الفصل الثالث عشر: فاقد المصير (2)

«بدأت تعود به، الذاكرة إلى تلك المواجهة.»

فهم لماذا قطع ذلك السيف وزاد ، فهم ولماذا لم يكن يُحسّ بثقله، ولماذا كان يبدو كأنه مصنوع من أجود أنواع الحديد. كذلك وقوفه وعدم موته من ضربة واحدة لم يكن صدفة.

حسناً، لا أعرف ماذا أقول. هل أقول إن حظي جيد لأن لديّ أسلحة أسطورية؟ أم أقول إن حظي بالسالب؟ لا أعرف.

ولكن بعد ذلك جاءه خبر جعله يتساءل حقاً: من تكون عائلة كاين إيفانهارت؟ كان ذلك بعد يوم عادي تقريباً، وهو خارج من التدريب بزي عادي على خلاف العادة، إذ كان يرتدي في الغالب ذلك الزي الأنيق المعتاد. هذه المرة نزعه، وهذا ما أثار دهشة ثروفين في ذلك الوقت، إذ قال:

هل أنت مجنون؟ كيف تنزع سلاحاً أسطورياً يقارب العشر نجوم إلى إحدى عشرة؟ حقاً كلما أعرف أن لديك ذلك، أحسدك أكثر.

في الواقع، سبب تذكّره هذه الكلمات وهذه الذكرى هو أنها كانت الأكثر تأثيراً في ذلك الشهر. لا بل إنها جعلته يُكرّر كلمات ثروفين في تلك الليلة اثنتي عشرة مرة، ولم ينم إلا وهو مستغرق في التفكير فيها. قال آنذاك:

إحدى عشرة نجمة؟ ألا ترى أنك تُبالغ؟ إنه مجرد زي عادي.

بدأ وجه ثروفين المعتدل يكتسب ملامح الغضب واحمراراً خافتاً. وبصوت متكسّر قال:

تقول إن ملابس بمستوى إحدى عشرة نجمة عادية؟

أدار آدم ظهره بهدوء ثم قال:

إذا كانت بهذه القوة وبهذه المكانة، لماذا لم يسرقها أحد مني؟ أو حتى يُفكّر في ذلك؟ أو تقوم حرب عالمية من أجلها؟

تفاجأ ثروفين قليلاً ربما من سذاجة الشخص، أو من تعابيره التي توحي بصدق غريب لا يجعل طفلاً إلا ويتكلّم رغماً عنه. وبصوت هادئ بارد قال:

هناك الكثير من الظروف التي تجعل هذا السلاح لا يُفكّر فيه أحد، حتى لو كان سيد الهاوية بحد ذاته.

أول شيء: السلاح روحي، وليس روحياً عادياً. أحياناً قد تجد أن الأسلحة الروحية عندما يموت صاحبها يمكنك أخذها، لكن هذا السلاح صنعه أحد الملوك القدماء، لذلك أشك في ذلك أصلاً.

ثانياً: هذا السلاح، تعرف من صنعه أصلاً؟ وتعرف من كان يرتديه؟ أبوك، أيها الغبي. وتعرف مكانته جيداً عندما كان العقيد الحياة، الملك الذي قاتل الهاوية ملايين المرات. ولهذا أصبحت هذه الملابس شعاراً وأحد كنوز عائلة كاين إيفانهارت، لا يحق لأي كان أن يُفكّر فيها، وهذه معاهدة لجميع البشر بالطبع.

ثالثاً: هذا الدرع لن ينشط إلا لمن كان من سلالة إيفانهارت. بُعداً عن ذلك، لو افترضنا أن هناك مساراً يسمح لك بسرقة الأدوات، فلن تستطيع استخدامه إلا لو كنت من السلالة بحد ذاتها أو من العائلة. أما الشيء الأخير الذي أتوقع أنه يجعل التفكير به يقارب الجنون.

