الفصل العاشر: اكتشاف الحقيقة (2)

بعد هذه الكلمة:

بدأ جسد الشاب يهتز مجدداً، لا بل هذه المرة أقوى بمستويات من المرة الأولى، كل جزء من جسده كان يرتجف، رجلاه لم تكونا تقدران على حمله، عيناه اتسعتا وبدأ يظهر عليهما احمرار بسيط٬ ويديه أخذتا ترتجفان شيئاً فشيئاً، رئتاه توقفتا عن التنفس، لا بل لم تعودا تابهان بالقواعد، أما عقله فكان في كومة من المشاكل التي لا تنتهي، أصبح ثقلاً يزيد الألم.

الذي لم يتمالك الأخير نفسه بل بدأ يبكي، يبكي بصوت عالٍ، فمه الذي كان مفتوحاً على مصراعيه، عيناه اللتان بدأتا تذرفان، يداه اللتان بدا عليهما شد عضلي، فقد كان مثل جدار يحميه، وذلك الجدار الوهمي قد تحطم إلى شظايا تتناثر، وهاهو الآن يرى نتيجة وهمه لنفسه. ففي الحقيقة أسوأ شعور قد يصل إليه الإنسان هو عندما يصدق الكذب الذي صنعه بيده ثم يكتشف أنه وهم، وهذا ما حدث للشاب الجالس، عيناه فاضتا بالدموع وبدا عليهما بعض الاحمرار، عقله الذي كان منهاراً كان يفكر:

لماذا أنا من بين جميع الناس؟ لو قلت إنني دخلت هذا العالم، العالم الذي لم ينجُ منه البطل، أنا أصبحت شخصية فيه، والأسوأ من ذلك، هل تعرف ما هو؟ أنا مصيري قد كُتب على ورقة بيد حاكم، بيد القدر بحد ذاته، وأسوأ ما هو سجين القدر؟ شخص أصبح عبداً دون أن يرتكب أي خطأ في حياته. هه، بدأت الضحكات ممزوجة بالدموع تنزل، ثم يقول: لماذا؟ هه، دموع تنزل، الصوت الذي أثقله الحزن وأيضاً خفت. لم أفعل أي شيء في حياتي، أنا فقط عرفت معرفة لا يجب أن أعرفها، وما هو ذنب هذه المعرفة أن يتم تحديد مصيري بأبشع الطرق؟

لم يكن للشاب أي مهرب من هذه الحقيقة المرة، لم يمتلك شيئاً يخفف عنه غضبه وحزنه من الحالة التي هو فيها، بل فقط ذلك الشيء كان مشاعره ملاذه الوحيد، كان طريقته لتقليل الضغط والقلق والحزن، فالأمر ببساطة أنه كبت، كبت لدرجة لم يعد يستطيع مقاومتها، ثم انطلق دفعةً واحدة في موجة لا تتوقف بل تستمر، إذ لم يكن بمقدور الأخير أن يوقف تفكيره السيئ.

بعد مرور عشر دقائق من هذه الحالة، توقف أخيراً عن البكاء، ولو بصعوبة، بسبب صوت واحد أخرجه من قمقم الإحباط الذي كان فيه، محاولاً إنقاذه:

بعد أن جفت الدموع ولم تعد تملك الطاقة الكافية للنزول، لم يسعه إلا أن يرفع ناظريه نحو الشخص الذي كان يشاركه هذا الثقل. التقت عيناهما في صمت، لم يتكلم أي منهما، قلت لكم أنا، مجرد التقاء النظرات كان كافياً لشرح كل شيء.

أوه يا آدم، أعرف شعورك، لقد مررت به بدرجة لم أعد أتذكرها بل فقط أحكيها. لن يفيد قلبك ولن ينفعك لوم نفسك، بل يجب فقط تقبل الحقيقة المرة.

بنبرة خشنة تحمل غضباً قال آدم: الحقيقة؟ ما هذه الحقيقة المرة التي تجعلك تدخل الجحيم دون أن تفعل أي شيء؟

إذاً توقف عن هذه الأمور الصبيانية، أنت لست طفلاً يا آدم. ما الغرض؟ بدأ صوت اش يعلو شيئاً فشيئاً. من هربك من هذا الواقع، هل تتوقع أن بكاءك وتانيبك لنفسك سيغير شيئاً؟

بصوت منكسر قال آدم: إذاً ماذا؟ هل أنا مثلك يا اش؟ أنا إنسان، تتوقع أنني شخص عائد؟ أنا لست من قد رأى جميع وجهات النظر، هذه طريقتي في التعبير عن مشاعري.

