✧ملاحظة المؤلف✧
بعض الصور الشخصيات:
ادم:
سيرا:
الفصل الثامن: معركة مستحيل
كان المكان يضيق بالجمهور الذي بدأ يتسارع لحضور هذا القتال، تاركاً وجباته تبرد خلفه وأكوابه الدافئة على الطاولات. لم تكن هذه الأمور تحدث كل يوم. بل لم تكن تحدث في عمر جيل كامل. مشاهدة قائدين يتقاتلان أمر نادر الحدوث، ولا سيما حين يكون اسم كاين إيفانهارت موجوداً فيه.
تدفّق الناس نحو الساحة كما يتدفق الجمهور على المشاهير. لا أحد يستطيع تفسير ما يجذب.
امتلأت الساحة عن آخرها. تراصّت الأجساد في المقدمة، وتسلّق بعضهم على الحواجز الجانبية ليجدوا زاوية نظر. كان الجمهور في معظمه من مشجعات الفتيات، يتدافعن للأمام حتى كادت الصفوف الأولى.
في الجهة اليمنى وقف القائد كيريوس.
رجل تجاوز السابعة والثلاثين، بُنيته الجسدية تشبه الصخر الذي شُكّل على مدى عقود من التدريب والمعارك الحقيقية لا الحلبات المرتبة. ظهره مستقيم كالرمح، قدماه ثابتتان بمسافة كتفين بالضبط، ويده على مقبض سيفه لا تمسكه بل تستريح عليه كأنها امتداد طبيعي لذراعه. هذا وقوف رجل اعتاد الحروب وعرف كيف يُبقي طاقته لما هو آتٍ. رغم مكانته العالية لم يكن يحظى بنفس التشجيع والهتافات. بدت عليه ملامح التوتر في مسكه للسلاح، في تنفسه البطيء الذي يحاول به إخفاء شيء ما. رجل من هذا العمر يعرف أن التوتر الظاهر ضعف، لكن الجسم أحياناً لا يسمع العقل.
في الجهة اليسرى وقف كاين إيفانهارت.
سبعة عشر عاماً. شعر أبيض كالثلج. عينان رماديتان تنظران إلى كيريوس بهدوء. وقفة تبدو مرتخية لمن لا يعرفه، لكن من عاش بجانبه يعرف أن هذا الارتخاء هو أخطر ما فيه، عادة متجذّرة، طريقة جسده في إخفاء كل شيء حتى اللحظة التي يختار فيها الكشف.
من وسط الحشد خرج شخص بشعر أسود وعيون زرقاء، مبتسماً ابتسامة ساخرة كأنه يعرف حدوث هذا قبل اي شخص. لم يتزحزح أحد ليفتح له مساراً، ومع ذلك وجد نفسه في وسط الساحة.
«آه يا رفاق، على الأقل أن يكون هناك حكم لهذه المعركة أو قوانين. شيء يجعلها تستحق المشاهدة. وبما أن لدي اليوم وقت فراغ يكاد يقتلني من الملل، ما رأيكم أن أكون الحكم؟»
نظر إلى كيريوس. نظر إلى كاين. ثم إلى الجمهور بعيون تقول: أليس كذلك؟
لم يمانع أحد. أعطى كيريوس إيماءة موافقة واحدة خفيفة. كاين لم يتحرك أصلاً.
ابتسم ثروفين ابتسامة الشخص الذي يعرف أن اليوم سوف تتغير الكثير من الأشياء في القلعة.
«ما رأيكم أن نجعلها منافسة تعتمد على النقاط؟ أول شخص يجمع خمس نقاط يفوز.»
رفع إصبعاً. «اجعل سيف خصمك يتحطم أو يبتعد عن جسده، نقطة واحدة.»
إصبعاً ثانياً. «اجعله يفقد وعيه، نقطتان.»
إصبعاً ثالثاً. «اجعله على حافة الموت، ثلاث نقاط. القوانين بسيطة جداً. وأنا متأكد أن الجمهور يفهمها.»
التفت إلى الطرفين ولم ينتظر جواباً.
