وقف ديكس لثوانٍ معدودة يتأمل جثة ذئب الظل الضخمة التي بدأت تتحلل ببطء وتتحول إلى رماد أسود بفعل تبدد المانا منها.

مسح الدم الأسود اللزج عن يديه بأوراق شجر عريضة، ثم وضع "نواة المانا" الأرجوانية النابضة بعناية فائقة في الجيب الداخلي لمعطفه الممزق.

لم يضيع مزيداً من الوقت؛ رائحة الدماء في هذه الغابة هي دعوة مفتوحة لحفلة شواء هو طبقها الرئيسي.

انسحب ديكس بخفة وسرعة عائداً إلى الكهف الصغير،

والذي اتخذه ملجأً منذ استيقاظه في هذا العالم. بمجرد أن دخل، دحرج صخرة ثقيلة ليسد بها المدخل جزئياً،

تاركاً شقاً صغيراً للتهوية والمراقبة. انزلق بظهره على الجدار الصخري البارد حتى جلس على الأرض الترابية،

وأطلق زفيراً طويلاً ومرتجفاً. الأدرينالين بدأ ينسحب من عروقه، مخلفاً وراءه ألماً عضلياً مبرحاً وإرهاقاً يكاد يفقده الوعي.

لكن عقله رفض الاستسلام للراحة. الوقت هو العدو الأكبر الآن.

بعد أن استبعد "المسار الأول" (الإمبراطورية المقدسة)

و"المسار الثاني" (تنانين كايروت) بسبب المسافات المستحيلة وعوائق القوة، تحول تركيز ديكس بالكامل إلى "الخيار الثالث".

الخيار الذي يقوده نحو أعرق وأكثر الأعراق انغلاقاً في قارة إيكارثا: "أسياد الطبيعة" أو عرق الجان (الإلف).

"الطريقة الثالثة..." همس ديكس في الظلام، وعيناه تتسعان وهو يستحضر صوراً قرأها في المجلد الثاني من الرواية.

في أقصى الجنوب، حيث تلتقي الأرض بالسحب،

تقع مملكة الجان العظمى "سيلفاندريا". في قلب هذه المملكة المحصنة بآلاف التعاويذ الوهمية، تنتصب "شجرة العالم المقدسة" (إيغدراسيل).

إنها ليست مجرد نبتة؛ إنها كيان أزلي يربط عروق المانا في الأرض بطاقة السماء. جذورها تمتد في قلب الكوكب، وفروعها تعانق النجوم.

كل بضع مئات من السنين، وفي ظاهرة فلكية نادرة، تزهر قمة هذه الشجرة العملاقة لتنتج بضع قطرات فقط من سائل ذهبي متوهج يُعرف باسم "الرحيق الملكي".

هذا الرحيق، كما تصفه الأساطير، هو "الحياة السائلة" في أنقى صورها الكونية.

لا يوجد مرض عضوي، أو لعنة سحرية، أو سم شيطاني بما في ذلك دمعة بعلزبول التي تفتك بوالده لا يمكن لهذا الرحيق أن يمحوه في ثوانٍ معدودة.

قطرة واحدة قادرة على إعادة بناء الخلايا الميتة وتجديد نواتج المانا المحطمة كأن شيئاً لم يكن.

"نظرياً، هو العلاج الأقرب والأكثر مثالية،" فكر ديكس،

لكنه سرعان ما عض على شفته السفلى بمرارة. "لكن عملياً... الحصول عليه من الجان أصعب من سرقة تاج الإمبراطور."

الجان قوم متعصبون دينياً وعرقياً بشكل مرعب. بالنسبة لهم، شجرة العالم هي إلهتهم المتجسدة، والرحيق الملكي هو دم هذه الإلهة.

إنهم يحتكرونه بغيره قاتلة، ويستخدمونه فقط لإنقاذ ملوكهم أو حكماءهم العظام في أوقات الكوارث. الجان يفضلون إبادة مدن بشرية بأكملها،

بل ويفضلون الموت ألف مرة تحت سيوف الأعداء، على أن يمنحوا قطرة واحدة من هذا الرحيق لـ "بشري نجس" من خارج عرقهم.

الدبلوماسية معهم معدومة، والتسلل إلى عاصمتهم لسرقته هو نكتة سمجة لا يجرؤ عليها حتى قتلة الرتبة (S).

"الطرق الثلاث تبدو مستحيلة..." تمتم ديكس، وبدأ اليأس، البارد واللزج، يزحف إلى قلبه كأفعى.

بدون اللورد ماركوس، كل خططه المستقبلية ستتبخر كقطرة ماء على صفيح ساخن. هو يحتاج إلى النفوذ السياسي لعائلة ويليامز،

يحتاج إلى الخزائن المليئة بالذهب، ويحتاج إلى الخلفية العائلية المرعبة التي ستوفر له الحماية عند دخوله "أكاديمية هورايزن".

عمه سيلفستر سيجرده من كل شيء بمجرد إعلان وفاة اللورد. "ماركوس يجب أن يعيش... حياته هي الدرع الذي يضمن بقائي."

