الفصل التاسع: اكتشاف الحقيقة
في غرفةٍ متواضعةٍ إلى حدٍّ ما، كان طابعها يمزج بين العصري والقديم؛ تحتوي على نافذةٍ صغيرة، ومكتبٍ يطلّ على الجانب الأيسر، وحمّامٍ صغير. علاوةً على ذلك، ثمّة خزانةٌ طويلةٌ قليلاً تقارب المتر، بلونٍ أبيض يتناسب مع لون الغرفة. ولو نظرتَ إلى الجانب الأيمن، لوجدتَ أريكةً صغيرةً تتّسع لشخصٍ واحد، تبدو عليها بعض الندوب وبعض الكتابات الصغيرة. وفي الوسط يتربّع سريرٌ فارهٌ يستلقي فيه شابٌّ بشعرٍ فضّيٍّ لامع، وعينين قمريّتين تضيئان حتى وسط الظلام الذي يخيّم على المكان. وجهه الساحر خالٍ من أيّ ندوب، يشدّ الأنظار دون استئذان.
بدأ الشابّ يفتح عينيه، ثمّ انتفض من سريره كأنّ أحدهم يحاول قتله. ارتجفت يداه لثوانٍ قبل أن يبدأ في التمتمة لنفسه:
أين أنا؟ في أيّ مكانٍ أتواجد الآن؟ ألم أكن قبل قليلٍ في معركةٍ مع ذلك الأخير كيريوس؟ كيف فقدتُ وعيي؟
بدأتُ أنظر حولي بحيرةٍ، محاولاً استدراك الوضع. وفي أعلى درجات دهشتي، لم يكن المكان غريباً بعد كلّ شيء؛ بل كان يذكّرني بغرفتي: النافذة، الأريكة، حتى الطابع العامّ لم يكن مختلفاً جداً. شابَهَ غرفتي لدرجةٍ ظننتُ للوهلة الأولى أنّني في منزلي. غير أنّ بعض التفاصيل كانت منظَّمةً بطريقةٍ تختلف كلياً عن أسلوبي الكسول. فضلاً عن ذلك وجود أشياء كالأريكة وتفاصيل صغيرة لم أعهدها. وبعد كلّ ذلك لم أجد سوى رسالةٍ مكتوبةٍ على السرير. دافعاً فضولي، وساعياً لفهم ما يجري، بدأتُ أقرأ الكلمات المكتوبة:
» شكراً جزيلاً يا كاين، دائماً ما تساعدني في هذه الظروف دون أيّ مقابلٍ أو طلب. حسناً... أنا لا أعرف ماذا أكتب أو كيف أشكر، لذا فأنا ممتنّةٌ لك جداً. خُذ هذه العشر عملاتٍ الذهبيّة واعتبرها ردَّ جميلٍ بسيطاً على دفاعك عنّي دائماً.
رسالةٌ من سيرا «
ما الذي يحدث بحقّ السماء؟! ألم أكن على وشك القتل للتوّ، ثمّ أجد نفسي على سريرٍ غريب، في غرفةٍ أغرب، وفوق ذلك رسالةُ شكرٍ على شيءٍ لم أفعله؟! وعشر عملاتٍ ذهبيّة؟! آه... لماذا أجد نفسي دائماً لا أفهم أيّ شيء؟
توقّعتُ أنّني يجب أن أسأل "اش" عمّا يجري، وعن كلّ هذا الجنون.
في هذا الصمت، بدأ صوتٌ جديدٌ يظهر:
آه، يا آدم! ألا ترى أنّ الأمر بسيطٌ جداً؟ لقد فزتَ في النزال وهزمتَ كيريوس.
باحثاً عن مصدر هذا الصوت، رفعتُ رأسي لأرى شبحاً يخترق الجدار أمامي. سقطتُ من السرير من هول الصدمة.
ارتطمتُ بالأرض! هذا يؤلم يا "اش"! في المرّة المقبلة التي تريد فيها مُمازحتي، لا تختر اللحظة التي أفتح فيها عينيّ؛ لستُ في كامل قوّتي العقليّة لأستطيع تمييزك! لماذا لا تتوقّف عن هذه الألاعيب؟ أكرهها جداً!
