✧ ملاحظة المؤلف✧

هذه هي صورة لينا٫ وسوف احاول في الفصول الاخرى انوع بين الصور إن شاء الله٫ واتمنى ان تنال اعجابكم وهنالك صورة اخرى في نهاية الفصل.

الفصل السابع: أسوار القلعة

بعد مرور ساعة...

"هل وصلنا يا لينا؟"

لم تجب الفتاة، بل نظرت إلى الأفق وقالت ببرود:

"أوه، نعم يا كاين. لولا أنك نمت لكنا وصلنا قبل نصف ساعة. همهم."

واصلت الغزالة مسيرها نحو الأفق، لم تكن أسرع من الرياح التي كان يحشوها الثلج. بإلقاء نظرة على المحيط لم يجد إلا رياحاً ثلجية لا تتوقف، تخفي كل من حوله وتجعلك أعمى لا تستطيع رؤية أي شيء، بالأحرى حتى الشمس قد تبدو مثل القمر. لكن ما شدّني في هذه المنطقة التي تشبه على حد علمي القطب الشمالي هو الصوت.

في الحقيقة لم أكن أستمع إلى صوت واحد بل إلى عدة أصوات: أولها تساقط الثلج من الأشجار، وثانيها سرعة الغزالة، وثالثها صفير حاد يقطع أي شيء ويسبب بعض الإزعاج لي. كانت هذه معزوفة متناقضة من كل النواحي ومع ذلك مستمرة، أحياناً كنت أسمع أصواتاً لا أعرف مصدرها، ربما خشخشات أو عواء أو حتى ضرب.

في الحقيقة لم يكن الاستنتاج صعباً؛ كان بسيطاً بسبب مخلوقات هذا المكان.

وسط هذه المنطقة بدأ يظهر ضوء أسود، بدأ مثل بقعة صغيرة كريشة غراب تناثرت، كشيء رفعته الرياح من لا يدري أين، لكنه لم يختفِ. بل أخذ حجمه يكبر شيئاً فشيئاً، واللون الأسود بدأ يعطي ملامح بارزة، حتى صار مثل قلعة.

كانت هذه القلعة مصممة بطريقة بعثت فيّ شعوراً بالتفاجؤ والاستغراب، ربما لأنني لم أرَ قلعة في حياتي، ولكن مع ذلك أدركت أن هذه حقاً تحفة فنية. كثيفة البناء، كان طولها حوالي مئة إلى مئة وخمسة وثلاثين متراً. أضف إلى ذلك التصميم العبقري الذي قد يوحي بأنه حوّل تلك الحجارة إلى ظل مع إبراز بعض الجزئيات بلونها الرمادي.

كان هنالك جدار يشكّل أول خط دفاعي بشكل رخامي متناسق مع بعض النقوش القديمة، لتؤكد أن هذه القلعة تخطّت المئة عام. في الداخل قد ترى بعض الأضواء الخافتة في الأبراج بطريقة وكأنها مدينة صغيرة، ليست مجرد قلعة مصغّرة بل آلة دفاع أمام هذه المنطقة التي لا ترحم.

قلعةٌ ضخمة، حسنة البناء، عريقة بنقوشها وتصميمها، صامدة رغم العصور التي مضت عليها.

لم يُرَ إلا تفاجؤ الشاب، بشعره الابيض وعينيه البيضاويتين اللتين اتسعتا، وكأنه يرى هذا التصميم لأول مرة في حياته.

"هل... هل هذا هو يا لينا؟"

"آه، حسناً. لم أتوقع أبداً أن يكون بهذا الحجم. ربما أقرب تشبيه له بحجم مدينة كبيرة، لا، ربما أكثر. إنه حقاً يذكرني بالقصص والروايات التي كنت أقرأها عن الحصون والقلاع العريقة في القديم. هذا أول شيء خطر على بالي عندما نظرت إلى هذه القلعة."

"ما بك يا كاين؟ وكأن هذه أول مرة ترى فيها الحصن. تعرف أنه لم يطرأ عليه أي تغيير."

«تداركت الوضع وردّيت قائلاً:»

"أوه، لا، لا. الأمر فقط أنني..."

«كنت الان افكر بكذبة أقولها للخروج من هذا

الموقف. ماذا أقول؟ حسناً، فكّر يا آدم. أنا لا أُبرع حقاً في الكذب.»

