كانت خطوات ديكس بطيئة لكنها محسوبة، وحذاؤه الجلدي يطحن أوراق الصنوبر الميتة والأغصان المتعفنة تحته. هواء الغابة البارد كان يلسع وجهه،

لكن عقله كان يحترق بنشاط محموم. بعد أن استبعد "المسار الأول" المتمثل في الإمبراطورية المقدسة بسبب حاجز المسافة والوقت،

استدارت بوصلة تفكيره الداخلية مبتعدة عن الشمال الجليدي والمقدس، لتتجه نحو الجنوب... الجنوب الغامض، العنيف، والمستعر.

بعيداً جداً، وراء المحيطات الهائجة والعواصف الأبدية التي تمزق السفن، تقبع قارة "كايروت". قارة القمم البركانية التي تنفث الرماد الأسود في السماء،

والوديان السحيقة التي تجري فيها أنهار من الحمم المنصهرة بدلاً من الماء. هناك، لا توجد سياسة معقدة، ولا مجالس للنبلاء،

ولا أختام بابوية. هناك، القانون الوحيد الذي يُعترف به هو قانون الطبيعة الأكثر قسوة: البقاء للأقوى، والأقوى يحكم كإله.

الطريقة الثانية التي خطرت في ذهن "القارئ" ديكس كانت تحمل اسماً واحداً،

اسماً مجرد النطق به يكفي لجعل ملوك البشر يتلعثمون وتجف حلوقهم: "دراغاسوس".

دراغاسوس لم يكن مجرد وحش؛ إنه الحاكم الأعلى لعشيرة التنانين العظمى،

والكيان الذي يُصنفه حكماء القارة في الخفاء وبهمس مرعوب كأقوى كائن حي يمشي على وجه كوكب إيكارثا قاطبة، متربعاً على عرش الرتبة الأسطورية (SSS+).

تقول الأساطير القديمة، التي تتناقلها العجائز كحكايات قبل النوم لإخافة الأطفال، والتي يغنيها الشعراء المتجولون في الحانات الرخيصة،

إن التنانين كائنات خالدة، وإن "قطرة واحدة من دم قلب التنين العظيم كافية لإحياء الموتى من رمادهم".

ابتسم ديكس بسخرية خفيفة، وهو يتفادى فرع شجرة متدلٍ يشبه مخلباً مشوهاً.

"الأغبياء في هذا العالم يظنونها مجرد أسطورة أو استعارة شعرية... لكنني أعلم أنها حقيقة بيولوجية وكيميائية مطلقة."

في الرواية، تم شرح تكوين التنانين بدقة. دم التنين العادي يحتوي على مانا مركزة، لكن "دم القلب" لملك التنانين هو شيء آخر تماماً.

إنه ليس دماً بالمعنى الحرفي، بل هو جوهر الحياة المتبلور، سائل نقي من الطاقة الحيوية والخصائص التجديدية

التي تتفوق بمراحل ضوئية على قدرة أي إكسير صنعه أعظم الخيميائيين البشر. قطرة واحدة من دم قلب دراغاسوس ستكون كفيلة،

ليس فقط بتبخير سم "دمعة بعلزبول" الشيطاني من عروق اللورد ماركوس، بل ستعيد بناء مسارات المانا الخاصة به، وربما تدفع قوته لتتجاوز رتبة الـ (SS)

التي توقف عندها منذ سنوات.

لكن المعضلة التي واجهت ديكس في المسار الأول، تعود لتطل برأسها القبيح هنا، وبوجوه مختلفة وأكثر رعباً.

أولاً، المسافة. قارة كايروت أبعد من الإمبراطورية المقدسة،

والوصول إليها يتطلب عبور "بحر الأرواح الغارقة"، وهي رحلة انتحارية تستغرق نصف عام على الأقل.

وثانياً، والأهم، هي معضلة "الكبرياء".

التنانين كائنات مفرطة الغرور، تنظر للبشر حتى لأقوى سحرتهم كحشرات مزعجة وقصيرة الأجل. أن يذهب بشري ضعيف،

يقف في قاع السلسلة الغذائية كديكس الحالي، ويطلب من ملك التنانين قطرة من "دم قلبه"... هو ليس مجرد طلب انتحار سريع،

بل هو إهانة كونية ستجعل التنين يمحو مدينة سيرون بأكملها من الخريطة بنفخة من ناره كعقاب على هذه الوقاحة.

"لكن..." همس ديكس، وخطواته تتباطأ حتى توقف تماماً، مستنداً بظهره على جذع شجرة ضخم.

رفع نظره نحو السماء المظلمة من خلال أوراق الشجر الكثيفة، وعيناه تلمعان ببريق استراتيجي ماكر. "لدي المفتاح لترويض هذا الوحش وكسر كبريائه."