«واحد... اثنان... ثلاثة... ابدأ.»
: الجولة الأولى
تقدم كيريوس.
انطلق كيريوس، سرعته لم تكن طبيعيه على الاطلاق متزنه على النحو غريب. الأرض تحته أصدرت طقطقة خفيفة حين دفع بقدمه، وجسده الضخم الذي من المفترض ان يبطئ او ان يخفف من ثقله لم تتطابق اي قوانين او منطق على هذا الكيان فقط استمر. لم يكن أحد من الواقفين أمامه يعرف حركته التالية، وهذا بالضبط ما جعل قلوبهم تتسارع. فكلما توقعوا أن الأمور قد حُسمت أضاف تغيير طفيف قلب مجرى اللعبة من الصفر، وهذا ما يخلق الإثارة الحقيقية.
ربما كانت القلعة كلها تعرف أن كاين، باستثناء عدم امتلاكه لمسار سحري، يُعتبر أفضل مقاتل بالسيف. وهذا بالضبط ما جعل كيريوس لا يتردد، ولا يُمهّد، ولا يختبر. انقض مباشرةً بهجمة عمودية ثقيلة صبّ فيها كل قوته، النوع من الضربات التي تختبر الخصم لا تقتله، لأن كيف تردّ يُخبره من أنت.
لكن كاين لم يردّ كما يتوقع أحد.
نحب
، أمسك كاين بسيفه بيد واحدة وأدار جسده قليلاً للخلف فانزلق ثقل الضربة بجانبه كريح ، ثم في نفس الحركة، بحركة تكمل الأولى، سدّد بمرفقه نحو رأسه كيريوس بدقة لا تخطئ.
*صليل.*
سيف كاين طار من يده. نزل على بعد أمتار وأصدر رنيناً واضحاً يملأ الصمت المطبق.
لم تمضِ على كل هذا إلا عشر ثوانٍ.
«الفائز في المباراة الأولى: كيريوس. نقطة واحدة.»
في البداية لم يُسمع أي صوت. الجمهور الذي امتلأ بالتوقعات والهتافات أصبح فجأة كتلة صامتة تحاول أن تفهم ما رأته. ثم حين استوعب خسارة بطله، لم يظهر عليه الحزن بل شيء آخر تماماً. تواصلت الكلمات من كل ناحية:
«كاين يستهزئ بخصمه، يا له من كريم، يعطيه النقطة هدية.»
«ألا تعتقد أن كيريوس مغرور بعض الشيء؟ يتوقع أنه سيفوز؟»
ثم هتافات الفتيات التي ملأت الساحة من أقصاها إلى أقصاها: «اسحق هذا المغرور يا كاين، علّمه من يكون المعلم الحقيقي.»
الجولات الثانية:
«واحد... اثنان... ثلاثة... ابدأ.»
أُعلن البدء للمرة الثانية.
على خلاف من يخسر مباراته الأولى، لم تبدُ على كاين أي ملامح للذعر أو الخوف. بل على العكس، كانت عيونه منصبة على كيريوس بطريقة تحليلية ، تلك النظرة التي تُفكك الشخص إلى أجزاء وتبحث في كل جزء عن معلومة. هذه النظرة جعلت كيريوس لا إرادياً يُعيد حساب خطوته القادمة.
تقدم كيريوس هذه المرة بزاوية مختلفة، مستهدفاً الجانب الأيمن. اصطداما. لكن قوة كيريوس كانت تختلف عن قوة الشاب اختلافاً محورياً، مثل اصطدام موجة بحجر. تراجع كاين خطوة خلفية وسيفه طار مجدداً.
المباراة الثانية: عشرون ثانية. نفس النتيجة.
المباراة الثالثة: ثلاثون ثانية. نفس النتيجة.
المباراة الرابعة: دقيقة كاملة من التبادل والمراوغة، ثم في النهاية نفس النتيجة. اصطدام واحد يكفي لإسقاط السيف.
لم يتبقَّ لكيريوس إلا المباراة الخامسة ليُعلن فوزه.