"ماذا؟ ما الذي تعنيه؟"

"هو أنني لم أكن أُقدّر هذا المكان الذي كان يدافع عني في كل موقف، إلا عندما لاحقني الموت. فلا تُدرك قيمة الشيء إلا عندما تفقده. لهذا بدت عليّ بعض ملامح الاستغراب؛ لأنني أصلاً لم أتوقع أن أرجع إليه.

"

"حسناً، لا تحاول في المرة المقبلة صنع أكاذيب، لأنك حقاً تعتبر فيها كاين سيئاً. فقط قل لي إنك لا تريد الحديث، سوف أتقبلها. لا تضغط على نفسك في النهاية، فملامحك واضحة عندما تحاول الكذب، ومع ذلك..."

"آه... ربما لن أعرف حتى ما الذي تفكر فيه يا كاين. أفكارك غريبة بعض الشيء، لكنها دائماً تفاجئني. ولكن الآن يجب أن ندخل أولاً."

باقتراب الغزالة وهي تمشي، لاحظت عيناي جداراً ضخماً حجرياً لا ينتهي أبداً مهما حاولت العيون الناظرة أن ترى أعلاه، ربما كان هذا ناتجاً عن طول هذه القلعة. كان لونه مائلاً إلى الرمادي، وعليه بعض الخدوش التي تكاد لا تُرى.

في مقابله لم أرَ إلا رجلين، كانا مستندَين على سيفيهما بطريقة تبدو مثل العكاز، وغير مبالية للجو، بل ظهر عليهما بعض الكسل والتثاؤب في سلوكهما. على عكس مظهرهم الذي لم يُوحِ إلا بشخصين قادتهما خبرة طويلة؛ الكدمات على الوجهين، والدروع التي بقيت عليها بعض بقع الدم لا تزال شاهدة.

شعرهما أسود وعيناهما ذواتا لون داكن بعض الشيء، ويبدو أن سنّهما في حدود الثلاثين إلى الخامسة والثلاثين.

كان صوتاهما خشنَين بعض الشيء، ربما كان نتيجة لهذه الأجواء التي سبّبت تغيّراً في طريقة وصوت الكلام. ولكن تغيّر كل شيء عندما لاحظ الحارسان لينا ونزولها من الغزالة، بدأت تظهر بعض الابتسامات الخاطفة على وجوههم، حتى تكاسلهم الواضح بدأ يتغير إلى حزم.

«في الحقيقة فكّرت في تلك اللحظة أن هذه الفتاة التي معي تحتل مكانة عالية هنا، أما أنا فلا يحظى إلا باحترام بسيط.»

نزلت الفتاة من غزالتها بطريقة انسيابية وقالت:

"مرحباً أشر وإيدن، يبدو أنكما نشيطان اليوم أيضاً. قد حالفني الحظ في إيجاد الشيء الذي طلبتموه مني."

بدأ الشابان في إظهار ابتسامة مشرقة، تلتها كلمات بصوت يملؤه الفرح:

"أوه، حقاً؟ يبدو أن استكشافك اليوم كان جيداً يا لينا!"

"هههه، آه، نعم، على ما أعتقد."

رمت من يدها تفاحتين حمراوتين أنيقتين نحو الشخصين.

ابتسم الشابان برضا، ثم قالا:

"حسناً، أعدك يا لينا، عندما أستلم راتبي هذا الشهر، أول من أدعو إلى العشاء هي أنتِ.

ابتسمت الفتاة:

"حسناً، أتوقع أن تفي بوعدك هذه المرة، ليس كالعادة. إيدن أيضاً، وأشك في ذلك أصلاً."

بدأت الفتاة تتحدث قليلاً، لم أكن إلا شخصاً يراقب بصمت، ألاحظ كل حركة، وأفكر في كل شيء، وأربط كل الخيوط ببعضها.

في هذه الحالة استكشفت بعض الأشياء: أولها وأهمها، هذه الفتاة اسمها لينا. وثاني شيء، يبدو أن شهرتها واسعة بعض الشيء. وأهم شيء على الإطلاق، اسم هذا الجسد هو كاين.

لم أكن أستطيع أن أتكلم مع أش في هذه المواضيع بسبب أمر معين: لو تكلمت الآن لبدا الأمر غريباً، و فسيبدو انني احادث نفسي. فهو في النهاية الشبح، وهذا أيضاً سيجذب الكثير من الانتباه والعيون. ولا أحب ذلك، لا من الأسئلة، ولا حتى من إعطاء كذبة مناسبة لهذا الموقف. حسناً.

