الفصل الحادي عشر : تحسين الحواس

في ساحة حجرية شاسعة، جدرانها رخامية داكنة والغبار يتناثر في زواياها، منقسم إلى أربع مناطق متباينة.

في القسم الأول، أول ما يخطف عينيك مساند السيوف الموزعة في كل ركن؛ ما إن تعبر العتبة تستقبلك طاولة طويلة تزخر بالأسلحة من سيوف ورماح وتعاويد. في قلب القاعة تنتصب دمى حديدية للتدريب تعمّق إتقانك لكل سلاح.

أما القسم الثاني فيختلف عن سابقه اختلافاً واضحاً إذ يحتضن كمية وفيرة من الأجهزة؛ اتجه يميناً تجد أثقالاً حديدية مرفقة بأجهزة البطن والركبة والصدر مرتبة بطريقة عشوائية. حين تطأ هذا الفضاء تفوح رائحة العرق الحادة التي تشبع الجو في كل الأقسام لكنها هنا أشد وطأة. في نهاية الغرفة تتدلى أكياس المصارعة التي لا يلجأ إليها المتدرب عادةً إلا ليُفرّغ ما ختم في صدره من غضب.

الغرفة الثالثة هي الأهدأ حضوراً، مهمتها صقل الدقة لا غير؛ حين تدخلها لن تعثر إلا على طلقات مبعثرة هنا وهناك. أحياناً قد تصادف من رُميت عليه كتلة جليدية أو نارية بسبب التشتت، وهذه الحوادث لا تكثر. في وسطها يتمركز المتدربون أمام أهداف الرماية يسعون لإصابتها وتطوير حدّتهم.

الغرفة الرابعة والأخيرة هي الأبسط تصميماً والأعمق جدية؛ أينما وقع بصرك لن ترى إلا حلبات يتواجه فيها الخصوم. يقصدها كثيرون لا لشغف التدريب بل لمشاهدة ما يجري من مواجهات ملحمية. وإحداها على وشك أن تُشعل الحلبة.

في ساحة التدريب يقف شخصان؛ من الجهة اليسرى شاب كيدو أسود الشعر قصير وعيناه داكنتان، في يده اليمنى مسدس خفيف. أما من الجهة المقابلة فيقف شخص على دائرة طباشيرية قطرها حوالي 5 امتار، شعره باللون الفضي يتناسب كلياً مع جسده، غير أنه يرتدي وشاحاً يغطي عينيه، لم يتبقَّ له إلا سمعه وحواسه. يواجهه ماسكاً بكلتا يديه سيفه الطويل مستعداً.

انا مستعد.

ثم رنّ صوت الحكم ليُعلن بداية هذا القتال.

صفير.

لم ينتظر كيدو، توجّه نحو خصمه بخطوات مستقيمة ثابتة، عيناه مثبّتتان على الهدف يحدد الثغرة التي سينهيه من خلالها بضربة واحدة. رغم سرعته تردد كيدو في رفع مسدسه فأطلق رصاصات نارية توجهت نحو الشاب كاين مستهدفاً الجهة اليسرى تحديداً في الكبد، ظناً منه أن لو استهدف ذلك المكان فسوف يزعزع ثبات خصمه، وبذلك يصل إلى فوز يستحقه.

الشخص الذي يقف في الجهة المقابلة لم يتزحزح ولو بوصة واحدة، ربما لأنه أعمى أو لم يأبه بالخطر، لكن ابتسامته التي تعلو وجهه أظهرت تصميماً على الفوز في هذه المرة.

مركّزاً على حواسه الأخرى.

أصوات تتدفق من كل اتجاه طلقات، رنين الحكم، أنفاس متقطعة، احتكاك أقدام بالأرض كلها تتكاثر عليه دون أن تُسعفه، بل تجعله في أعماقه يشعر كمن يغرق في بحر لا يعرف فيه السباحة. التوتر يسكنه. لو أصابته رصاصة واحدة انتهى به الأمر في المشفى كما في كل مرة. لكن ذلك الإحساس لم يكن إلا وقوداً يعزز حواسه لا عائقاً يشلّها.

شرع في تحريك سيفه المصنوع من أجود السبائك، مائلاً يساراً قبل ثوانٍ قليلة من التصادم جاعلاً الرصاصات تنحرف عن مساراتها.

رنين.

غير مصدوم واصل كيدو طريقه مقتربًا شيئاً فشيئاً من خصمه الذي بدأ يأخذ بعض الأكسجين بسبب المسافة الهائلة التي قطعها أو ربما يحتاج إلى تمرين قليل غير مهتم بذلك وصل مبتسماً بهدوء وكأنه وجد ما يريد.