توقف ثروفين، ثم أضاف بنبرة أهدأ:

هو أنك لا تمتلك مساراً.

ماذا تعني يا ثروفين؟ كل كلامك القديم كان منطقياً، بل كان يدخل العقل. أما الآن، فما شأن عدم امتلاكي لمسار بأن هذا الدرع لا يريد أن يمتلكه أحد؟

نظر إليه ثروفين ثم قال بصوت خافت:

تعرف أن هذا السلاح لا يمكن أن يتفاعل إلا إذا كان الشخص يمتلك مساراً. فهو سلاح تكيّفي من الدرجة العليا كلما تطوّرت، كلما تطوّر. هذا يعني أنه عديم الفائدة كما نعرف يا كاين. وللأسف أنت لا تمتلك مساراً. ربما في النهاية لم يكن عيباً. مواصلا قائلا: لو كان لديك مسار، أتوقع أن موهبتك كانت ستبلغ السماوات. وقتها ربما حتى كان اسمك سيُذكر من بين السادة العباقرة. ولكن ربما هذا أيضاً أفضل، لكي لا تجعل السادة السماويين ينظرون إليك، أو المدن المقدسة، أو حتى المناطق الملعونة، فيحاولوا التلاعب وفق مصالحهم. حقاً كان سيكون مُزعجاً.

بعد كلمات ثروفين، لم يفعل الشاب إلا أن يظل صامتاً، ناظراً إلى الأرض وهو يمشي بجانب صديقه. فكّر في نفسه: يبدو أنني لم أعرف أي شيء عن هذا العالم. كلما أيقنت أنني عرفت، وجدت نفسي في دوامة من الأسئلة التي لا تنتهي. أفكّر في كلمات ثروفين وأكرّرها، ليس لأنني أحب التحليل والتدقيق، بل هذا العقل لا يتوقف مهما حاولت. أقسم أنني أحاول أن أجعله يتوقف، لكنه لا يستجيب لأوامر، بل يُكرّر فقط.

بعد ذلك تكلّم بصوت خافت:

يا ثروفين، أريد أن أسألك سؤالاً.

ما هو؟

ماذا لو كان هذا الدرع من رتبة ثلاث عشرة نجمة؟

توقف ثروفين، غير مبالٍ في البداية، ثم التفت إلى عينيه وقال:

لو كان هذا صحيحاً، حتى لو كنت أنت عديم المسار، أقسم لك أن العالم سيريد قتلك وأخذه حتى بأبشع الطرق. وأنا أعرف ما أقول.

ثم ابتسم وأضاف:

ههه، لا تتخيّل كثيراً يا كاين. فهذا من المستحيل، بل هذا من الأساطير. ثلاث عشرة نجمة؟ ربما لو كنا في الحقبة قبل ألف سنة كنت سأصدّق، نظراً لوجود أسياد كبار. ولكن الآن أشك أصلاً أنه كان موجوداً.

بعد مراجعة كل أحداث الشهر، قال آدم:

أتوقع أننا انتهينا يا أش. هذا يُفترض أن يكون آخر حدث على ما أتوقع.

نظر أش إلى الشاب ثم قال:

لا، لقد نسيت واحدة. أتتذكر ذلك الحادث الذي تكره تذكّره، عندما كنت على وشك الموت؟

اللعنة. لا أريد تذكّر ذلك، لا أريد حتى التفكير فيه. أريد فقط محوه من ذكرياتي كأنه لم يُخلق أصلاً. تباً، لماذا كنت غبياً جداً؟ لماذا فكّرت أصلاً في امتلاك تلك المعرفة؟

يا أش، هل تعرف كم أحاول نسيانه ولا يمحو نفسه من ذاكرتي؟ كأنه وُجد معي.

حسناً، ما رأيك أن نُراجع التدريب؟ ربما يُخفّف عنك هذا الضغط.

على الأقل هذا أفضل بمئة مرة من التفكير في ذلك.