كنت متعمقاً في تحليلي، قطعني صوت الرجل قائلاً:

"كاين، ما بك يا أخي؟ اليوم تبدو صامتاً بعض الشيء. هل حدث لك شيء في رحلتك الماضية؟"

تفاجأت بعض الشيء وتكلمت بصوت هادئ:

"لا، لا يا أشر. أنا فقط أفكر قليلاً فيما يجب أن أفعله اليوم."

"أوه، هذا؟ هه."

ابتسم وقال:

"ربما تفكر في المشكلة التي فعلتها سيرا. هي دائماً ما تراهن كثيراً، أتوقع أنها ستجلب بعض الإزعاج بعد مراهنتها الأخيرة."

ابتسمت قليلاً:

"آه، نعم، أتوقع أنني أفكر في هذا. لقد حزرت جيداً يا أشر."

بدأت الفتاة الماثلة أمامي في الكلام مجدداً وقالت:

"حسناً، يكفي هذا هنا. أتوقع أن علينا الدخول إلى القلعة قبل أن نتأخر عن موعد الغداء."

بدأت في المشي نحو الباب، فلم يفعل الحارسان إلا الإيماء بوجه مشرق متمنّيَين لها يوماً جيداً. أما الباب الحجري عند الدخول فكان لا ينتهي أبداً مهما نظرت إلى أعلاه. بدأ الحارسان في دفعه فانفتح وكأنه ورقة، في الحقيقة لم أكن أعرف إذا كان ذلك من قوتهما أم أن الحجر لم يكن إلا زينة.

بينما كنت أتبعها، ربما لأنني لم أعرف أي شيء، حاولت فقط أن أتكيف مع هذا الوضع. وضعت الفتاة غزالتها في أول مكان مناسب وربطتها جيداً، ثم أكملنا الطريق.

بدأت أرى بعض الديكور من الرسومات إلى الأرائك إلى النافذة التي لا إرادياً بدأت أُحدّق فيها، ولدهشتي رأيت بعض الأطفال يلعبون رمية الثلج، كانت ضحكاتهم تُسمع من هنا وابتسامتهم عالية على وجوههم. في الحقيقة هذا جعلني أحس بشعور ارتياح وسكينة في قلبي، لا أعرف لماذا، وبدت على وجهي ابتسامة. وأيضاً أكّد لي أن في هذه القلعة أماكن كثيرة وكبيرة جداً.

وأخيراً بدأت الفتاة الواقفة أمامي في الصعود إلى الدرج، لم يكن طويلاً بعض الشيء، بل فقط كان يؤدي إلى الطابق الثاني. كان من الحجر الأبيض وواسعاً بعض الشيء، ولو نظرت إلى يمينك أو يسارك ستجد أضواء لتنير الطريق القصيرة نوعاً ما. كنت أُحدّق في كل جزئية لأنها كانت أول مرة أرى هذه التفاصيل والدقة والاهتمام بكل شيء.

لم تمضِ الكثير من الوقت إلا لأجد نفسي أمام باب خشبي، ربما لأنني كنت شارد الذهن كثيراً إما من التدقيق في المكان أو في التفكير في أفكاري. الباب كان بنّياً ضخماً، فوق المترين ربما ليصل إلى ثلاثة أمتار، وكان فيه بعض الطلاء مرسوم عليه بعض الأزهار ونقوش صغيرة مدبّبة.

كانت تفوح منه رائحة غريبة؛ أولها رائحة الخشب العتيق، والثانية رائحة الطعام الصادرة منه التي جعلتني أفكر في محاولة فتح الباب ناسياً حجمه. في الحقيقة لم يكن فيه مقبض أو شيء ليُفتح، وهذا ما جعلني تائهاً بعض الشيء. لكن الإجابة أتت على الفور، لم أرَ إلا الفتاة لينا الواقفة أمامي وهي تدفع هذا الباب بيديها الاثنتين، ليس بقوتها الكاملة بل أشبه بروتين تكرره كل يوم.

بدأ صرير...

صرير...

صرير...

يخرج من الباب، ثم لم أرَ إلا قاعة ضخمة وقفت أمامها مندهشاً، لم أستطع التقدم أو حتى التكلم، تائهاً لا أعرف أين أضع عيني.