شرع في إطلاق أربع رصاصات في آنٍ واحد، لم يكن اتجاهها أبداً واحداً؛ الطلقتان الأوليتان اتجهتا مباشرة نحو رأس كاين، أما الأخريتان فاتجهتا نحو قدميه، جاعلاً إياه غير قادر على تفاديها جميعاً.

ومن الجانب الآخر وقف الشاب هادئاً مدركاً أن لو أصابته طلقة واحدة فسوف يخسر، وفي أسوأ الأحوال لن يستطيع القتال مدة من الزمن.

استوعب بعض الأكسجين وركّز على الأصوات التي لم يكن يقرق منها أي شيء بل ركز على حاسة واحدة وهي السمع؛ الطلقات، الرنين، خشخشة المسارات كل هذه الأصوات لم تتسبب له في الضياع بل دلّته على موضع الخطر قبل ثوانٍ من وصول الرصاصة إلى رأسه. حرّك يديه بسيفه الطويل بحركة عمودية جاعلاً الطلقتين الأوليتين تنقسمان إلى نصفين،

انشطرت الرصاصتان كل نصف أكمل طريقه إلى نهاية الغرفة وسقط على الأرض عاجزاً عن الإكمال.

وفي الوقت ذاته رفع قدميه فوق خط هجوم الأخريتين.

وبمعجزة تكاد تكون مستحيلة استطاع تصديها جميعاً.

ليكن، ليكن صرّ كيدو على أسنانه متمتماً بعيداً في أعماق نفسه: كيف لا يستطيع صدّها وهو مقيّد بلا رؤية؟ حتى أنا لو كنت أستطيع الرؤية لما كان بمقدوري سدّها. أضف إلى ذلك المشكلة الكبرى أن الطلقات تستغرق ثوانٍ قليلة فقط لتصل إلى هدفها.

تبّاً! هل كاين يستطيع الرؤية فعلاً وهو معصوب العينين؟ مستحيل. تابعه أفكاره تعمّقت: حتى لو أطلق عشرين رصاصة دفعةً واحدة سيصدّها، الأمر مضيعة للذخيرة فحسب. أضف إلى ذلك أن سمعه يوازي سيفه في الخطورة. يجب التفكير في خطة يا كيدو.

لم ينتظر أكثر بل جاءته فكرة عابرة تجعل فوزه محتماً.

واصل الاندفاع نحو كاين وابتسامة تشقّ وجهه.

أطلق قنبلة ضوئية على وجه خصمه مباشرةً بعد التأكد من أنها ستنفجر قبل ثوانٍ من إدراكه ما يجري.

القنبلة الضوئية لن تُعمي من لا يبصر أصلاً، لكن كيدو لم يكن يفكر في ذلك بل فقط في تشتيت انتباهه؛ بما أنه يعتمد على حاسة السمع فإن الانفجار سيكون عالياً وهذا ما سيتسبب في تغطية خطواته والاقتراب منه بمسافة كافية ليضع المسدس على رأسه. وبذلك يفوز.

بينما سرّع كيدو أكثر فأكثر من الجهة اليسرى، مقدّراً أنه بما أنه رمى القنبلة من الجهة المعاكسة فلاإرادياً سيُحوّل كاين جسمه نحو تلك الجهة، وبذلك لن يتسنى له الوقت إلا ليجد فوهة المسدس على رأسه.

إلا لحظات قليلة وتثبت المعادلة.

لكن الشيء الوحيد الذي لم يتوقعه كيدو أن الشخص الذي أمامه توقف في تلك الحركة بالذات ليجد نصل السيف أمام رقبته قبل أن يصل هو إليه.

بينما كان الغبار يحجب المشهد من كل جانب وقف كيدو شامخاً وابتسامة على وجهه ثم أدرك. تحوّلت الابتسامة إلى صدمة صامتة. رقبته تنزّل قطرات دم خفية بينما يحاول استيعاب ما جرى، لا يجد أمامه إلا سيف كاين.

على النقيض من مظهره الهادئ كان كيدو من الداخل كقنبلة على حافة الانفجار. يدرك أن حركة طائشة واحدة ستكلفه رقبته. ماذا لو انزلق السيف؟ ماذا لو تحرك كاين؟ حتى لو أراد إنهاء الأمر فلن ينسى ما حدث لكيريوس. كل هذه الأفكار تتزاحم في رأسه لكن أذنيه لا تنتقيان إلا صوتاً واحداً أسكت كل شيء.

أعلن الحكم نهاية هذا القتال.

صفير.