وفي الجمهور استبدل الناس طريقتهم. أربع خسارات متتالية بلا مقاومة، حتى صور الخلفيات توقفت والتشجيع اختفى شيئاً فشيئاً. عوضاً عن ذلك بدأت أصوات تخرج ساخرة مُعززةً الفارق بين الاثنين: كاين سبع عشرة سنة بلا مسار سحري، وكيريوس تجاوز السابعة والثلاثين بخبرة معارك لا تُحصى. ربما كان كاين يُقاتل ضعفاء طوال هذا الوقت ولما واجه خصماً حقيقياً ظهرت الحقيقة.
هذا الكلام كان منطقيا لوضع الراهن وما إن وجدوا مبررا يجعلهم يدافعون عن كيريوس حتى كبر وكبر حتى ملأ الساحة.
أما كيريوس فلم يتكلم، لكن جسده تكلّم بدلاً عنه. كتفاه انخفضتا قليلاً. فكاه أُرخيا نصف درجة. نفسه أصبح أبطأ وأعمق. علامات الاسترخاء. علامات الثقة التي وصلت إلى حد الاستهانة. بدلاً من أن يأخذ المعركة بجدية راح يستهين بخصمه، وهذا بالضبط كان هو الخطأ الذي لن يستطيع تداركه.
**قبل ذلك بدقائق.**
في ركن بعيد خلف أعمدة الساحة، حيث لا يصل صوت الجمهور إلا طنيناً خافتاً، كان صوتان يتحدثان بنبرة من يعرف أن ما يقوله يُحدد ما سيحدث بعد قليل.
«يا آش، كيف يمكننا هزيمة هذا الرجل؟»
لم يكن صوت آدم صوت خائف. كان أشد من ذلك بكثير.
«ليس هناك أي نسبة مئوية. ربما الصفر فقط. أقل من الصفر. كل شيء يقول إن هزيمة كيريوس مستحيلة. هذا شخص لا يخفض دفاعه أبداً. حتى في لحظات الانتصار يبقى حذراً كأنه يتوقع الطعنة من كل اتجاه. هذا ليس شخصاً تدرّب على القتال، هذا شخص عاش القتال حتى أصبح جزءاً من طريقة تنفسه. وليس هناك جليد كالمرة السابقة لتضليله. وهو ليس غبياً مثل الوحوش، ذكي، قاتل في معارك حقيقية أكثر مما نستطيع تخيله.»
نفسٌ طويل خرج ببطء.
«كلما نظرت إلى الفارق بيننا أحسّ بالغثيان. الأمر يشبه أنك دخلت صالة تدريب وفي أول يوم عليك هزيمة مدربك وأنت لا تعرف حتى الأساسيات. ببساطة غير ممكن. هذا ما يحدث الآن.»
ثم بنبرة من أسقط آخر وهم:
«تكلم يا آش. هل لديك خطة حقيقية؟ لا كلام نظري. لأن هذا القتال نهايته محددة قبل أن يبدأ.»
صمت من الجهة الأخرى. ثم صوت آش، هادئ بطريقة غريبة، هادئ بالدرجة التي تجعلك لا تعرف إن كان واثقاً أو ببساطة لا يدرك حجم المشكلة:
«من قال إن النهاية حُددت يا آدم؟»
«أنا قلت.»
«لم تقل إنك خسرت. قلت إن النهاية محددة. هذان شيئان مختلفان تماماً. النهاية لن تُحدد إلا في اللحظة التي تقول فيها أنت: خسرت. وما دمت لم تقلها، نحن في البداية.»
توقف كاين عن الكلام. شيء في هذه الجملة أوصل إلى مكان ما.
«إذن كيف نفوز؟»
«أخبرني أولاً. حين تسمع هذا السؤال: كيف تهزم شخصاً أقوى منك بكثير؟ ما أول شيء يخطر لك؟»
فكّر آدم لثوانٍ.