أول ما شعرت به عندما دخلت إلى هذه القاعة رائحة الطعام والتوابل، من المتنوعة واللحم والطماطم، حتى الفلفل الحار بطريقة جعلت معدتي تقرقع. والشيء الثاني الذي لاحظته على الفور بعد هذا فهو درجة الحرارة المختلفة عن الجحيم خارج هنا، وأخيراً أحسست نفسي في البيت، لا في جحيم يحاول تجميدي في كل لحظة.

ولكن بعد أن اختفت هذه الأشياء الخارجية بدأت أركز في الأشياء الموجودة هنا؛ الطاولات الخشبية موزّعة في كل ركن مع مساحة جيدة للمشي، وكانت أغلبها مكتظة بالناس بمختلف الأعمار، صغار وكبار وفرسان. لم تكن المعزوفة جميلة أو مطربة للسمع بل كانت مجموعة من العشوائيات لتشكّل صوت الضجيج الذي لا ينتهي.

ومع ذلك عاد ذلك الشعور من جديد يسيطر على جسمي، عدم الارتياح، حتى في الأرض التي أعرفها. كأنني في سيول أعرف صاحب المتجر وماذا

سأشتري، ومع ذلك أشعر بالضيق وأحاول إنهاء الأمر والذهاب بأسرع وقت. أما الآن فلا أملك مهرباً واحداً، يجب تقبّل الوضع والتكيّف معه. ما هذا الذي لا أُبرع فيه أبداً؟ لا حل إلا الارتباك والضغط الشديد والشعور بأن جميع الأنظار تحوم حولك، لدرجة أن بعض العرق بدأ ينزل من خدّي.

«فيما كنت مصدوماً من دخول هذه القاعة ومتابعاً المشي خلف لينا، لم أجد نفسي إلا أتناول الطعام الذي كان عبارة عن شرائح لحم وبيضة وبعض الخضروات، مع عصير وخبز بالطبع.»

آه، آه... أوف، أوف... إنه ساخن جداً! يجب عليّ التريّث في الأكل. ولكن على الرغم من حرارته كان جيداً جداً، ذكّرني بالوجبات المنزلية التي كنت أُعدّها وحدي. وبالإضافة إلى ذلك ساعدني على أن أستمتع أخيراً مع كل هذه الرحلة الطويلة، كان هذا بمثابة جائزة تحصل عليها لمواصلة الطريق وإكمال مهمتك.

«وصل تفكيري إليّ قائلاً: حسناً، حسناً. إلى أين يجب أن أذهب الآن بحق السماء؟ بعد إنهاء الغداء. أريد فقط الذهاب إلى غرفتي والتفكير فيما يحصل هنا. وأيضاً في هذا المكان هنالك الكثير ممن يعرفون شكل هذا الجسم، أصدقاؤه، أعداؤه، حتى مشاكله. بمجرد أن تختار هذه الأفكار تجعلني أريد الإغماء على نفسي. آه، تكفيني مشاكلي وحدي، تخيّل فقط مشاكل هذا الجسد الحقيقي. أتمنى ألا يكون من أصحاب السمعة السيئة، أو شخصاً منبوذاً يريد قتله الجميع. ولكن مع ملاحظاتي القليلة يبدو أنه محبوب، على الأقل هذا ما يبدو عليه. حسناً، أتمنى ألا تكون النتائج سيئة.»

كنت ألاحظ أن الفتاة لينا تتحدث كثيراً إما مع الناس القادمين، أو مع إلقاء التحية بتعابير مبتسمة. وجهها بدأت أحدق فيه كثيراً مما جعلني أخجل من نفسي.

إلى أن سمعت صوتاً أخرجني من كومة التحليل الذي أنا فيه الآن.

"آه يا رفاق، أنتم هنا. لقد بحثت عنكم كثيراً."

لم أسمع إلا صوتاً من ورائي. ولم أستدر إلا لأرى شاباً بشعر أسود أنيق، تعلو وجهه بعض ملامح الجمال والأناقة، بعيون زرقاء توحي من النظرة الأولى أنها بحر لا ينتهي. بدا مبتسماً قليلاً وغامضاً من كل النواحي.

