كان الصمت الذي خيّم على الغابة فجأة صمتاً غير طبيعي، صمتاً يشبه ذلك الذي يسبق هبوب العاصفة أو لحظة سقوط المقصلة.

توقفت زقزقة الطيور المشوهة، وانقطعت طنة الحشرات السامة، حتى الرياح التي كانت تعوي بين الأشجار بدت وكأنها حبست أنفاسها.

شعر ديكس ببرودة مفاجئة تسري في عموده الفقري، ليست برودة الجو، بل برودة الغريزة. تلك الحاسة السادسة التي صُقلت في زنازين حياته السابقة،

حيث كان عليه أن يتوقع الطعنة قبل أن تلمس جلده، كانت تصرخ الآن في أذنيه: "تحرك أو مت".

لم يلتفت ديكس ببطء. الالتفات ببطء هو رفاهية لا يملكها إلا الأقوياء.

وبدلاً من ذلك، ارتمى بجسده إلى الأمام في دحرجة سريعة وخشنة فوق الأرض الطينية، وفي اللحظة التي ترك فيها مكانه،

انشق الهواء خلفه بصوت "هويش" مرعب. مخلب ضخم، يكسوه شعر أسود خشن وينتهي بأظافر تشبه الخناجر الفولاذية،

ضرب الجذع الذي كان يستند إليه قبل ثانية واحدة، محطماً الخشب الصلب وكأنه ورق رقيق.

وقف ديكس على قدميه بسرعة، لاهثاً، وقلبه يدق في صدره كطبل حرب.

تراجع عدة خطوات ليخلق مسافة أمان، وعيناه تمسحان الظلال أمام بؤرة الضوء الشاحبة. من بين الضباب الكثيف، برز الكيان الذي حاول قتله.

كان "ذئب الظل"، لكنه لم يكن ذئباً عادياً. كان وحشاً سحرياً من الرتبة D-،

يتميز بجسد ضخم بحجم ثور،

وفراء أسود يمتص الضوء من حوله، لكن الميزة الأكثر رعباً كانت امتلاكه لرأسين مكتملين ورأس ثالث مشوه يبرز من كتفه الأيمن.

كانت عيون الرؤوس الستة تشتعل بضوء أرجواني خبيث، ولعابه الحمضي يسيل من بين أنيابه الطويلة، محرقاً الأعشاب تحت قدميه.

"اللعنة..." همس ديكس، ويده تمتد ببطء نحو حزامه حيث تستقر خناجر القتلة. "ذئب ظل من الرتبة D

في الأطراف الخارجية للغابة؟ هذا لا يحدث في الرواية إلا إذا كان هناك خطب ما في توازن المانا."

كان جسد ديكس الجديد يرتجف. لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، بل كان "خوف الجسد"؛ رد فعل بيولوجي من أعصاب شاب لم يختبر قتالاً حقيقياً قط،

وجهاز عصبي لم يعتد بعد على تدفق الأدرينالين بهذه الكثافة. كان يشعر بضعف عضلاته، وبأن أنفاسه قصيرة ومهتزة.

"اهداً..." قال لنفسه، محاولاً فرض إرادته الحديدية على هذا اللحم المرتعش.

"أنت لا تحتاج إلى قوة ماركوس الآن. أنت تحتاج إلى عقل السجين. تذكر... الوحش الذي أمامك يتبع غريزته، وأنت تملك المعرفة."

استل ديكس الخنجرين الأسودين الذين غنمهما من قتلة عمه سيلفستر.

كانت نصولهما مطلية بمادة "النيكتوفوبيا"، وهو سم يصيب الجهاز العصبي للضحية بالتشوش البصري.

قبض عليهما بقوة، محولاً قبضته إلى وضعية "الطعن العكسي"، وهي الوضعية التي تمنحه سرعة أكبر في الدفاع والطعنات القريبة.