قلتُ ذلك بينما كنتُ أحكّ مؤخّرة رأسي التي بدأ أثر السقوط يظهر عليها.
أوّلاً: هذا ليس خطأي أنّك لا تستطيع التمييز بيني وبين شخصٍ آخر. وثانياً: لا تناديني "اش"، نادِني "المعلّم الموقّر اش" إن أردتَ التحدّث معي، وإلاّ فلا تنتظر أجوبة.
موافق، أيّها المعلّم الموقّر اش... ما الذي يجري؟ وكيف فزتُ على كيريوس؟ وأين أنا حالياً؟
ردّ "اش" بامتعاضٍ خفيف:
الأمر كما قلت: لقد فزتَ على كيريوس، وفقدتَ وعيك، ثمّ نقلوك إلى غرفتك. الأمر بسيط.
أتفهم أنّني فقدتُ الوعي وأنّني في غرفتي. لكن ثمّة جزئيّةٌ لا أفهمها، اش.
ألم أقل أن تناديني "المعلّم الموقّر اش" قبل أن تتكلّم؟
تمتمتُ بصوتٍ خافت:
اللعنة... كيف أستطيع مناداة هذا الشخص "المعلّم الموقّر اش" لمدّة شهرٍ ونصف؟
ماذا تقول؟
آه، كنتُ أقول إنّ أفضل اسمٍ يليق بك هو "المعلّم الموقّر اش"!
أحسنت.
إذاً أيّها المعلّم الموقّر اش، الجزئيّة التي لم أفهمها: كيف فزتُ على كيريوس؟ آخر ما أتذكّره هو أنّ ضربته الجليديّة رمتني خارج الحلبة، وفي تلك اللحظة أُغمي عليّ. هذا تقريباً كلّ ما أتذكّر.
ردّ "اش" بصوته المعتاد:
نعم، سقطتَ بالفعل. لكن ألا تذكر أنّني قلتُ إنّ ثمّة خطّةً رابعة؟
ماذا تقصد أيّها المعلّم الموقّر اش بخطّةٍ رابعة؟
بدأ "اش" يضحك بنظرته المتعجرفة الساخرة:
هل تتذكّر الخطوات التي شرحتُها لك؟ كلّها كانت خدعةً فقط لإجبارك على اكتساب بعض النقاط. أمّا الخطّة الحقيقيّة فكانت سحق ذلك المتعجرف كيريوس.
ماذا تقصد بقولك هذا؟
في الحقيقة كما أوضحت، هدفي كلّه من تلك الخطط كان إيقاظ موهبتك وجعل ذلك الأخير يخسر أمامك أنت.
صحيح، أيّها المعلّم الموقّر اش، لكن كيف فعلتَ هذا؟ وكيف استنتجتَه أصلاً؟
الأمر سهل جداً يا ادم . أنا عبقريٌّ جداً، لا بل ليست موهبةً فحسب بل هي تجربةٌ متراكمة عبر العودات. اولا لو ركزت على ما يقوله الجمهوري: فسوف
تستنتج٬ دائما ان كاين يمتلك موهبة صاحقة٬ عندما يتعلق الامر في السيافة. ما كان غريباً هو أنّ موهبة ذلك الأخير تتفوّق عليك، فأخذتُ أفكّر في خطّةٍ لإيقاع تلك الموهبة أو جعلها تنتقل إليك إراديّاً. وبدأتُ أربط الخيوط بين معركتك مع الوحش ومعركتك مع كيريوس. الخطّة الأولى التي أمرتُك فيها بالخسارة أمامه وتعلّم منه، كان غرضها شيئاً واحداً فقط: لم يكن التعلّم، ولا حتى إخفاء دفاعه، بل إيقاظ عبقريّتك.
على خلاف الوحش الذي كانت هجماته همجيّةً غير منطقيّة، فكّرتُ أنّنا ربّما يجب أن نقرأ ترددات سيف كيريوس، غير أنّ هذا لم ينجح. ثمّ في الخطّة الثالثة لم أكن أحلّل فعلاً، بل كنتُ أفكّر في أيّ موقفٍ يجب أن أصنعه لإيقاظ تلك العبقريّة.