بدأت تتحدث الفتاة بصوت أفعمه الحيوية:

"أوه، يا ثروفين! قد أتيتنا. ما أتوقع أنك ستنهي مهمتك بهذه السرعة. ولكن أين كيدو؟ ألم تذهبا في المهمة نفسها؟"

جلس الشاب الواقف أمامنا ثم قال:

"آه، أمر بسيط جداً. أنا ذلك الغبي، أُصيب بجروح خطيرة. ما هو إلا الآن يتعالج. لقد أخبرته أن طلقاته لن تفيد شيئاً، لكنه عنيد جداً. لن أستمر في ذكره، إنه الآن يحظى بأفضل سرير خمس نجوم، وأفضل طعام، والاهتمام الذي يريده حقاً.

كما أحسده!"

«فيما كنت مصدوماً من دخول شخص إلى هذا المجلس، ومتعجباً من تصرفاته ونبرته، لم يكن لي إلا أن أُحلّل الكلام. كما قد يوحي اسمه، ثروفين كان يبدو بنبرة صوته شخصاً رزيناً، عقلانياً وغير مبالٍ لما يقوله، هذا ما أستطيع استنتاجه من هذه الكلمات القصيرة.»

"أوه، يا كاين! كيف كانت رحلتك؟ ألم تكن في مهمة إحضار الطعام على ما أتوقع؟ كان ذلك قبل

أسبوعين. هل وجدت شيئاً يستحق في هذه الرحلة؟ أداة؟ مجوهرات؟ تعرف؟"

«ارتبكت قليلاً، لم أعرف ماذا أرد. رحلة أسبوعين؟ ماذا يتكلم عنه هذا الشخص؟»

قاطعت الفتاة حديثه متوجهةً إليّ بهمس:

"الأمر أنها فقط كانت رحلة ليست جيدة، هذا ما يجب أن تعرفه يا ثروفين. أما الأشياء الأخرى فلا تحاول أن تعرف كل شيء، وأنت فقط، على الأقل اسأل عن حالته، صحته، أحواله."

ردّ الشاب قائلاً:

"بما أنه الآن على قيد الحياة فهذا يدل على أنه بخير. لماذا سأسأل عن شيء أعرفه بالضبط ولا يفيدني شيئاً؟ أما الأشياء الأخرى، فربما حصل على أداة قد تفيدني، أو أخبار قد تساعدني. تعرفين يا لينا أننا لسنا في أرض تسمح لنا بأن نسأل عن هذه الأشياء، وكأننا أمهات."

"ستبقى دائماً بهذه الوقاحة، لعنة عليك يا ثروفين! دائماً أنت الشخص الذي يحسب نفسه أعظم من المشاعر. شخص لم تقابله منذ أسبوعين، وأول ما تسأل عنه ماذا وجد، حتى بعد أن رأيت وجهه! في الحقيقة، لقد رأيت ناساً لا يُقدّرون المشاعر، لكنك تجاوزتهم كلهم."

بينما وصل الأخيران مجادلاتهما، الذي أنا أصلاً سبب كل هذا،

تمنيت الآن أن أسترخي، وأن أجعل هذا العقل يتوقف عن التفكير وأنام. أتوقع أنني نمت، نعم، ولكن أريد أن أُعيد وأُجرّبها، لأنه ليس هناك حقاً أفضل من أن ترمي بكل هموم الحياة للماضي، وتهرب إلى النوم وأنت في كامل تعبك. ليس هناك أسعد من تلك اللحظات.

أينما كنت على وشك إنهاء طعامي، تفاجأت من صراخ يدور قريباً:

"ابتعدوا! ابتعدوا جميعاً! ألم يتعبوا حقاً في ملاحقتي؟! تباً لأمواتكم أيها الحقراء!"

يجب أن أسرع أكثر.

بينما بدأت الفتاة تراوغ الحشود بارتباك، تصعد الطاولات ولا تلتفت بأي طريقة وتراوغ الأشخاص من ورائها، كان يظهر شعرها الأحمر الناصع الإبهار، تلك الأعين الحمراوتان التي كانت مثل أحد الجواهر الكريمة. كانت ملامح الناس على ما يبدو عليه أن هذا المشهد ليس جديداً بل اعتيادياً جداً، بل فقط ضحكات خفيفة. أما من ورائها فبدأ بعض الرجال يلاحقونها بسرعة تتزايد. لم يبدُ هؤلاء الرجال سارقين أو معتدين بل ناساً محترمين، على عكس طريقة هروبها الهجومية، كانوا مهذّبين بعض الشيء، لا يحاولون إثارة الذعر أو إبعاد الناس بالقوة. وجوههم توحي ببعض الانزعاج والغضب من الأزمة التي وقعوا فيها.