بدأ عقله يسترجع فصلاً كاملاً، ومأساوياً جداً، من المجلد الثاني للرواية، فصلاً كان يحمل عنوان "زهرة الجليد في قلب البركان".

المفتاح لقلب دراغاسوس المنيع يحمل اسماً رقيقاً يتناقض مع طبيعة عرقها: "دراغورا"، الابنة العزيزة لزعيم التنانين.

كانت دراغورا معجزة عشيرتها منذ يوم ولادتها. لم تكن مجرد تنين عادي، بل طفلة وُلدت بموهبة فذة أرعبت الحكماء.

أظهرت سيطرة مطلقة ومرعبة على المانا النقية منذ نعومة أظفارها، وقوة جسدية في هيئتها البشرية والتنينية جعلت شيوخ العشيرة يبكون من الفرح،

مقارنين إياها بـ "دراغاو"، السلف الأسطوري ومؤسس عشيرة التنانين الذي قهر الآلهة القديمة.

استثمرت العشيرة كل مواردها، كنوزها، ومعارفها في هذه الطفلة.

كانوا يعدونها لتكون ملكة المستقبل، متوقعين ميلاد إلهة حرب جديدة ستقف على قمة هذا العالم.

ولكن، كما هو الحال دائماً في عوالم الفانتازيا المظلمة التي قرأها ديكس، كان القدر، أو بالأحرى "الكاتب"، يخبئ سخرية مؤلمة وقاسية.

عند بلوغ دراغورا عامها العشرين وهو سن المراهقة المبكرة جداً بالنسبة لعمر التنانين تحول الحلم الذهبي إلى كابوس دموي.

فجأة، وبدون أي إنذار مسبق، بدأ نموها يتراجع بشكل مرعب. سيطرتها الأسطورية على المانا أخذت تنهار كقلعة من رمل في مواجهة إعصار.

الأسوأ من ذلك، والأكثر إيلاماً، هو أن جسدها القوي بدأ يرفض قوتها الذاتية.

لقد طورت ما يمكن تسميته بـ "حساسية المانا العكسية". كلما حاولت استخدام السحر، أو حتى التنفس بعمق لامتصاص طاقة الطبيعة،

كانت المانا تغلي في عروقها كالحمض. كانت الأوردة تحت حراشفها تنفجر، وجسدها يتمزق بجروح دموية غائرة تتفتح من تلقاء نفسها،

مصحوبة بآلام عصبية لا تُحتمل، آلام كانت تجعل الجبال البركانية في كايروت تهتز وتتصدع لصراخها المفجع.

في غضون أشهر، تحولت العبقرية الفذة، إلهة الحرب المنتظرة، إلى فتاة عاجزة، مشلولة، وسجينة جسد متمرد يقتلها ببطء من الداخل.

عاش دراغاسوس، الحاكم الأقوى في العالم، الكائن الذي يمكنه شق السماء بنظرة،

عجزاً وإذلالاً لم يختبره في حياته التي امتدت لقرون. وقف أمام سرير ابنته الملطخ بالدماء، ورأى كيف تتسرب الحياة من عينيها الذهبيتين.

في حالة من اليأس الجنوني، كسر دراغاسوس كل المحرمات.

جلب أفضل أطباء الأرض، سحرة الشفاء من أعلى الرتب، وحتى أنه عقد هدنة مؤقتة ومذلة مع الإمبراطورية المقدسة

ليحضر الإمبراطور السابق "ميلوس الأول" (جد الإمبراطور الحالي أوغستين) بنفسه ليحاول تطهيرها.

لكن الجميع، بلا استثناء، وقفوا عاجزين ومنكسي الرؤوس.

التشخيص النهائي الذي نطق به كبير حكماء الأرض كان بمثابة حكم إعدام: "جسدها يأكل نفسه يا سيدي.

لا يوجد سحر ولا دواء يمكنه تغيير طبيعة جسد يرفض روحه. الموت قادم لا محالة خلال أسبوع واحد."

في تلك اللحظة، مات كبرياء التنين العظيم.

داس دراغاسوس على كرامة عشيرته، وركع نعم، ركع أمام ملوك عرق الجان (الإلف) في غابات "سيلفانا" العميقة،

متوسلاً إياهم استخدام تقنية محظورة وقديمة قدم العالم نفسه: [التابوت الجليدي المطلق].

هذه التقنية السحرية المرعبة لا تشفي المرض،

بل تجمد الزمن البيولوجي للضحية في نقطة الصفر المطلق، تضعها في غيبوبة اصطناعية أبدية حيث لا تتقدم الخلايا ولا تموت.