حسناً، وماذا ستجلب لك طريقتك؟ الموت. عوضاً عن هذا الهراء الذي تقوم به، حاول فقط أن تبدأ في تشغيل ذلك العقل ولو لمرة، وتتخلى عن عواطفك.

بدأ صوت آدم الأجش يشتد باستمرار: حسناً، لا بأس، أنا أتقبل هذا. وأنت ما شأنك في حياتي؟ أنا من يحددها، لا تتدخل في شؤوني يا اش.

أدرك اش أن الكلام مع الأخير في حالته الراهنة لن يجدي شيئاً ولن يستطيع التفاوض معه وإقناعه، فآثر الصمت ليرى ما ستخبئه الدقائق أو الساعات القادمة. بعد مرور وقت طويل بالنسبة للشخصين، كانت ثلاث ساعات كافية.

ثم قال آدم بصوت هادئ بعد أن أدرك معرفة لم يكن عليه معرفتها:

هل تعرفون ما هو أسوأ نوع من المعرفة؟ هي اليقين. وأن تعرف أنك أصبحت مجرد شخصية جانبية يُكتب لها الموت. كل محاولة، كل مثابرة، كل مقاومة مكتوبة أصلاً في كتاب نسجه القدر. ولكن في هذا العالم، لن تفيدك معرفة النهاية، لا تنفعك معرفة الحل، بل فقط سوف يكون تأجيلاً لمصير قد كُتب أصلاً. وهذا هو الجحيم الحقيقي: تعرف متى تموت، كيف، ربما حتى اليوم والتوقيت. ليس أنت فقط، بل جميع أصدقائك. لا تستطيع تغيير أي شيء.

ثم تكلم آدم بصوت أصبح هادئاً بعض الشيء، ولكن من داخله لم يكن إلا حزن بدأ يخمد شيئاً فشيئاً: يا اش، أنا آسف حقاً، لم أكن في حالة تسمح لي أن أكون ما يجب، كنت منهاراً محطماً، فقط كنت أكثر شيء أحتقره، لم أجد منك إلا وسادة خففت فقط من غضبي، سامحني.

تكلم اش بصوت هادئ:

لا بأس، فأنا أصلاً لم أتأثر بكلماتك يا آدم، في النهاية كنت أعرف حالتك، كنت فقط أحاول تهدئتك.

هذه الكلمات بدأت أخيراً تجعل الشاب يتماسك، وأخذ نفساً طويلاً وهو يستعرض الأحداث كلها ويحللها. أولاً قد يخطر في ذهنكم ما هو السبب في اعتقادي أنني في إحدى عودات هيون أو أصلاً أنني داخل عالمه؟ حسناً كما قلت، هنا لديك أشياء في عودة هيون دائماً تتكرر وهذه إحداها.

أولاً: المسار، دائماً هناك شيء بهذا الاسم. ثانياً: نافذة الحالة وإحصائياتك. ثالثاً: السيناريو ومهمته، وأنا شيء مؤكد لدي. رابعاً: سجين القدر، في الحقيقة هي لم تُذكر في أي عودة بل هي شيء جديد، ولكن تتناسب هذا جداً مع فكرة المختار وكتابة المصير قبل الولادة. وأخيراً الشيء الذي أكد لي مهارة السجلات المتجاوزة، ولم يكن من أسسها إلا شخص واحد هيون بحد ذاته، حتى لو كانت الأربع السابقة صدفة فهذه ليست صدفة.

ولا أعرف حتى سبب مجيئها لي، ولكن الآن بما أنني تأكدت أنني في إحدى عودات هيون، السؤال الذي يجب أن أطرحه: في أي عودة من 1763؟ بما أنني أمتلك معرفة تقريبية على جميع العودات، وليس كلها، فمعرفة العودة ربما تجعلني أعرف المستقبل وأستطيع النجاة لأكبر قدر من الوقت.

قلت بصوت خافت:

آه يا اش، من فضلك، هل يمكنك إخباري أي عودة نحن فيها؟

تكلم اش على الفور وكأنه كان يتوقع هذا السؤال:

الجواب لديك، ركز فقط في مهاراتك وستجده.