قالت الفتاة بنبرة تعلوها ملامح السعادة:

وأخيراً عثرت على كاين، متوجهةً نحو هدفها المنشود.

لم تستطع الابتسامة الخفية أن تُخفي ضحكتها الساخرة: "لقد فزت هذه المرة أيها الحمقى!"

متجهةً بكامل سرعتها، واقفةً قليلاً قبل الاصطدام. لكن لم يستمر هذا طويلاً، إذ رأت الرجال الذين كانوا وراءها يحاولون الإمساك بها. نظرت إلى هذا الأخير الذي لم يكن يعرف أي شيء، ثم قالت:

"أيها الأوغاد! إذا أردتم الحصول على ديونكم، فأنا من مجموعة كاين. من يريد ذلك فعليه أن يواجه قائدي أولاً. أوه، نسيت أنكم لا تجرؤون على فعل ذلك أيها المحتالون؟"

بدت على الشاب الواقف أمامها ملامح الصدمة والاستغراب من الكلام الذي تقوله، وكأنه أول مرة يسمعه. ولكن لم تتم تلك الكلمات الطويلة، بل بدأ يخرج من هذه الحاشية رجل وقال بصوت أجش:

"من فضلك يا كاين، أعطنا تلك الفتاة، لقد سرقت أموالنا. ولو فعلت هذا فقد يكون أعظم جميل، وأعدك أنني لن أنسى هذا المعروف أبداً. وسأعطيكَ خمس عملات ذهبية."

ردت الفتاة قائلةً:

"بملامح يعلوها ملامح الحزن توشك على البكاء: لا تصدقهم يا كاين! إنهم مجموعة من المحتالين، لقد غشوا. الآن يريدون أموالهم."

«إذن، ما هو ردك؟ على قولها وكلامي، ماذا سوف تختار؟»

«لم يمضِ الوقت طويلاً، الشاب الواقف أمامه...»

"وماذا لو قلت لا؟"

ردّت سريعاً:

"فلن يكون هناك إلا إجراء واحد: قتال. ومن يفوز سيُحدّد القواعد على الخاسر."

"قتال؟"

"نعم. قتال."

قبل لحظات من هذا الموقف...

كنت مشغولاً في تناول الطعام، لأرى فتاة تقترب مني بسرعة جنونية، تتخطى كل العقبات، تحاول أن تصل إليّ بأي طريقة. بشكل غريب كانت مألوفة لي، وكأنني كنت أعرفها في وقت ما. أينما كانت المسافة تتقلص بيننا، لم أجدها إلا وهي تُحييني ثم تتوسل إليّ بصوت لا يكذب:

"أرجوك، أرجوك، يا كاين! هذه المرة فقط. أعدك أن هذا لن يحصل مجدداً."

لم يتكلم إلا الشاب الذي كان يقف بجانبي:

"سيرا، ما هي المشاكل التي فعلتِها هذه المرة؟ لا تقولي إنك خسرت الرهان. لا تتوقعي أنك ستخدعينه بهذه الكلمات كل مرة. أليس كذلك يا أخي؟ لا تقل إنك ستساعدها مرة أخرى."

كان يتكلم ثروفين بصوت مسموع.

قالت الفتاة واقفةً ورائي الآن:

"يا ثروفين! أقسم أن هذه المرة لم تكن خطئي. لقد كانوا يغشون!"

وسط هذه الجلبة، لم أرَ إلا كومة من الرجال تتقدم أمامي، لبنيتهم العضلية وجسومهم التي بدت عليها بعض آثار الجروح، متجهين إليّ ومتوقفين قليلاً، ثم تكلموا:

"يا كاين، نعتذر على الإزعاج. ولكن من فضلك، نريد تلك الفتاة وراءك، هي تدين ببعض الأموال."

خرج أحد هؤلاء الرجال وكأنه كان قائدهم.

«في تلك الأحداث بدأت التفكير: ما الذي يجري هنا؟ ما الذي، كيف يحصل كل هذا؟ لِما كنت أكل بعض الطعام إلا لأجد نفسي محاصراً في مشكلة ليست لي أصلاً؟ تقف فتاة ورائي تطلب النجدة مني، تُلقّبني بقائد. يُضاف إليها أشخاص لا أعرفهم يحاولون أخذها لتسليم بعض الديون. وماذا يجب أن أفعل حقاً؟ حسناً، أفضل شيء في هذه الأوقات، الاستعانة بذلك الشخص. حتى لو قالوا إنني مجنون، من يهتم؟»

"أش، من فضلك أجبني هذه المرة فقط.