لكن ثمن استمرار هذا التابوت باهظ جداً؛ فهو لا يتغذى على مانا الطبيعة، بل يحتاج لطاقة حيوية هائلة، نقية، ولا تنضب، من متبرع يحمل نفس الدم.

ومنذ ذلك اليوم، ومنذ خمسين عاماً متواصلة، ودراغاسوس يقوم بطقس سنوي دموي ومؤلم في قبو قصره البركاني.

في نفس اليوم من كل عام، يغرز ملك التنانين مخالبه في صدره، يمزق حراشفه التي لا تخترقها السيوف،

ويقتطع قطرة واحدة كاملة من دم قلبه النابض، ليضعها على بلورة التابوت الجليدي ليمد حياة ابنته في تلك الغيبوبة لعام آخر.

يخاطر بقوته الأساسية، يوقف نموه المستقبلي، ويقصر من عمره الافتراضي،

ويتحمل ألماً يمزق الروح... كل هذا، لأن في عينيه، لا شيء في هذا الكون البارد يعادل أملاً ضئيلاً في رؤية ابتسامة ابنته التي لم يرها منذ نصف قرن.

"خمسة عقود كاملة مرت، والحل لا يزال غائباً عن أعظم عقول القارة،

" فكر ديكس، وابتسامة واسعة، تكاد تكون مفترسة، شقت وجهه في ظلام الغابة. "لكنني... أنا أعرف العلاج."

بصفته القارئ الذي اطلع على الرواية وكل اسرارها، كان ديكس يعرف تماماً ما تعاني منه دراغورا. لم يكن مرضاً،

ولم تكن طفرة فاشلة. لقد كانت تحمل "نواة التنين المزدوجة"، حالة نادرة جداً تتطلب طقساً معيناً في درجة حرارة محددة لدمج النواتين.

عجز أطباء العالم عن تشخيصها لأن أحداً منهم لم يجرؤ يوماً على تشريح تنين من السلالة الملكية.

"دراغورا هي تذكرتي الذهبية المطلقة،" همس ديكس، وهو يضم قبضته بقوة وكأنه يمسك مصير العالم بيده.

"لو استطعت الوصول إلى دراغاسوس وعرضت عليه العلاج الحقيقي... لو أعدت له ابنته حية ترزق،

فإن قطرة دم من قلبه ستكون ثمناً بخساً ومثيراً للشفقة. بل إنني سأجعل أقوى كائن في إيكارثا يدين لي شخصياً بحياة أميرته.

سأمتلك حليفاً قادراً على سحق منظمة الظلال وعمي سيلفستر بضربة واحدة من ذيله."

كان الخيال مغرياً لدرجة مسكرة. لقد رأى ديكس المستقبل أمامه: هو يقف منتصراً، وعشيرة التنانين تقف كحائط صد خلفه.

لكن... هبة الهواء الباردة التي صفعت وجهه أعادته بقسوة إلى الواقع المرير.

تلاشت الابتسامة عن شفتيه، وعادت النظرة الباردة والعملية لتكسو ملامحه. رفع يده ونظر إلى أصابعه الناعمة التي لا تزال تفتقر إلى القوة الحقيقية.

"سيكون هذا خطتي العظمى للمستقبل... نعم. سأحتفظ بهذه الورقة قريباً من صدري. لكن..." زفر ديكس بمرارة وعض على شفته السفلى، "المستقبل ليس الآن.

والدي، اللورد ماركوس، لا يملك رفاهية انتظار رحلتي الملحمية إلى قارة كايروت. جسده المسموم سيتحلل في غضون ستين يوماً."

استبعد ديكس هذا الخيار الثاني بألم حقيقي،

واضعاً إياه في صندوق مغلق في مؤخرة عقله ليوم قادم. لا يمكنه الاعتماد على الإمبراطورية المقدسة في الشمال، ولا على تنانين كايروت في الجنوب.

"لم يتبق سوى الخيار الثالث والأخير،

" قال ديكس لنفسه بصوت حازم، وهو يعاود السير مبتعداً عن مساحة الكهف، متوغلاً في أحراش غابة فالوس الأكثر كثافة وخطورة.

"الطريقة الثالثة...

وبينما كان عقله يستعد لتحليل الخيار الثالث ، توقفت خطواته فجأة.

غريزة السجين القديمة، تلك الحاسة السادسة التي حذرتة مراراً من الخطر قبل وقوعه،

انطلقت كصفارة إنذار في رأسه. انقطعت أصوات حشرات الغابة تماماً، وحل صمت ثقيل ومميت.

شعر ديكس بأنفاس ساخنة، محملة برائحة اللحم المتعفن، تضرب مؤخرة عنقه من بين الظلال.

2026/04/30 · 3 مشاهدة · 1393 كلمة
Just_mE10
نادي الروايات - 2026