«أجعله يستهين بي. أخفّض توقعاته حتى يرتخي دفاعه. ثم أدرس أسلوبه القتالي، أفهم إيقاعه، أجد الثغرة. ثم أوجه ضربة حاسمة في اللحظة التي يكون فيها على يقين بأنه آمن.»
«بينجو.»
قالها آش ببساطة الجواب واضحاً منذ البداية، هو فقط الانتظار.
«هذا بالضبط ما سنفعله. أول شيء نجعله يخفض دفاعه. ثانياً تراقب حركات سيفه وكيف يُوزّع ثقله. ثالثاً تعطيني الوقت الكافي لأعرف أسلوبه القتالي وأجد ثغرته.»
«وكيف نفعل كل هذا؟»
«بأبسط طريقة ممكنة يا آدم، حتى طفل يستطيع فعلها. أن تُهزَم. أن تُهزَم بشكل واضح لا بأس فيه، مراراً وتكراراً، بينما أنت تُسجّل كل حركة يؤديها. كيف يُمسك سيفه. كيف يُوزّع ثقله. متى يُهاجم ومتى يتراجع. في أي اتجاه يميل حين يستعد للهجمة الكبيرة. الجسم يتعلم هذه الأشياء حتى حين لا يعرفها العقل، لكنه يحتاج وقتاً ليتعلمها. وهذه الخسارات هي الوقت.»
«وإذا فشل كل هذا؟»
ضحكة خفيفة من الجهة الأخرى.
«لديّ خطة رابعة. ستراها حين تحين لحظتها.»
بتنهيدة طويلة قال آدم: «بكل الأحوال القادمة ستكون خسارة. فلا مانع من تجريب جنونك. أتمنى أن تنجح.»
«أتمنى أنا أيضاً.»
**العودة إلى الحاضر.**
الجولة الخامسة
الشاب الذي كان من المفترض أن تبدو عليه الخيبة والاستسلام، ابتسم.
ابتسامة خافتة غمرت وجهه بشكل غريب لم يتوقعه أحد. تلتها ضحكة صغيرة لم تكد تُسمع. ثم ابتسامة أعمق تصل إلى العيون هذه المرة.
تقدم كيريوس بكل سرعته مستهيناً تماماً، يريد إنهاء هذا بضربة واحدة لأن الأمر لا يستحق أكثر في نظره.
لم يتحرك كاين للخلف.
بل اقترب.
اقترب من الهجمة نفسها.
رأى كيريوس هذا وفي عينيه وميض سريع.
في اللحظة الأخيرة، قبل أن يصل النصل إلى رأسه بشبر واحد فقط، رفع كاين سيفه بكلتا يديه نحو اليسار وانحرف بخطوة نصف دائرية. ارتطم النصل بالأرض بدوي ملأ الساحة وأسكت كل صوت فيها.
لم يُدرك كيريوس ما حدث فوراً. جسده كان لا يزال في زخم الضربة، والذراع ممتدة لأسفل، والجانب الأيمن من جسده مكشوف تماماً. مكشوف.
لم يتردد كاين. ضربة أفقية سريعة نحو الرقبة، واضحة المسار، حازمة في التنفيذ. توقفت قبل أن تُسقط قطرة دم واحدة.
«الفائز في المباراة الخامسة: كاين إيفانهارت. نقطتان لإصابة منطقة حرجة.»
انفجرت الساحة بصوت لم يصدر مثله منذ بدأت المباراة.
الجولة السادسة
**واحد... اثنان... ثلاثة... ابدأ.**
لم يتخذ أي من المتبارزين خطوة.
وقفا يتناظران. ليس التحديق الذي يُخيف، بل التحليل الذي يُقلق. تلك النوعية من النظرات التي تُفكك الشخص إلى أجزاء وتبحث في كل خطأ بسيط. دقيقة. ثلاث. خمس. ثماني. عشر دقائق كاملة ولا أحد يتحرك.