وكان واضحاً أنّ كيريوس لم يستخدم جميع أوراقه. فاستنتجتُ أنّ الشرط الوحيد الذي قد يُفعّل تلك العبقريّة الساحقة هو إفقادك الوعي؛ فعندما قتلتَ الوحش لم تفقده، وكانت هجماته عشوائيّة، ولم تكن قد تكيّفتَ بعد مع هذا الجسد. وها قد نجحت خطّتي بامتياز: خسرتَ المعركة، ثمّ نهضتَ نسخةً جديدةً من نفسك، فسحقتَ كيريوس وفزت. أليس الأمر بسيطاً كما قلت، يا آدم؟
بعد أن أنهى "اش" كلامه، بدأتُ أفكّر في كلّ كلمةٍ قالها وأحلّلها مليّاً. وفي الحقيقة انبهرتُ بدرجاتٍ من ذكائه؛ كيف فكّر في هذه الخطّة في دقائق معدودةٍ وسط معركة؟ فضلاً عن أنّها كانت مجرّد نظريّةٍ جعلها واقعاً على أرض الميدان. إن ظننتم أنّ الأمر بسيط، فجرّبوا القتال مع شخصٍ بسيف، أو حاولوا التفكير بخطّةٍ عبقريّةٍ في خضمّ معركة؛ ستخسرون لا إراديّاً لأنّ انتباهكم سيضيع. لكنّ "اش" تمكّن من توجيهي في المعركة ووضع خطّةٍ جحيميّة في آنٍ واحد. ربّما يستحق فعلاً لقب "المعلّم الموقّر اش".
لم يحلّ بعد ذلك إلاّ صمت.
محاولاً استيعاب كلامه، تذكّرتُ سؤالاً راودني حتى الآن ولم أجد له إجابة:
يا اش، ألم تقل إنّنا حين نصل إلى مكانٍ آمن ستخبرني أين نحن وما هذا المكان؟
يا آدم، ألا تفهم شيئاً؟ لن أجيب عن أيّ سؤالٍ قبل أن تناديني "المعلّم الموقّر اش".
بدأ الأمر يزعجني حقّاً. التفكير في أنّني سأقول "المعلّم الموقّر اش" لمدّة شهرٍ ونصف ونحن في بداية هذا اليوم أمرٌ مزعجٌ للغاية. لكن على الأقلّ لن أضطرّ لمشاهدة المسلسل الآن.
أيّها المعلّم الموقّر اش، أين نحن؟ وما هذا المكان؟ ومن أنا أصلاً؟
نظر إليّ بلا مبالاة، ثمّ قال:
يا آدم، تريد معرفة أين نحن وكيف وصلنا إلى هنا؟ فقط اقرأ نافذة حالتك.
نافذة حالتي؟ ما الذي تتفوّه به، أيّها المعلّم الموقّر اش؟
هل نسيتَ أنّك فتحتَ نافذة الحالة المتعلّقة بذلك الوشم، ثمّ نمت؟
حاولتُ التذكّر، عصرتُ عقلي... وفجأةً تذكّرت: أوه، نعم! قرأتُ اسمي فحسب ثمّ نمت. وأتوقّع أنّه أخبرني في وقتٍ ما بأن أقول "وشم" أو ما شابه ذلك. حسناً، لنفعلها مجدّداً.
**وشم.**
لم تمرّ إلاّ ثوانٍ حتى ظهرت النافذة؛ نظامٌ يعرض جميع حالتي بلونه الأزرق المعتاد، بإحصائياتٍ تقريبيّةٍ لا تشمل قوّتي فحسب، بل كلّ شيءٍ يتمحور حولي، كانت كالتالي:
---
❂ الاسم: آدم
❂ الختم: الصحوة
❂ المسار: لا يوجد
❂ اللقب: لا يوجد... بعد
══════════════════════════
〖 الإحصائيات 〗
❂ القوة: 10
❂ الصلابة: 5
❂ الخفة: 6
❂ الإدراك: 14
❂ الإرادة: 15
❂ الحظ: ???