لم ينتظر الذئب طويلاً. أطلق الرأس الأوسط عواءً صامتاً (موجة صوتية سحرية)،

مما جعل ديكس يشعر بدوار مفاجئ. وفي لمحة بصر، انطلق الوحش نحوه بسرعة تقطر من خلالها الظلال خلفه.

"إنه سريع جداً!" فكر ديكس.

بدلاً من محاولة التصدي المباشر الذي كان سيؤدي حتماً إلى سحق ذراعيه استخدم ديكس تقنية قتالية قديمة من حياته السابقة تُسمى "المشي الوهمي".

انزلق بقدمه اليسرى إلى الجانب في اللحظة الأخيرة، مستخدماً زخم الوحش ضده.

مر الذئب بجانبه كقطار من الفراء والمخالب. وفي تلك اللحظة الخاطفة، مد ديكس يده وطعن بكل قوته في خاصرة الوحش.

نصل الخنجر غاص في اللحم، لكن ديكس شعر بمقاومة مرعبة؛ جلد الوحش كان مدعماً بطبقة من المانا الدفاعية.

نجح في جرحه، لكن الثمن كان باهظاً. قوة الاندفاع جعلت ذراع ديكس تتخدر، وكاد الخنجر يفلت من يده. الذئب تعثر قليلاً، ثم استدار بسرعة مذهلة،

والرؤوس الثلاثة تزمجر بغضب جنوني. الجرح في خاصرته بدأ ينزف دماً أسود لزجاً، لكنه لم يزد الوحش إلا شراسة.

"الجسد ضعيف... القوة العضلية لا تتجاوز 10% مما أحتاجه لقتل هذا الشيء،" حلل ديكس الموقف وهو يمسح العرق عن عينيه.

"والسم يحتاج إلى وقت ليدخل في مجرى دمه. لا يمكنني الاستمرار في المراوغة للأبد؛ قلبي سيتوقف من التعب قبل أن ينهار هو."

نظر ديكس حوله بسرعة البرق، مستغلاً "معرفته كقارئ" لطبيعة غابة فالوس. لاحظ خلف الذئب عدة أشجار من نوع "ويلو-ستينج" (الصفصاف اللاذع)،

وهي أشجار تمتد جذورها فوق الأرض وتحتوي على مانا غير مستقرة، إذا تم لمسها بقوة، تطلق أشواكاً سامة دفاعية.

"هذا هو مسرحي،" فكر ديكس.

بدأ يتحرك بشكل دائري، متظاهراً بالارتباك والتعب.

بدأ يتعثر عمداً، ويصدر أنفاساً مسموعة، مغرياً الوحش بالهجوم النهائي. الذئب، الذي رأى فريسته تضعف،

بدأ يجمع المانا الأرجوانية في فكوكه الثلاثة. كان يستعد لإطلاق "زفير الظل"، وهو هجوم مانا بعيد المدى يفتك بالأنسجة.

"الآن!" صرخ ديكس في عقله.

بدلاً من الهرب بعيداً، اندفع ديكس نحو الوحش!

كانت حركة انتحارية في نظر أي مراقب، حتى الذئب بدا مذهولاً للحظة. أطلق الوحش زفيره الأرجواني،

لكن ديكس، بمرونة لم يكن يعلم أن جسده يمتلكها، ألقى بنفسه أرضاً وانزلق تحت بطن الذئب مستغلاً طين الغابة الزلق.

أثناء انزلاقه تحت الفراء الخشن والرائحة الكريهة، لم يكتفِ ديكس بالمرور. رفع خنجريه بكل ما أوتي من مانا ضئيلة في نواته،

وشق "مسار المانا" الرئيسي في بطن الوحش. لم يكن جرحاً عميقاً بما يكفي للقتل، لكنه كان كافياً لقطع تدفق المانا بين قلبه وأطرافه الخلفية.

خرج ديكس من الجهة الأخرى، لكنه لم يتوقف. استمر في الركض نحو أشجار "ويلو-ستينج".

الذئب، الذي اشتعل جسده بألم الجرح السفلي وتعطل تدفق طاقته، استدار بجنون محاولاً القفز فوق ديكس وسحقه بكتلته.