فجأة، وسط تيار أفكاره السوداوية، توقف ديكس.

ومضت في عقله التحليلي ذكرى عابرة، معلومة صغيرة جداً ذُكرت بين سطور الرواية كخلفية تاريخية لإحدى الشخصيات الثانوية.

كانت من تلك التفاصيل التي يتجاهلها القراء العاديون، لكن "القارئ المهووس" يتذكرها جيداً.

"لحظة..." اتسعت عينا ديكس في الظلام، ونبض قلبه بسرعة. "القائد... القائد أوكونور."

بدأ يربط خيوط القصة المنسية. قبل مائة عام بالضبط، حدثت زلزلة سياسية وأمنية غير مسبوقة في مملكة الجان الهادئة.

القائد أوكونور، الجنرال الأعلى للحرس الملكي والذي كان ينتمي إلى السلالة الفرعية المعروفة

بـ "الجان المظلم"، قام بأعظم فعلة شنيعة في تاريخ قومه.

لأسباب ظلت مجهولة للكثيرين ولم تفصح عنها الرواية بوضوح، استغل أوكونور منصبه،

واخترق الحواجز المقدسة، وسرق زجاجة بلورية تحتوي على قطرات من "الرحيق الملكي"، ثم اختفى كالشبح في ظلال الليل.

تلك السرقة لم تمر بسلام أبداً؛ فقد تسببت في جنون مجلس الحكماء، وأدت إلى انطلاق حملة "تطهير عرقي" دموية.

اتُهم عرق الجان المظلم بأسره بالخيانة العظمى. سُجن رفاق أوكونور، أُعدم المئات، وحُلت "الكتيبة الليلية" التي كانت فخر جيش الجان،

وتحول الجان المظلم في ليلة وضحاها من نخبة المحاربين والأرستقراطيين إلى مواطنين منبوذين من الدرجة الثانية، يُعاملون كالعبيد.

"أوكونور هرب... ولم يمسكوا به أبداً،" استذكر ديكس التفاصيل، وصوته يرتجف بحماس متزايد.

"وفي الرواية الأصلية، هذا القائد الأسطوري ظهر مرة واحدة فقط... مرة واحدة في 'آرك غابة فالوس' في المجلد الثاني، ليقدم مساعدة غامضة للبطل!"

الاستنتاج كان صاعقاً في وضوحه وبساطته: القائد أوكونور يقيم هنا. في هذه الغابة الملعونة.

إنه يختبئ مع ما تبقى من رجاله المخلصين في المكان الوحيد في القارة الذي لا تجرؤ دوريات الجان الرسمية أو جيوش الإمبراطورية على تمشيطه بالكامل.

غابة فالوس... أو كما يسميها المغامرون المخضرمون في حانات الشمال: "القارة الثالثة".

نظر ديكس نحو الشق الصغير في مدخل الكهف،

حيث تتسلل أشعة شمس الظهيرة الخافتة عبر الضباب الدائم. نظر إليها برهبة جديدة، كمن يدرك للتو أنه يقف داخل فم تنين نائم.

المكان الذي يتواجد فيه ليس مجرد مجموعة من الأشجار الكثيفة؛ بل هو عالم قائم بذاته، كيان حي يتنفس الموت وينبض بالرعب.

غابة فالوس تمتد مساحتها لعشرات الملايين من الكيلومترات المربعة،

مساحة شاسعة قادرة على ابتلاع دول وإمبراطوريات بأكملها. أكثر من 60% من أراضيها لم تطأها قدم بشرية مسجلة،

وعادت بعثات الاستكشاف التي حاولت رسم خرائطها إما في توابيت أو كأشلاء لا يمكن التعرف عليها.

النظام البيئي هنا ليس عشوائياً، بل مقسم بصرامة دموية، كدوائر الجحيم، إلى ثلاث مناطق رئيسية:

المنطقة الأولى (المنطقة الآمنة - القشرة الخادعة):

وهي المكان الذي يتواجد فيه ديكس الآن.

تمتد هذه المنطقة كحزام دائري لعمق يصل إلى 3000 كيلومتر من الأطراف الخارجية. يُطلق عليها المغامرون اسم "الحديقة" أو "المنطقة الآمنة"،

ليس لأنها تخلو من الخطر فقد كاد ديكس يموت قبل قليل بل لأن أخطارها "قابلة للتوقع والقياس".

تبدو في الظاهر كغابة كثيفة عادية، أشجارها طويلة لكنها تسمح لضوء الشمس الذهبي بالتسلل ليرسم لوحات جميلة على الأرض. العشب هنا أخضر،

والجداول المائية تبدو صافية وعذبة. هنا تسكن الحيوانات المفترسة العادية، ووحوش المانا من الفئات الدنيا التي لا تتعدى قوتها الرتبة D أو C-

. يمكن لصياد مبتدئ، أو فريق من المرتزقة المسلحين بشكل جيد، أن يصطادوا هنا وينجوا بحياتهم.