──────────────────────────
❂ المجموع: 50
══════════════════════════
〖 السمات 〗
❂ سلالة الدم: بشرية - لم يتم استيقاظه ( ؟؟؟ )
"دم عادي... أم هكذا يبدو للوهلة الأولى"
❂ سجين القدر
"أنت الشخص الذي اتّخذ القدر قراره بموتك قبل ولادتك بقرون، فجعل العالم بأسره يريد قتلك، والحظ يحطمك، وكلّ طريقٍ تسلكه ينتهي بالموت، ولن تجد غير الخيانة تلاحقك في كلّ أفق"
❂ ساعة العبقري
الحالة: خامدة
نسبة الإكمال: 1%
عند تنشيط السمة، تختفي شخصيّتك كلياً وتتحوّل إلى إنسانٍ باردٍ بموهبةٍ استثنائيّة. لا تأبه بأيّ قوانين، لأنّك أنت من يملكها ويصنعها. أنت أصلها وملكها. تفكيرك يصبح منطقيّاً بحتاً، لا يهدف إلاّ للفوز. كلّ شيءٍ يتحوّل إلى أداةٍ بين يديك: جسدك، إحصائياتك، أسلحتك، وحتى أصدقاؤك. بل إنّ الزمن نفسه يتباطأ ليُعلن فوزك.
══════════════════════════
〖 المهارات النشطة 〗
❂ سجلات المتجاوزة - [ SSS ]
"تمنح مستخدمها القدرة على رؤية إحصائيات وسمات وأسرار أيّ كيانٍ بوضوحٍ تام، بشرط أن يكون موجوداً في العالم وأن يكون المستخدم قد قابله من قبل"
══════════════════════════
〖 البطاقات الحالية 〗
❂ بطاقة أسئلة المستوى الأول: 3 / 3
❂ بطاقة أسئلة المستوى الثالث: 1 / 1
طريقة الحصول على البطاقات: إنجاز مهام السجلات
══════════════════════════
〖 مستويات السجلات 〗
❂ المستوى الأول - [ مفتوح ]
"ترى الإحصائيات والقدرات والسمات الأساسيّة للكيان بوضوح"
متطلّب الترقية: إنهاء مهام الأسئلة من درجة متوسّط
❂ المستوى الثاني - [ مغلق ]
"ترى الكيان بأدقّ تفاصيله، تعرف عدد القلوب، وما بينك وبين الأشياء التي يحبّها ويكرهها، وما هي مشاعره تجاهك بالضبط"
متطلّب الترقية: إنهاء مهام الأسئلة من درجة صعب
❂ المستوى الثالث - [ مغلق ]
"ترى ذكريات الكيان بلا قيود، من العميقة إلى المخفيّة، تلك التي لا يعرفها إلاّ هو وحده"
متطلّب الترقية: إنهاء مهام الأسئلة من درجة الجحيم
❂ المستوى الرابع - [ مغلق ]
"ترى إمكانيّات الكيان الحقيقيّة، من سماته إلى مستقبله كلّه وقراراته القادمة التي لم تحدث بعد"
متطلّب الترقية: إنهاء مهام الأسئلة من درجة المستحيل
❂ المستوى الخامس - [ ؟؟؟ ]
"⬛ ⬛ ⬛"
متطلّب الترقية: إنهاء مهام الأسئلة من درجة نهاية العالم
══════════════════════════
〖 المهارات السلبية 〗
❂ لا شيء... حتى الآن
〖 المهارات الفطرية 〗
❂ ⬛ محجوبة ⬛
══════════════════════════
〖 المهمة الرئيسية 〗
❂ السيناريو الاول:الدفاع عن الحسن حتى آخر رمق
❂ الحالة: جارية
❂ المكافأة: مجهولة
❂ عقوبة الفشل: الموت
══════════════════════════
〖 الإنجازات 〗
❂ لا شيء... بعد
---
بدأتُ أقرأها مرّةً، مرّتين، ثلاثاً... خمساً... سبعةَ عشرة... ثلاثاً وعشرين. في الحقيقة أيقنتُ من المرّة الأولى أين أنا، ومن أنا، وبدأت كلّ أسئلتي تجد إجاباتها بنفسي. لكنّ عقلي بل أنا، لأكون صادقاً مع نفسي ٬ لم يرِد قبول الحقيقة الصادمة التي لا أريد سماعها. عُدتُ إلى القراءة لدرجةٍ لا تُصدَّق: خمسٌ وثلاثون مرّة.