استغربت قليلاً من رده لسببين. أول شيء أعجبني أنه لم يبدأ بعبارته المعتادة "يجب أن تناديني بالمعلم الموقر"، يبدو أنه نسي أو أن الوضع الحالي لا يلائم ذلك. أما السبب الثاني فكيف أستنتج العودة؟ أعني ليس هناك أي شيء في المهارات إلا مهارة واحدة وهي سجلات المتجاوزة، وتلك المهارة لن تنفعني تقريباً، أعني كيف ستجعلني أعرف من بين 1763 أنني في إحداها؟ انتظر، بدأت في التفكير مليّاً، ليس لدي إلا هذه لذا يجب أن أفكر.

هيا يا آدم، ما الذي تستطيع هذه المهارة فعله؟ أي شخص عرفته أو قابلته، ما الموجود في العالم؟ انتظر، بينغو، وجدتها. ابتسامة علت وجهي وكأنني صدت السمكة.

الأمر بسيط جداً، هو أن أسأل تلك السجلات عن هيون، وبما أنني استوفيت الشرط الأول وهو أن أكون قد تعرفت عليه وهو الآن معي، إذاً الثاني بالطبع موجود، وبذلك ستنكشف حالته وأعرف في أي عودة نحن. حسناً، يجب أن أعترف أنني سريع البديهة حقاً.

قلت بصوت خافض لا يكاد يُسمع:

سجلات المتجاوزة، أريد أن أعرف كل المعلومات عن هيون باستخدام بطاقة أسئلة من المستوى الأول.

❂ تنبيه النظام ❂

══════════════════════════

〖 تنشيط المهارة 〗

❂ المهارة: سجلات المتجاوزة

❂ الحالة: جاري التنشيط...

══════════════════════════

〖 بحث 〗

❂ الهدف: جاري البحث...

❂ يرجى الانتظار...

══════════════════════════

❂ فشل التنشيط ❂

══════════════════════════

〖 السبب 〗

❂ لم تستوفِ المتطلب اللازم لتفعيل المهارة.

══════════════════════════

〖 النتيجة 〗

❂ تم خصم ( 1 ) نقطة

❂ من بطاقة الأسئلة ( المستوى الأول )

══════════════════════════

❂ الرصيد المتبقي: 2 / 3

══════════════════════════

〖 سجلات المتجاوز 〗

❂ يُرجى تحقيق المتطلبات قبل المحاولة مجددًا.

قلت في نفسي: ماذا؟ كيف؟ أعني أنني استوفيت تقريباً جميع الشروط، أنا قابلت هيون وهو اش، ثانياً هو موجود في العالم. انتظر، بعد تدقيق وتفكير وتأمل، أبعدت الفكرة التي خطرت لي. ماذا لو هيون ليس موجوداً أصلاً في هذا العالم؟

لكن هذا الاستنتاج قد يقودنا إلى استنتاج أعتم، لا بل أقول جحيم. الاحتمالية الوحيدة هي أننا في العودة 1764، لأنني كما نعرف أن في العودة 1763 هيون قد تلاشى في الكون، طلب أمنية ولا نعرف حتى أصله، وأصبح شبحاً وهو اش. هذا يعني أن الزمن قد أُعيد وبدأت عودة جديدة وهي ما أنا عليها. وبعد تدقيق في كلماتي من هذا التحليل السريع للوضع الذي أنا فيه، لم يسعني إلا الاندهاش، لأنني يؤسفني قوله ولكن كل الكلمات صحيحة ليس فيها عيب على ما أتوقع، وهذا جعل الأمر أسوأ فأسوأ، لا بل الحياة ليست عادية أصلاً.

كنت الآن على وشك أن أصبح مثل المجنون الذي يلعن ويشتم دون توقف، لكن طاقتي استُنزفت، لولا ذلك لكان هذا الجسد قد خار من التحطم إلى البكاء إلى حتى الجنون. أتوقع أنني كنت ربما على وشك أن أقتل نفسي لأن هذه الحقيقة قد تؤكد شيئاً واحداً: أنني ضائع، والأدق وصفاً لحالتي الآن:

الشخص الذي يعرف النهاية، يعرف كيف سيرحل، ربما حتى المكان والظرف، ولكن لا يعرف المستقبل ولا يعرف طريقة إيقافه. هذا ما كنت أحسه، لم أكن أعرف المستقبل. حتى تخيّل معي، 1763 عودة أصبحت مجرد زينة، سبع سنوات من الاستماع باتت الآن بلا فائدة. هه، فافي كل عودة الأحداث تختلف 360 درجة وكأنها عالم جديد.

آه، حسناً، يجب أن أتفق أنه كلما ظننت أن الأمور لن تسوء تصبح أسوأ بمراحل. ولكن لنتأكد أولاً من الشخص الذي يعرف الحقيقة.