«في الحقيقة السبب في تكلمي الآن مع أش ليس أي فكرة عن الوضع أو الحل! فهو لشخص قد أعتبره الأكثر حكمةً في هذا العالم بأسره. أش،

كما قلت سابقاً، عدم تكلمي مع أش هو أنهم سيظنون أنني مجنون. ولكن مع كمية الهلع والأصوات، لن يلاحظ أحد أنني أتكلم مع نفسي أو حتى مع شبح، بل فقط سيظنون أنه كلام عابر. وهذا ما سمح لي أخيراً أن أُحاول.»

ردّ أش أخيراً مباشرةً من دون أي تمهيدات:

"أيها الوغد! هل تتوقع أنني حلّال المشاكل؟ في أي مشكلة تلاحقك أنا أجد حلاً معجزاً؟ أنا لست المارد الذي يُحقق الأماني في ثوانٍ! أضف إلى ذلك، هل عندما أتكلم معك تصبح مثل الشخص الأصم الذي لا يستطيع الرد، ثم الآن تأتي لتطلب مساعدتي؟ أوه يا آدم، ماذا يجب أن أفعل بك؟"

"سامحني يا أش. سأفعل أي شيء تقوله، إذا، إذا ساعدتني في هذا الموقف. أي شيء."

"حسناً، يعجبني هذا. ستناديني من الآن بـ'المعلم الموقر أش'. وأضف إليها، أي كلمات تسمعها مني تنفّذها من دون أي جدال. وعندما أقول لك شغّل ذلك المسلسل تُشغّله على الساعة ٨:٠٠ من دون أي كلام، لمدة ثلاثة أشهر."

"ماذا؟! ثلاثة أشهر؟!"

"أسبوع. أسبوع فقط."

"أيها الوغد! اعتبر أن صفقتنا قد أُلغيت. لا تأتِ لاحقاً تطلب السماح والنجدة كما كل مرة."

«لم يكن لي الخيار إلا أن أُوافق. ولكن ليس ثلاثة أشهر، أنا لست مجنوناً لكي أدع هذا الوغد يتحكم به لهذه المدة من الزمن. حسناً، لا، أن أنزعج من مناداته المعلم الموقر أش، هذا سيكون كثيراً جداً، وأعرف ذلك. وأضيف إلى كل ذلك أنه سيُشغّل ذلك المسلسل الغبيّ، مع التفكير فقط في قصته وأن أُشاهده، يجعلني أشعر بالغثيان. بعيداً عن كل هذا، أضف أن أي كلمة يقولها يجب أن أنفّذها، هذه شروط ليست عادية من الأساس. هذا اللعين يعرف حقاً كيف يستغل الفرص.»

"شهر فقط. سأُوافق على شهر.

لا، لا، لن أقبل بطبع.

حسناً، آخر عرض، إما تقبله وإما لا."

"شهر ونصف."

"حسناً، أنا أُوافق. لقد فزت. هذا هو المطلوب."

"إذن، ماذا يجب أن أفعل هنا في هذا الموقف؟"

"واجه وفز عليه. ماذا قلت؟ قلت: قاتل هذا الرجل وافوز عليه. هل هذه كلمات يصعب عليك فهمها؟"

"لا، لا! هذا مستحيل. أتوقع أنني لو قاتلته ربما سأجد نفسي هذه المرة حقاً ميتاً. ولكن لماذا تريدني أصلاً أن أُقاتله؟ يمكنني فقط تسليم هذه الفتاة وإبعاد المشاكل."

ردّ أش على الفور، يبدو أنه توقّع هذه الإجابة من قبل:

"آه، يبدو أنني يجب أن أُبسّط الموضوع عليك يا آدم لكي تفهم الورطة التي أنت فيها. أول شيء: كاين، لو ركّزت جيداً في الأجواء، إن هذا الشخص متميز هنا في الحصن. لو رأيت الرجال فقط عندما علموا أن هذه الفتاة تحت قيادتك، لم يجرؤ أحد منهم في مقاتلتك. أضف إلى ذلك أن تعابيرهم قد تغيرت حتى بدأ يظهر عليها بعض الخوف. هذا يدل على المكانة المرموقة لهذا الشخص. وتعرف ما يعني هذا؟ أنك لو خرّبت سمعة هذا الشخص فستكون في دائرة الشك، ولا يجب أن أشرح أكثر لأنك تعرف. أما الشيء الآخر فسيكون تدريباً جيداً لك؛ بما أنك انتقلت إلى عالم آخر لا تعرف فيه أي شيء، فسيكون لهذا القتال صقل لمهاراتك. على الأقل لن تموت، بل فقط ستخسر.