«هل هذا نزال أم مسابقة تحديق؟»
«تحرك يا كيريوس، ماذا تنتظر؟»
«كيف لشاب سبع عشرة سنة يجعلك تقف هكذا؟ هل هذا كل ما تستطيع؟»
«يا لك لعيناً، كيف تؤذي حبيبي كاين؟»
حاول كيريوس تجديد انتباهه لخصمه. دقيقة كاملة ، يُعيد تثبيت نظره على عيني كاين، يحاول استعادة الهدوء.
اختفى.
لم يتقدم كاين بطريقة يمكن وصفها بالهجوم. كان هناك، ثم لم يكن. كأن المسافة بينهما طُوّيت لا قُطعت.
في الثانية التالية أحسّ كيريوس بخطر في عنقه.
حدّ سيف يلامس جلد رقبته بضغط خفيف.
*صليل.*
كان كاين يقف خلفه، واضعاً كل قوته على هذا الموقع، جاعلاً كيريوس في وضعية دفاع كاملة. لكنه لم يتوقف هناك. تلتها هجمات متتالية بإيقاع محسوب ليس فيه عشوائية واحدة:
*صليل. صليل. صليل.*
الأولى نحو الكتف. الثانية نحو الخاصرة. الثالثة نحو الركبة. تُجبر هذا الجسم على التكيف المستمر، على استنزاف الطاقة في كل موجة دفاع، على التفكير السريع في اتجاهات متعددة في آنٍ واحد.
ترنّح كيريوس خطوة للخلف.
ثم جاءت الركلة٬كانت مُوجّهة بدقة نحو المعدة بكل ما في الجسد من قوة مركّزة في نقطة واحدة. أصدر كيريوس صوتاً لم يُخطط له وتراجع خطوتين غير موزون الجسد.
ثم لكمة بيد كاين اليمنى على وجهه. ثم أخرى. ليد كاين اليسرى، ليس إلى الغضب العشوائي بل إيقاع منتظم متواصل.
بدأت آثار الإرهاق تظهر على وجه كيريوس. العرق الذي لم يكن موجوداً في البداية بدأ يلمع تحت ضوء الساحة.
ثم بهجمة أفقية مُحكمة استهدفت يد كيريوس لا جسده، انتزع السيف وأرسله يطير بعيداً.
*طقطقة* حين اصطدم بالأرض، ثم *أزيز* خفيف.
سقط كيريوس على ركبة واحدة.
وفي تلك اللحظة، حين كانت ركبة كيريوس لا تزال تلمس الأرض وعيناه تحاولان إعادة التركيز، أدرك شيئاً.
أدرك أن الوضع قد تغيّر حقاً.
وكان أول ما خطر له لا الخوف ولا القلق، بل شيء أغرب منهما تماماً:
حسناً. هذه هي المشكلة الحقيقية. لكن من كان يتوقع أن يُقاومني إلى هذا الحد؟ كنت أتوقع انتصاراً سهلاً على أفضل ممارس بلا سحر. الأمور أصبحت أكثر إثارة مما تخيلت. لم أستمتع بهذا الشعور منذ زمن طويل جداً. دعونا نرى من سيفوز في النهاية.
فكرة غريبة في لحظة كهذه. لكن الجسم أحياناً يُخرج ما لا يطلبه العقل.
مشى كاين للخلف بخطوات هادئة. تنفسه كان أسرع مما يريد لكنه لم يُظهر ذلك. يداه كانت تُحسان ببداية الثقل بعد كل تلك الاصطدامات.
ثم تغيّر الهواء.
لم يكن تغيّراً تدريجياً. كان قطعاً مفاجئاً كأن شخصاً بدّل درجة الحرارة بريموت. قبل دقيقة كانت الساحة دافئة من البخار الساخن وحرارة الطعام المقدم. الآن بدأ البرد يتسلل من الأرض، من الهواء، من كل اتجاه في آنٍ واحد.
*دوي* هائل يهز الساحة.
كتلة جليدية بحجم رجل انطلقت كسهم محكم وضربت كاين في جانبه الأيسر قذفاً به خارج منطقة القتال. اصطدم بالأرض بعنف، دحرج مرتين، توقف.
صمت مطبق.