بدأ آدم في الكلام مباشرة، محاولاً أن يجعل تلك الذاكرة تتلاشى:

أش، هذه المرة لقد سمحت لنفسي بالإستماع كل ملاحظاتك. ألا ترى أنني في أسبوع استطعت أن انتبه لجميع ملاحظاتك؟

هل تعتقد أن هذا جيد يا آدم؟ أعني ثلاثاً وستين مرة. ربما لو كنت أعمى كنت سأحترم هذا العدد، لكن كل ما كان يجب أن تفعله هو تنفيذ كلماتي انحنِ، ارفع سيفك بدرجة تسعين. تفعل، ولكنك لا تُكمل وبذلك تحاول أن تجعل الأمر تعجيزياً.

لماذا لا تحاول تعمية عينيك يا اش والوقوف في دائرة وأنت لا ترى أي شيء؟ هل تعرف ما هو أول شيء سيخطر في ذاكرتك آنذاك؟ الخوف. الخوف من الفراغ ٬ أين ستأتي الطلقة؟ هل يجب أن أثق؟ ماذا لو جاءتني طعنة من ورائي؟ كل هذه الأفكار تأتيك، ناهيك عن الأصوات التي تسمعها. هل تتوقع حقاً أن لديّ الحاسة العنكبوتية لأتوقع مكان الهجمة ولا أخاف منها؟

أنت من قالها، أنا لم أقلها.

لم تتغير٫ نبرة اش الهادئة بل فقط واصى الكلام قائلا:

كان هدف هذا التدريب أصلاً شيئان: الأول هو تعزيز حواسك. أما الثاني فهو افتراض أنك لو أصبحت أعمى فيجب أن تنقاد لأوامري، مثل ما حصل في قتالك ضد وحش الجليد٬ كنت أعمى تقريباً. هل فهمت؟

فأنت أصلاً لم تكن تستطيع هزيمة كيدو أبداً وأنت في هذه الحالة. بل ما كان ينبغي لك أن تثق بنفسك فقط.

أعرف يا آدم أنك تؤمن بي، ولكن عندما يكون الموت أمامك، حتى عائلتك لن تكون بآمان معها.

لأنه عندما يسيطر عليك الخوف، لن تستطيع التفرقة بين صديق أو عدو. بل فقط سوف تقاد إلى غرائزك في النجاة، كأنك حيوان بري

كفى هذا انا اقتنعت.

عادت نبرة أش أخيراً إلى البرود المعتاد، إلى تلك الرزانة. ثم قال:

هل تعرف ما الذي يجعل الإنسان يستمر؟

توقف آدم للحظة.

في الحقيقة يا أش... لا.

الطموح. لأن من دونه لا يوجد هدف. ومن دون هدف لا يوجد عزم. ومن دون عزم لا توجد مثابرة. ومن دون مثابرة... لا معنى لأي شيء.

صمت أش لحظة، ثم واصل:

وهذا ما يقودنا إلى أهم سؤال: ما هو طموحك أنت يا آدم؟

بدأ الشاب يفرك ذقنه، وعيناه نصف مغلقتان، يفكر، يتأمل في حل هذه الإجابة. فكر بخيارات كثيرة، ولكن كلها كانت: «هذا غبي، هذا أكثر غباء، هذا يبدو جيداً ولكن في النهاية سيء... ربما وجدتها.»

فتح عينيه على مصراعيهما، أصبحت باردة بعض الشيء، تحدقان في أش.

بدأ آدم يتكلم ٬ ليس بتلك النبرة الخجولة أو اللامبالاة بالخطر الذي يواجه ٬ هذه المرة كان تغير واضحاً، أعمق، أكثر حدة. كأنه أخيراً قرر النهوض باكتشاف الحقيقة، ليس فقط من أجل أش، بل من أجل نفسه.

هدفي يا أش هو النجاة لأطول فترة ممكنة.

