يعرف ما يبحث عنه الإمبراطور العجوز أوغستين الثالث منذ عقود، الشيء الذي يؤرقه في نومه ويجعله يعرق برعب رغم قوته الأسطورية.

في المجلد الثاني من الرواية، تم الكشف عن حقيقة مرعبة: سحر التطهير المقدس يأتي بثمن باهظ. الإمبراطور، الذي عاش لمائة وخمسين عاماً،

كان يعاني من "التسمم الضوئي". نواته السحرية كانت تتصلب ببطء وتتحول إلى بلورة غير حية بسبب الإفراط في استخدام طاقة النور المطلق.

كان يموت من الداخل، ولم يكن هناك سوى أثر سحري واحد في العالم يمكنه موازنة هذه الطاقة وإنقاذ حياته: "كأس الفجر الأول".

وديكس... ديكس وحده في هذا العالم الواسع،

يعرف أين يخبئ كاتب الرواية هذا الكأس. ".

"لو استطعت الوقوف أمام الإمبراطور، لقلت له ببساطة: 'أنقذ والدي من دمعة بعلزبول، وسأمنحك كأس الفجر الأول لتنقذ نفسك من التصلب الضوئي'.

" فكر ديكس، وشعر بنشوة مؤقتة لامتلاكه هذه المعلومة. "كانت ستكون مقايضة القرن. لدي الورقة الرابحة المطلقة

التي قد تجعل إمبراطوراً يركع أمامي... لكن، يا للسخرية، ليس لدي الطاولة للعبها الآن. لا أملك الوقت للسفر، ولا القوة للوصول إليه."

هز ديكس رأسه بقوة، نافضاً هذه الفكرة المغرية والمستحيلة في آن واحد. الطريقة الأولى،

رغم مثاليتها، مغلقة حالياً بالشمع الأحمر المزدوج للمسافة والوقت. التفكير فيها أكثر هو مضيعة للثواني الثمينة التي تتسرب من حياة ماركوس.

وقف ديكس ببطء،

ونفض التراب والطحالب عن معطفه الأسود الذي سلبه من القتلة. الهواء البارد ملأ رئتيه، وعقله انتقل فوراً وببراغماتية قاسية إلى الخيار التالي.

2026/04/30 · 1 مشاهدة · 1212 كلمة
Just_mE10
نادي الروايات - 2026