نهض كيريوس ببطء، وعلى وجهه الآن شيء مختلف تماماً. ليس الاستهانة التي كانت هناك منذ قليل. بل تركيز حقيقي. في الهواء فوق الساحة تشكّلت دوائر سحرية، خطوط متشابكة من الضوء الأزرق الباهت ترسم أنماطاً هندسية دقيقة، وكلما اكتملت دائرة أطلقت منها شظايا جليدية حادة.
أمسك كيريوس بسيفه المغطى الآن بطبقة سميكة من الثلج وبدأ يتقدم بخطوات بطيئة واثقة نحو كاين الملقى على الأرض.
اندلع الجمهور من كل ناحية:
«هذا غش بكل النواحي.»
«يا ثروفين أيها الوغد، كيف تقبل هذا؟ من المفترض أن تعلن فوز كاين.»
«يا كيريوس اللعين، هل لديك أصلاً فخر الفرسان؟»
مبتسماً ابتسامة ماكرة رد ثروفين:
«أيها الجمهور الكرام، أفهم جميع آرائكم. لكن في المعركة الحقيقية استخدام المسار أمر ضروري للفوز وهذا ما فعله كيريوس ببساطة. لم يخالف أي قانون من القوانين التي وضعناها.»
وفي أعماقه تحدث ثروفين مع نفسه:
في الواقع كل هذا كلام تافه. الحقيقة أنني أردت فقط أن أرى. هل اختياري له كان صحيحاً؟ هل يستطيع هذا الشاب هزيمة رجل بهذا المستوى وهو لا يمتلك ذرة واحدة من السحر؟ أثبت لي يا كاين. أثبت لي أنني لم أختر الشخص الخطأ.
تكلم كيريوس للجمهور بصوت عالٍ: «يبدو أن كاين قد خسر. لقد فقد وعيه. إذا لم يستيقظ فأعلن يا ثروفين أن النزال قد حُسم لي.»
نظر ثروفين إلى الشاب الملقى على الأرض ثم رفع صوته:
«سأعدّ إلى العشرة. إن لم يستيقظ فالفوز لكيريوس.»
**واحد.**
**اثنان.**
**ثلاثة.**
في تلك اللحظة فكّر آدم: الناس مخادعون جداً. الذين كانوا يشجعونه قبل لحظة باتوا يشتمونه الآن حتى المعجبون. والشخص الذي كانوا يسخرون منه أصبحوا يمدحونه ويرفعون اسمه.
آه حسناً. هل هذا ما تعنيه القوة؟ أن تُغيّر كل شيء، حتى طريقة تفكير الناس ورأيهم في الشخص؟
ثم أوقف نفسه. يا أخي لا تفكر في هذا الآن. إذا بقيت مشغولاً بهذه المعاني الفلسفية سينزل السيف على رقبتك وينهي كل شيء.
**أربعة.**
**خمسة.**
بدأ آدم يضحك.
لم يعرف لماذا ولم يسأل نفسه لماذا حتى. فقط استمر واستمر. ربما من الوضع الساخن الذي يزداد سخرية مع مرور الوقت، أو من الجروح التي تغطي جسده، أو من شيء لا اسم له أصلاً. أيقن أن خسارته لا محالة وأنه صمد رغم ذلك حتى الآن، وهذا وحده دفعه للضحك مستهزئاً بكل شيء في هذه اللحظة. في هذه الأوقات يفعل الجسم أشياء لا يعرفها المنطق ولا يطلبها العقل. لكنها أحياناً تكون المخدر الوحيد المتاح.
**ستة.**
بدأ يتحرك هذا الجسد.
لم يكن قراراً تم اتخاذه، بدا كشخص آخر يحاول استدراك الوضع الذي هو فيه الآن.
نهض كاين.
ليس بسرعة. ليس بسهولة. لكنه مع كل هذه الجروح استمر في النهوض حتى مع الألم والكدمات والجروح والضغوطات، ولكن الأسوأ من ذلك هو:
الدم كان يتدفق من كل جانب على آثار الصدمة من رأسه إلى رجله، حتى شعره الأبيض يغطيه بعضه الدم، لكن مع ذلك لم يسقط ذلك الضوء، بل فقط جعل الجمهور ينظر إليه بتلهف لما سوف يحدث.