قلت بصوت خافت:

أتوقع أن العودة التي نحن فيها هي 1764، أليس هذا صحيحاً؟ أخبرني.

جاء رد اش البارد بكلمة واحدة فقط:

نعم، هذه هي الحقيقة.

لم أتفاجأ، بل كان مجرد تأكيد على هذه المعلومة. ثم صمت للحظة، لا ربما أكثر من ذلك، كان عقله صامتاً لا يحاول أن يحلل أو أن يعطي تفسيراً، بدا مثل بحر صافٍ لا تؤثر فيه الرياح. وكان هذا الشعور الأفضل، السلام الداخلي والارتياح من دون أفكار أو هموم. ولكن لم تدم تلك السكينة طويلاً.

أفكاري: من كان يتوقع أنني حين أحصل على كل المعلومات التي أريدها أصبح محطماً فاقداً للشغف، بل ربما حتى مشاعري أصبحت مثل الوردة التي تذبل شيئاً فشيئاً.

لم أعرف هل القدر سيئ معي لتلك الدرجة؟ أعني حتى الآن لم يرحمني، أول ما انتقلت٬ قاتلت الوحش منذ اللحظه الاولى لدخول إلى هذا العالم، ثانياً مواجهة أناس لا أعرفهم، ثالثاً نزالي مع كيريوس، وأخيراً الحقيقة التي لم يكن يجب أن أعرفها. كل هذه الأمور كانت متتالية دون أي استراحة. ربما هذا بسبب السمة التي حصلت عليها، سجين القدر.

في الحقيقة كنت أريد أن أعبر عن إحباطي، أن أبتلع ايضا، أحاول أن أفهم لماذا أُعطيت هذه السمة. ولكن اكتفيت. انني جيد جدا في التحليل٬ فالو تأملت قليلاً ربما اكتشفت حتى أسرار هذا العالم. وكما تعلمت حتى الآن أن المعرفة جحيم حقيقي، ولذلك لا أريد حتى أن أبدأ في التحليل.

لكن مع كل هذا الهدوء بدأ يراودني سؤال واحد تبقى، لا بل نشأ جديد كأنه التالي: كيف يعرف اش كل هذه المعلومات قبل حتى أن يرى نافذة حالتي، إذا كان أصلاً يستطيع رؤيتها؟ كان هذا السؤال يتردد في أن أسأله لسببين اثنين: الأول أن تكون إجابته أسوأ من جميع الإجابات التي سمعتها. ولكن الطمع،

الطمع حقاً جعلني غير مكترث. لماذا سيحدث ذلك؟ أعني ما الأسوأ من معرفة كل هذا الجحيم؟ هل هناك ما هو اسوء؟ أفضل أن أكون الشخص الذي يعاني على أن يكون الأحمق الذي يُساق.

قلت بصوت خافت:

آه يا اش، لدي سؤال أريد أن أسألك إياه.

ما هو؟

كيف تعرف كل هذه الأشياء؟

من الأفضل أن لا تعرف، هذه نصيحتي لك، لأن كل المعرفة التي عرفتها الآن لا تقارن أبداً بالمعرفة التي لو أخبرتك بها ستفكر حقاً في الموت.

كلماته الأخيرة جعلتني أفكر مليّاً، هل أستمر في هذا العناد والطمع أم أتجاهله وأصبح مثل الأحمق؟ ولكن كما العادة، الطمع يتغلب على أي مشاعر يمتلكها الإنسان.

حسناً يا اش، أنا أتقبل كل شيء حتى ولو كان جحيماً، سأستمع. هذا قراري وأنا أتحمل مسؤوليته، لذا أترجاك أخبرني كيف.

هل أنت متأكد يا آدم؟ حسناً، أستطيع إخبارك، ولكنه جحيم. هل ستتحمل رؤية الجحيم بعينيك؟

نعم.

إذاً فلا تلومني إذا لم تعد نفس الشخص.

✧ ملاحظة المؤلف ✧

أريد أن أشكر كل القراء على قراءتهم الرواية إلى هذه النقطة. (نحن في البداية) أتمنى أن تكون هذه القصة مختلفة عن أي قصة قد شهدتموها أو حتى استمتعتم بها.

وهذه أيضاً صورة آش (أجمل شخص في الرواية حتى الآن)

وهذه ايضا صورة ادم ( نسخة معدلة)

واخبروني رايكم بالصورتان.

2026/05/14 · 13 مشاهدة · 1927 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026