بدأ يتنفس، ثم واصل كلامه:

الحقيقة هو أنني لست بطلاً. لا أستطيع أن أتخيل طموحاً خارقاً عن الواقع. أعني حتى الآن أنا بخير، لكن هناك فرق بين الوهم والحقيقة.

تنهد.

أنا لست من أولئك الذين يقولون: «سوف أدمر القدر»، «أصبحت حراً»، «أنا مختار». بل ببساطة، نحن البشر لسنا إلا شخصيات ثانوية. لا يهتم بنا أحد ٬ سواء بقينا أو فنينا. هل أنت البطل؟ لا. بل فقط محرك يدفع هذه القصة إلى العمل. وها أنا، وهذا ما أنا عليه: مجرد من يكمل هذه الرسمة.

هز رأسه متابعاً:

٬ ولو قلت طموحاً عظيماً... ماذا أمتلك حقاً لتحقيقه؟ معرفة؟ لا أعتقد ذلك. خبرة سنوات؟ أشك في ذلك. أن يحبني القدر فيجعلني المختار؟

بضحكة قصيرة ساخرة:

٬ ليس لدي أي من هذا. الشيء الوحيد الذي أمتلكه هو معرفة لا ينبغي أن أمتلكها أصلاً. المعرفة تمكنني من أن أميز بين الوهم والواقع.

لم يتكلم أش. بل فقط صمت مما سمعه من الشاب. كان يريد أن يرد، لكن في أعماقه أدرك أن كل كلمة قالها ليست إلا حقيقة هذا العالم القاسي، الذي لسنا فيه إلا خيوطاً يتم تسييرها.

توقف الآن عن الكلام، هناك شخص يتجه نحونا.

صمت آدم للحظة. كان على وشك أن يواصل الحديث، إلى أن لمح ظلاً قادماً أمامه من بعيد.

نظر إلى الأفق، فلم يجد إلا جندياً يجري بكل قوته، متصبباً العرق من كل ناحية من جسده، يتنفس بصعوبة، يكاد يكون على وشك السقوط في كل خطوة يخطوها

توقّع في البداية أنه ذاهب إلى إحدى الكتائب أو إلى الغداء، ولكن تلاشت كل تلك الخيالات بمجرد أن نطق الجندي باسمه:

أيها القائد كاين إيفانهارت، لو سمحت، هل يمكنك الذهاب معي؟ القائدة سرينا تريدك، هناك مهمة يجب أن تُنفّذها. نحتاجك الآن.

كان شعر الجندي أسود وعيناه بنيتان خافتتان لا يكترث لوجهه، ووجهه عادي لو رأيته في أي مكان آخر. لكن ما عليه من آثار الحرب جعله شيئاً مختلفاً تماماً المعدن الفضي الصلب الذي يغطي جسده كاملاً كان يحمل بقعاً ودماءً لا تختفي مهما حاولت، كأنها تأبى النسيان وتُذكّر صاحبها بكل ما مرّ به.

بدأت الدقات تُسمع كطبل حرب لا يتوقف، بل يزداد من أعماق آدم. بدأت الأفكار تتشكّل كخيوط تلتف حول عنقه هل فعلت شيئاً خاطئاً في هذا الشهر والنصف؟ هل اكتشفوا أنني لست كاين إيفانهارت؟ ماذا أفعل، أتبع أم أرفض؟ لماذا خطواتي الآن ثقيلة هكذا؟ أصبح هذا الجسد كتلة صدئة تأبى الحراك إلا بصعوبة.

من الخارج كان وجهه عادياً، فمه مغلق بإحكام، وعيناه القمريتان ناظرتان إلى الجندي بإيماءة هادئة لا

توحي أبداً بأي توتر. أما من الداخل فقلبه كان يتسارع وأفكاره لا تتوقف. ومع ذلك لم يسعه إلا اتباع الجندي، طالباً ألا تكون إحدى هذه الأفكار صحيحة.

2026/05/23 · 9 مشاهدة · 1650 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026