حين رفع رأسه كان وجهه قد تغير تماماً. لم يكن ذلك الشاب المبتسم الذي بدأ به اليوم. ولا الغاضب. ولا الحزين. كان بارداً فقط. وجه فارغ يحمل نظرة تحليلية لا تعرف الذعر ولا تعرف التردد، كأنه يرى المشهد من الخارج ويُعيد قراءة خطوطه بعيون لم تعد تحمل أي ضجيج داخلي. فقط ركز على الخصم أمامه وما يجب أن يحدث.
لم ينتظر كيريوس. بدأ فوراً في إطلاق الشظايا الجليدية نحو الشاب الواقف.
*أزيز. أزيز. أزيز.*
عشرة. عشرون. ثلاثون. تتجه كلها نحو نقطة واحدة.
مشى كاين نحوها. ببساطة مشى نحوها دون أن يتوقف أو يتردد.
*صليل.* الأولى انحرفت قليلاً قبل ارتطام الهجمة.
*صليل.* الثانية بدا يظهر عليه أثر التعب.
*صليل. صليل. صليل.*
لم يكن يتحرك بطريقة عشوائية. كان يتحرك بما تعلّمه جسده خلال الجولات الأربع الخاسرة من رصد إيقاع كيريوس وفهمه وتسجيله. المسافة الزمنية بين شظية وأخرى. الاتجاه الذي تميل إليه الدوائر حين تُطلق. نقطة الضعف في كل موجة. كان ببساطة أن حلّل كل حركة، فهم أسلوبه، بل تكيّف عليه كلياً لدرجة أن جعله جزءاً منه.
ضاعف كيريوس العدد.
أربعون شظية في وقت واحد، تتقاطع مساراتها، تغطي كل زاوية ممكنة، لا تترك فجوة واحدة.
لم يستطع كاين صدّها جميعاً هذه المرة. خدش عميق في الكتف الأيسر والأيمن. آخر في الفخذ. آخر في الساعد. الدماء أصبحت الآن تغطي كل شبر من جسده، لم تعد الآن هذه المعركة مجرد رهان بل تجاوزتها كلياً لتصبح حياةً أو موت.
اختفى كيريوس من مجال الرؤية المباشر. بحركة جانبية سريعة، ثم ظهر من خلف كاين مباشرةً، سيفه الجليدي موجّهاً نحو قلبه بلا تردد.
لم يُسعف كاين إلا ابتسامة ساخرة خافتة جداً. بدلاً من التصدي أو التراجع، أمسك بيده العارية بنصل السيف الجليدي نفسه.
*فرقعة* حين اخترق الجليد راحة يده. الدم ظهر فوراً ينزف بحرية. لكن القبضة لم ترتخِ ولو لثانية.
شدّ كاين السيف نحوه بكل قوته، فجذب كيريوس معه للأمام لمسافة قريبة. لكنه كان كافياً. وجّه سيفه بيده اليمنى نحو رقبة كيريوس بهجمة فوقية واضحة.
في اللحظة الأخيرة رسم كيريوس دائرة سحرية في الهواء أمامه مباشرةً. صليل حين اصطدم السيف بجدار الجليد المفاجئ. تبدّد الجدار. لكن الهجمة توقفت.
لم يتوقف كاين.
أدار رأسه وأصدم جبهته بجبهة كيريوس بكل ما بقي في جسده من قوة.
*طقطقة.*
سقط كيريوس على الأرض.
سحره قد نفد تماماً. قواه في أدنى مستوياتها. بدأ يزحف بصعوبة نحو سيفه الذي سقط بعيداً، خطوة بعد خطوة حتى وصل إليه أخيراً. وحين بدأت ملامح الارتياح المبكر تظهر على وجهه ويده تمتد نحو المقبض، لم يرَ إلا شاباً بشعر أبيض واقفاً بينه وبين سيفه بوجه فارغ ويدين لا ترتجفان.