لكن بالنسبة لديكس، الذي يقرأ ما وراء السطور، هذه المنطقة ليست سوى "غرفة انتظار" مزينة بعناية قبل الدخول إلى المسلخ الحقيقي.

المنطقة الثانية (المنطقة الخطرة - بحر اليأس):

بمجرد تجاوز حاجز الثلاثة آلاف كيلومتر الوهمي،

تتبدل معالم الغابة بشكل دراماتيكي ومرعب. هنا يبدأ ضوء الشمس في التلاشي تماماً، محجوباً خلف مظلة شجرية سوداء ومتشابكة لا تنتهي.

تصبح المانا في الهواء أثقل، أكثر كثافة، وأكثر حدة لدرجة أنها تجرح رئتي من يتنفسها إذا لم يكن يمتلك مقاومة سحرية.

بحر من الأشجار العملاقة التي تنزف عصارة سامة يمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات. هنا تتغير قوانين الفيزياء والسحر.

هذه المنطقة هي المنبع الحقيقي للثروات الطائلة؛ حيث تنمو الأعشاب الأسطورية، وتتواجد مناجم أحجار المانا النقية التي تشغل اقتصاد القارة.

ولكن الخطر هنا لا يكمن فقط في القوة البدنية للوحوش، بل في "الذكاء". الوحوش في هذه المنطقة، والتي تتراوح رتبها بين C و A،

تمتلك وعياً بدائياً خبيثاً وقدرة مرعبة على التعاون ونصب الكمائن المعقدة. والأدهى من ذلك كله، هو احتمالية ظهور "ملوك المناطق"؛ وحوش من الرتبة S

تحكم مساحات شاسعة كإقطاعيات خاصة بها، وتمتلك سحراً فطرياً قادراً على إبادة كتائب كاملة من الفرسان المدرعين بضربة واحدة.

المنطقة الثالثة (منطقة الموت - الثقب الأسود للإمبراطورية):

القلب النابض للجحيم، المتمركز في منتصف الغابة تماماً. إنها منطقة محظورة دولياً بموجب معاهدات وقعت عليها جميع الممالك.

يُطلق عليها الجغرافيون اسم "الثقب الأسود في إيكارثا". تحيط بها هالة مرئية من المانا المضطربة تمنع حتى طيور الويفرن من التحليق فوقها،

وتشوش على تعاويذ النقل الآني. لا أحد يعلم يقيناً ما بداخلها سوى ما ترويه الأساطير المجنونة.

هنا، تسكن كائنات تتجاوز قوتها حدود الفهم البشري، كيانات تتراوح بين الرتبة SS و SSS

. وحوش لم تعد توصف بأنها حيوانات، بل هي آلهة قديمة،

أو شياطين منبوذة، أو تجارب سحرية فاشلة من عصور ما قبل التاريخ. تهمس الأساطير في الرواية بأن وحوش الرتبة SSS

في قلب الغابة لا يمتلكون أشكالاً وحشية، بل هم "بشر بديلون". يُقال إنهم يتخذون هيئات بشرية فاتنة، يتحدثون بلغات سحرية منسية،

ويعيشون في مدن مفقودة مبنية من الكريستال المتوهج والذهب الخالص، مخبأة تحت جذور أشجار بحجم الجبال.

لا أحد من القارة عاد ليؤكد أو ينفي هذه الروايات، لأن من يعبر خط منطقة الموت، يُمسح وجوده من نسيج الواقع تماماً.

"أوكونور وأتباعه من الجان المظلم يختبئون في المنطقة الخطرة، هذا أمر مؤكد استراتيجياً،" حلل ديكس الموقف، وهو يمسح على ذقنه المفكر.

"لن يبقوا في المنطقة الآمنة لئلا يكتشفهم البشر، ولن ينجوا في منطقة الموت. إنهم في منتصف هذا الجحيم."

ابتسم ديكس ابتسامة باهتة. "لديه الرحيق الذي سرقه. إنه ترياق والدي الوحيد المتاح في هذه القارة. يجب أن أصل إليه وأعقد معه صفقة."

لكن الفرحة بنجاح هذا الاستنتاج تلاشت بسرعة، واصطدمت بقسوة بجدار الواقع الصلب الذي لا يرحم.

"المنطقة الخطرة..." رددها ديكس، وشعر بغصة في حلقه. "الوحوش هناك تبدأ من الرتبة C

وتمتلك ذكاءً تكتيكياً. الدخول إلى هناك بقوتي الحالية... لا، بضعفي الحالي، ليس شجاعة، وليس مقامرة. إنه انتحار غبي وأحمق."

كان عليه أن يواجه الحقيقة الأبشع منذ قدومه إلى هذا العالم. كان عليه أن ينظر في المرآة السحرية التي ستخبره بمدى بؤسه.

همس ديكس بكلمة واحدة، كلمة استدعت النظام الذي يحكم هذا العالم: "الحالة".

2026/04/30 · 2 مشاهدة · 1476 كلمة
Just_mE10
نادي الروايات - 2026