بدأ جسمي يهتزّ ويقشعرّ. الغرفة التي كانت مغلقةً دافئةً لا ينبعث منها أيّ برودة، ها أنا أجلس فيها متجمّداً من الداخل. قلبي بدأ نبضه يتزايد خطوةً خطوة، وكلّ قراءةٍ كانت تجعله يتصاعد. بدأتُ أبتلع ريقي بصعوبة. ومهما حاولتُ تجنّب الحقيقة المؤلمة...
كانت مشاعري تائهةً وغريبة. تحدٍّ لحدٍّ لم أعرفه منها شيئا، كانت أولى مشاعر حقيقيّةٍ تلمسني. هو الخوف الذي جعل عقلي يجري في أسوأ السيناريوهات الممكنة.
لكن هل تعرفون ما يأتي بعد الرعب؟ الجهل. لن أسمّيه حماقةً، بل هو نعمة؛ تلك المحاولة لإبعادك عن هذا الخوف بإخفاء الحقيقة. وهذا بالضبط ما كان يحدث لي: إخفاء الحقيقة، والتظاهرة بأنّني أحمق لا يفهم شيئاً، بينما جسمي يصرخ بها. لم أكن إلاّ أتظاهر بالغباء.
ثمّ جاء آخر المشاعر: الأمل. ليس أملاً كاملاً، بل أملٌ طفيفٌ بأنّ كلّ هذا مجرّد خيالٍ أتصنّعه، مجرّد سيناريوهاتٍ غير واقعيّةٍ تطفو في مخيّلتي وتزهو.
أدركتُ أنّها حقيقة. تبّاً... تبّاً على ذكائي! لماذا أنا ذكيٌّ إلى درجةٍ أستطيع فيها فهم الأشياء من النظرة الأولى؟ لماذا أستطيع ربط أشياء لا يستطيع أيّ شخصٍ آخر التفكير فيها؟ ولماذا أنا هنا أصلاً؟
خرج منّي صوتٌ غريب، لم أكن أعرف إن كان ضحكاً أم بكاءً أم جنوناً؛ لم أستطع التفريق بينها في تلك الحالة الراهنة.
كان الهلع يتصاعد، والخوف من الحقيقة التي اكتشفتُها جعل عالمي ينهار فجأةً. كان اشبه بسيفٍ يخترق قلبي، لا بسرعة بل ببطء، يجعلني أتذوّق هذا الألم حتى الثمالة. لم يختفِ الدوار، ولم يختفِ الصراخ الداخلي، ولم يختفِ التوتّر؛ بل تزايد كلّ ثانية، بعد دقيقة، بعد نصف ساعة. وبعد ساعةٍ كاملة بدأ يتلاشى، لا لأنّني أردتُ ذلك، بل لأنّ جسدي تكيّف مع هذا الألم. لم يعد يستطيع الصراخ، ولم يعد يستطيع الهلع، ولم يعد يستطيع المقاومة. أدرك فقط أنّ هذه الحقيقة يجب تقبّلها.
غير أنّ ذلك الأمل الخافت بقي؛ ذلك الوهم الذي يمرّ على أيّ إنسانٍ محاولاً التحقّق.
نظرتُ إلى "اش" بعينين على وشك البكاء، منكسراً محطَّماً، ثمّ قلتُ بصوتٍ أجشّ يحمل ارتباكاً وتردّداً في طرح
ه، يوشك ألاّ يكون مسموعاً:
يا "اش"... هل أنا في أحد عودات "هيون"؟
صمت "اش" ولم يردّ مباشرةً، خلافاً لعادته. بدت عليه ملامح الجدّيّة والحزم والحزن في آنٍ واحد. ثمّ قال كلمةً واحدةً حطّمت كلّ ذلك الوهم إلى شظايا:
نعم... صحيح.
هذا بالضبط ما كنتُ أخشاه.