انحنى كاين وأمسك بسيف كيريوس الجليدي. ثم غرسه في الأرض عند يده اليمنى.
صرخ كيريوس.
أمسك بسيفه الخاص به وغرسه في الأرض عند يده اليسرى.
صرخ كيريوس بأعلى من قبل.
ثم قال بصوت لم يكن يسمعه إلا الشخص الواقف أمامه:
«يا كاين، ارحمني، أنا أستسلم، سوف أقبل أي شيء، فقط اتركني، من فضلك، أترجاك.»
الدماء لم تتوقف والصرخات لم تصمت والمعاناة استمرت.
نظر كاين إلى الرجل الممدد أمامه بنظرة لم تحمل اكتراثاً ولا ذنباً ولا رحمة. ثم تكلم بصوت هادئ تماماً، الهدوء الذي يجعل الكلمات تصل بلا ضجيج وبلا حاجة لرفع الصوت:
«الرحمة كلمة جميلة جداً. لكن السؤال الحقيقي ليس هل سأرحمك، بل هل استحققت أصلاً أن يرحمك أحد.»
توقف لحظة ثم أوصل.
«حين هاجمتني من الخلف، هل فكّرت؟ لم تفكر إلا في النصر. لا في حياتي، لا في كرامتك، لا في شيء على الإطلاق. طويت كل شيء في شيء واحد فقط: الجشع.»
ضحكة خافتة. حاسمة لا سعادة فيها.
«الحقيقة أن نتيجة هذه المعركة حُسمت منذ اللحظة التي تحدثت فيها معي. كُتب عليك الخسارة. لأنك أصلاً لست ندّاً لي يا كيريوس.»
لكمة على وجهه. ثم أخرى. ثم أخرى.
لا توقف ولا تردد.
كيريوس الذي كان منذ دقائق قليلة يُطلق الشظايا ويُحرك الدوائر السحرية ويُسيطر على الساحة كلها، أصبح الآن لا يملك سوى أن يتلقى ما يأتيه. يداه مقيدتان بالسيفين المغروسين. سحره توقف. قواه انتهت تماماً.
«أرجوك...»
همسة مكسورة بالكاد تُسمع.
«أنا أستسلم. أعترف بخسارتي. أرجوك-»
لم يُكمله. وواصل.
حتى أُغمي على كيريوس وسقط جسده على الأرض بلا حراك ولا صوت.
سكوت تام.
الجمهور الذي كان يملأ الساحة بالهتافات والسخرية والمقارنات والآراء، أصبح الآن يتنفس فقط. ينظرون إلى الشاب ذي الشعر الأبيض الواقف في وسط الساحة، دماؤه تلوّن ملابسه وتتقطر على الأرض، جسده يرتجف بشكل طفيف لا يكاد يُرى، لكنه واقف.
قال ثروفين بنبرته المعتادة:
«المباراة السادسة. فوز كاين إيفانهارت. خمس نقاط: إفقاد الخصم وعيه، إسقاط سيفه، وإصابة نقاط حيوية متعددة.»
توقف لثانية كاملة.
«الفائز في النزال الكامل: كاين إيفانهارت.»
لم تستمر اللحظة طويلاً.
بمجرد انتهاء الكلمات شعر كاين بأن خيطاً، كل ذلك المجد وا
لقوة والخبرة، قد سُلب منه مجدداً وتركه منهاراً. رؤيته التي كانت واضحة بدأت تتلاشى في أطرافها ثم في المركز. خطواته التي كانت حازمة أصبحت متعثرة.
بدأ يسقط.
ثم أمسكه ثروفين من كتفه قبل أن تلمس ركبتاه الأرض. قاله بهدوء، بنبرة شخص يفكر في كل كلمة قبل أن يقولها:
«عمل جيد أيها القائد. أنت دائماً لا تُخيّب ظني بك.»
> ◈ **السمة الحصرية: ساعة العبقري**
>
> الحالة: **خاملة**
>
> النسبة الاكمال: **1%**