قفز الذئب في الهواء، محلقاً كظلمة مطبقة فوق رأس ديكس.

في تلك الثانية التي بدا فيها الزمن وكأنه يتوقف، استدار ديكس، وأمسك بخنجره الأخير خنجر كان قد ربطه بخيط متين من القماش

قطعه من قميصه ورماه ليس نحو الوحش، بل نحو عقدة حساسة في جذور شجرة "ويلو-ستينج" التي كان الذئب على وشك الهبوط فوقها.

أصاب الخنجر الهدف بدقة جراحية.

انفجرت الجذور برد فعل دفاعي عنيف في اللحظة التي لمس فيها جسد الذئب الأرض.

المئات من الأشواك الخشبية الصلبة والمشبعة بالمانا غير المستقرة انطلقت كسهام آلية من الأرض، مخترقة جسد الذئب من الأسفل إلى الأعلى.

أطلق الوحش صرخة مروعة مزقت هدوء الغابة، صرخة تداخلت فيها أصوات الرؤوس الثلاثة في نغمة جنائزية واحدة. سقط الذئب محشوراً فوق الأشواك،

دمه الأسود يتدفق بغزارة، بينما بدأ سم "النيكتوفوبيا" من الجرح الأول الذي أصابه ديكس يعمل أخيراً، مسبباً تشنجات عنيفة في أطرافه.

سقط ديكس على ركبتيه، يلهث بعنف،

ورئتاه تشعران وكأنهما ممتلئتان بالرصاص السائل. كان وجهه ملطخاً بالطين والدماء السوداء، ويداه ترتجفان بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

نظر إلى الوحش الذي كان ينازع الموت أمام عينيه، وشعر بشيء غريب... لم يكن خوفاً، بل كان "نشوة".

لقد انتصر. ليس بقوة السحر، بل بالدهاء، بالصبر، وبالاستغلال البارد للبيئة.

نهض ديكس ببطء، متكئاً على جذع شجرة قريبة. مشى نحو الذئب الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة،

وعيونه الأرجوانية بدأت تخبو. استل ديكس خنجره من الأرض، ووقف فوق رأس الرأس الأوسط للوحش.

"أنت قوي يا هذا،" همس ديكس بصوت بارد وخالٍ من المشاعر. "في ظروف أخرى، كنت ستمزقني إلى أشلاء.

لكنك ارتكبت غلطة واحدة... لقد اعتبرتني مجرد 'بشري'. أنا لست بشرياً عادياً... أنا القارئ الذي يعرف أين تقع كل طعنة قاتلة في هذا العالم."

بضربة واحدة قوية ودقيقة، غرز ديكس خنجره في عين الذئب الوسطى، مخترقاً الدماغ مباشرة. توقفت حركة الوحش تماماً، وساد الصمت الغابة مرة أخرى.

جلس ديكس بجانب الجثة الضخمة، محاولاً استجماع قواه. كان يعلم أن جثة وحش من الرتبة D

في غابة مثل "فالوس" هي كنز ومغناطيس للمفترسين في آن واحد.

"يجب أن آخذ 'نواة المانا' وأرحل فوراً،" فكر.

استخدم خنجره بمهارة ليشرح صدر الوحش، حتى وصل إلى كرة بلورية متوهجة بضوء أرجواني باهت في حجم قبضة اليد.

كانت هذه هي "نواة ذئب الظل". قبض عليها، وشعر بطاقة المانا الخام والوحشية تنبض بداخلها.

بالنسبة لديكس، هذه النواة لم تكن مجرد غنيمة؛ كانت تذكرته الأولى لتقوية جسده الضعيف. لو استطاع امتصاص هذه الطاقة بطريقة صحيحة

وهو يعرف الطريقة "المحرمة" التي ذكرت في أحد فصول الرواية الجانبية فإنه سيختصر شهوراً من التدريب الممل.

2026/04/30 · 2 مشاهدة · 1190 كلمة
Just_mE10
نادي الروايات - 2026