لم يتمالك الاثنان أنفسهما بل هوى كلاهما مبتسمَين وانفجرا بضحكات عالية. نزع كاين أخيراً الوشاح الذي غطّى عينيه طوال تلك المدة فبرقت أخيراً عيناه القمريتان كاشفتين عن جماله. بدأ العرق يتساقط من جسديهما وهما يتكئان على ظهريهما منهكَين.

تقدّم الحكم نحوهما مبتسماً مانحاً كليهما قارورة ماء بارد منعشة، ثم لوّح لهما قبل مغادرته من قاعة التدريب بصوته الهادئ:

لا تتأخرا يا رفاق، الآن موعد الغداء في القلعة.

بعد انتهاء كلامه انصرف جاعلاً قاعة التدريب فارغة للاثنين.

قال كيدو بصوت منزعج بعض الشيء وهو يشرب قارورته:

يا كاين، بحق السماء، كيف تمكنت من تجنب كل تلك الرصاصات؟ حتى القنبلة الضوئية تجاوزتها وتمكنت من الفوز.

ردّ الشاب من جهته ضاحكاً وهو يسكب بقية القارورة على رأسه:

يا كيدو، أنت أفضل مني بمراحل. ثلاثة وستون مرة هذا الأسبوع فقط لأتمكن هذه المرة من التعادل معك. هل تسمي هذا فوزاً؟ أم كنت تتوقع أنني لن أقدر حتى على مجاراتك؟

الأمر ليس هكذا. لكي أكون أكثر دقة، كيف في أسبوع واحد؟ حسناً، الهجمات كانت نفسها لكنك مقيّد بعدم الرؤية داخل دائرة، أضف إلى ذلك عدم اقترابي منك. من اقترح عليك فكرة هذا التمرين أصلاً؟

ابتسم كاين ابتسامته وقال:

صديق. لأنه حين تفقد إحدى حواسك تصبح الأخريات أكثر فاعلية في القتال؛ حين تُلغي عنصراً مهماً من برنامج الأسبوع يصبّ العقل كلياً على ما تبقى والضغط يقلّ. هذا ما فعلته ألغيت حاسة وبذلك أصبح تركيزي منصبّاً كلياً على الحواس الأخرى. هذا فقط.

ضحك كيدو على كلامه ورد:

يبدو أن صديقك ذكي. حسناً، عندما تتاح لك الفرصة عرّفني عليه.

آه، ربما في المستقبل، لأنه لا يحب الظهور.

حسناً يا كاين، هيا بنا إلى مائدة الغداء. معدتي حقاً بدأت تقرقع ولن أستطيع الانتظار أكثر.

يمكنك الذهاب لأنني لست جائعاً أصلاً، أريد فقط الذهاب إلى غرفتي والنوم.

كما تشاء دائماً.

أبلغ سلامي لثروفين وسيرا ولينا.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ كيدو يمشي خارجاً من قاعة التدريب متجهاً بكل سرعته نحو قاعة الغداء.

ابتسم الشاب أخيراً وحيداً.

لقد مرّ شهر ونصف منذ قدومه إلى هذا العالم.

آه، كم يشتاق لمعرفة كم تحسّنت إحصائياته وقوته، كل هذا تقريباً بمساعدة التدريب المتواصل.

لم يستطع كاين إخفاء ابتسامته المتلهفة.

في الشهر ونصف الماضي لم يفتح نافذة نظامه إلا مرة واحدة وحتى حينها لم ينظر إلى الإحصائيات. كل ما كان يعنيه هو سماته وقدراته، وذلك وحده كان يكفيه. في نهاية المطاف لم يكن من طبعه الالتزام بشيء لوقت طويل وغرفته خير شاهد، تعكس شخصيته حتى في تكاسله في أبسط الأمور.

لكن الآن كان الأمر مختلفاً.

أسند ظهره إلى جدار الرخام وأغمض عينيه لثوانٍ ليس تعباً، بل ليستوعب ما مرّ. شهر ونصف من التدريب المتواصل. أول مرة في حياته يخلص لشيء بهذا الشكل.

وأول ما خطر له لم يكن التدريب ولا القتال كانت. تلك المحادثة التي سبقت كل هذا، مهما حاول دفعها أبت إلا أن تعود. تذكّر أشياء لم يكن ينبغي له معرفتها.

حاول الخروج من تلك

الأفكار.

أخذ نفساً وفتح عينيه.

وشم.

انبثقت نافذه الزرقاء الباهرة على الفور وللمرة الأولى كانت عيناه تتجهان نحو الإحصائيات.

2026/05/21 · 16 مشاهدة · 1424 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026