الشيء الأخير: أتوقع أنك ستُوافق على أي حال حتى لو لم أقل شيئاً. لأنك أنت يا آدم، تستطيع قول 'لا' أصلاً؟ أشك في ذلك، ولا سيما بهذا الوجه الذي لا يكاد يقول 'لا' في وجهه. بالطبع تستطيع تجاهل كل الكلمات التي قلتها وتتفادى هذا القتال. في النهاية، أنا لا أُجبرك. حتى لو قلت لا، فأنا لديّ خطط في المستقبل، أفضل لتجنب الشكوك. لذلك الأمر باختيارك يا آدم."

كانت كلمات أش صادقة في كل أجزائها التي ذكر، بطريقة تجرحني بعض الشيء. الجزئية الأولى التي قالها في الأمر حقاً ستلفت الأنظار. أما الجزئية الثانية التي لم تُعجبني بعض الشيء، ولكن كان محقاً، كل الأعداء، الموت، الوحش الذي كان يوشك على قتله لولا بعض الخطط. حسناً، ضع هذا كله في جانب وضع الجانب الآخر وحده.

هل يجب أن أُوافق؟ حتى "لا" لا أستطيع أن أقولها. بل مبادئي لا تستطيع أن تقولها. الأمر يعود لحياتي واعتقاداتي، ولن أستطيع حتى شرحها في هذا الوقت. ماذا يجب أن نفعل؟ هل أقاتل؟ لماذا؟ لماذا المشاكل تأتي دائماً إليّ مهما حاولت أن أبتعد عنها، تلاحقني فقط؟ أتمنى فقط ألا أموت.

«كنت على وشك قول 'لا'، ولكن تلك الفتاة، تعبيرها، منظرها لم يسمح لي أبداً.»

ثقل الأمل الذي كانت تعطيني إياه؟ هذا ما جعلني أنظر إلى توسلها. لم، في هذه اللحظات، من يتحكم في جسدي؟ كان قلبي، ربما حتى عقلي؟ لم يسمح لي في تلك اللحظة بالاختيار، بدا وكأنهم في معركة للقتال لتحديد من سوف يقرر هذا القرار. ولكن مع ذلك عرفت أنني اخترت بالفعل، لن أوافق على تسليمها أبداً. حسناً، لنتحمل ما سوف يأتي.

قلبي الذي بدأ يتصارع، أفكاري التي بدأت تتشابك، كل شيء من جسدي كان ينتظر الكلام الذي يجب أن أتحدث. بارتباك، ثم أقول بصوت يكاد لا يُسمع:

"لا. لن أُوافق."

"إذن، قتال. من يفوز يُحدّد القواعد."

"...حسناً. أنا أقبل."

فيما كنت أقول هذه الكلمات كانت مثل الندم الذي يلاحقني على الفور. ولكن بدأ ارتباك بسيط بصوت الجمهور:

"قتال! قتال! قتال! قتال! كاين يسحق! أرينا عرضاً ممتعاً! نحن ننتظر فوزك!"

يبدو أن شهرته واسعة حقاً في القلعة. لم تكن هذه الأصوات محفّزة لي، بل على العكس، زادت الحمل عليّ. لأنه لا يجب أن أُخيّب ظن هذا الجمهور. أضف إلى هذا أنني لا أحب أن أكون محطة آمال كل الناس، طفل وكبير وفارس، كل عيون القلعة

عليّ ومترقبة، وهذا زاد الضغط أكثر والتنفس بدأ يقل. ولكن مع ذلك بدأت أتنفس وأستعد.

نظرت إلى الشخص الواقف أمامي. ملامحه هادئة، لا يظهر عليها أي انزعاج أو خوف، وكأن فوزه قد حُسم قبل أن يحصل. أما أنا، بالكاد أستطيع الوقوف.

قلت بصوت منخفض:

"فلنفعلها يا أش... ونفوز في هذا القتال."

✧ ملاحظة المؤلف✧

هذه هي صورة ثروفين٫ اتمنى ان تنال اعجابكم.

2026/05/04 · 12 مشاهدة · 3661 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026