الفصل الرابع عشر: مهمة الموت

طقطقة... طقطقة... طقطقة.

صرير... صرير.

انحنى الجندي أمام الفتاة دون أن يُفوه بكلمة واحدة.

مرحباً أيتها القائدة سيرينا، لقد أحضرت كاين كما طلبت.

أومأت إليه بالمغادرة فلم يُمانع، ألقى نظرة أخيرة على الواقف أمامه ثم أدار ظهره وأغلق الباب خلفه.

كانت القاعة المركزية تضجّ بمجموعة هائلة من الحواسيب التي التفت إليها الشاب بذهول. وأكثر ما شدّ انتباهه أن لكل جهاز عضواً مختصاً يجلس أمام شاشة ضخمة تعرض المحيط الخارجي للحصن؛ الثلج، التهديدات، أي إنذار قد يطرأ على المكان. فهم الآن أين كانت تنطلق التحذيرات وكيف تعمل الجدران الدفاعية، وكان هذا أكثر ما جذبه في تلك اللحظة.

وفي مقدمة كل هذا كانت تقف فتاة.

شعرها أسود كالفحم يسقط بهدوء على كتفيها، وعيناها المشتعلتان بنيران حمراء تُحدّقان فيه بتمعّن كأنهما تقرآن ما وراء الوجه. ملابسها العسكرية الزرقاء مكتظّة بشارات متباينة الألوان تُغطي كل جزء منها، أما كتفاها فتعلوهما حشوات حمراء مطرّزة بدقة خُصّصت لمكانتها تحديداً. مظهرها كله يوحي بأنها لا تقف هنا صدفة.

بدأت تتفحّصه.

ومن الخارج لم يُبدِ الشاب أي اضطراب؛ وجهه محايد، فمه مُغلق بإحكام، عيناه القمريتان تنظران إليها بثبات. لكن من حين لآخر حين تلتقي أعينهما كان يُحوّل بصره بخفة وكأنه يتحاشى شيئاً لا يريد الاعتراف به.

ابتسمت سيرينا من الداخل.

أي قناع يرتديه هذا الشخص.

لم تكن من النوع الذي يُخدع بالمظاهر. كل هذا الهدوء المصطنع وكل هذا الصمت المحكم لم يكن يعني القوة، بل كان يعني عكسها تماماً؛ كلما بدا الشخص أكثر برودة أمامها أدركت أنه من الداخل على وشك الانهيار. وهذا بالضبط ما كان يجري خلف تلك العينين الهادئتين.

وهذا ما كان يجري فعلاً.

أشكر القدر حقاً أنها لم تكتشف أمري، ولم تُعاقبني على تصرفات كاين الأخيرة... وتلك المعركة مع كيريوس. توقعت أن تُثير هذا الموضوع لكنها تصرّفت كأنها لم تعلم أصلاً. ربما هذا يدعو للارتياح قليلاً.

لكنني تمنيت لو أنهت الأمر هنا. ولا تجعلني اغادر من هذا مكان لان في اخر مره خرجت فيها من الحصن كنت على حافة الموت. والقدر ليس ساذجاً لدرجة أنه يُبقيني محمياً في كل مرة.

يمكنك الجلوس يا سيد كاين، ثمة أمر أريد مناقشته معك.

أشارت بيدها نحو الكرسي أمام الطاولة الحديدية.

ردّ الشاب متلعثماً قليلاً:

نعم.

أزاح الكرسي إلى الخلف برفق ثم جلس. لم ينطق بشيء، فقط أرسل بصره نحوها وانتظر.

أسندت سيرينا يديها على الطاولة وتكلّمت بنبرة هادئة لا تخلو من ثقل:

كاين، كما تعلم، قبل أسبوعين أوفدنا فرقة لاستلام مجموعة من البضائع والمؤن. غير أنهم تأخروا ثلاثة أيام عن الموعد المحدد. والأمر الأكثر إثارةً للقلق أن جهاز التتبع يُشير إلى أنهم لم ينتقلوا من موضعهم منذ تلك المدة. لذلك ستتولى انت وكيدو و ثروفين هذه المهمة.

لم تزرع تلك الكلمات أي تغيير على ملامح الشاب من الخارج، على النقيض تماماً مما كان يجري في داخله الذي كان يوشك على الانفجار.

بحقك... إذا لم يكن هناك أي شخص حي ومن دون أي تفكير فهذا يعني أنهم ماتوا. هل تُخبرني أنهم يشربون الشاي ويتناولون العشاء في تلك المنطقة منذ ثلاثة أيام؟ يا للسخرية. كنت أسخر من المأزق الذي وجدت نفسي فيه. في الحقيقة لن أُسمّيها مهمة استكشافية بل مهمة انتحارية. ربما حتى صلواتي لم تجدِ نفعاً في هذه الأزمة. الحظ لن يُحالفني كل مرة.

في الحقيقة بدأت أتساءل لماذا أرسلتني أنا من بين الجميع. واضح أن ثلاثة أيام في المكان ذاته لا تعني شيئاً جيداً. أضف إلى ذلك أن الفرقة الأصلية كانت على الأرجح مؤلفة من خمسة أفراد أو عشرة، ولا أعرف على وجه الدقة، لكن ما أعرفه أنهم كانوا محترفين. والآن تُخبرني أنا وكيدو وثروفين أن نتحرك في مهمة تقارب الانتحار؟

تباً. كان ينتابني شعور أن أنطق بكل هذا بصوت عالٍ، لكنني كنت متيقناً أن رقبتي ستُقطع في ذات اللحظة.

دون أي مقدمة مدّت سيرينا يدها نحو شيء لم يكن يراه، ثم أطلقته بسرعة مباشرة نحو وجهه.

لم يُفكر آدم. تحرّك جسده وحده كأن غريزة مدفونة استيقظت فجأة من عمق التدريب الذي خاضه، وحين عاد إلى نفسه وجد يده اليمنى تُمسك بشيء دائري معدني بارد.

نظر إليه.

بوصلة ذهبية أنيقة تتلألأ ببريق خافت، إبرها الأربع ثابتة لا تتردد؛ الشمال بالأحمر، والجنوب بالأخضر، والشرق بالأزرق، والغرب بالأسود. ألوان متباينة تجتمع في تناسق يشدّ العين ويجعلك تُحدّق فيها أطول مما ينبغي. شيء ما في علبتها الذهبية اللامعة وفي تلك الإبر الأربع المتجهة بثقة نحو الجهات يجعلها تبدو أقرب إلى قطعة أسطورية منها إلى أداة.

أحكم قبضته عليها وأودعها جيبه، ثم أعاد نظره إلى سيرينا.

هذه البوصلة ستدلّك على موقع توقف العربات. الرحلة ستستغرق يومين إن لم تستعملوا الأحصنة. أنت وكيدو وثروفين ستتحركون في مهمة استكشافية؛ تحققوا مما جرى للفرقة وعودوا بالأدوات والمؤن فهي بالغة الأهمية لهذا الحصن.

رفعت بصرها إليه للحظة ثم أردفت:

من دونها ربما تداهمنا المجاعة... فضلاً عن مشاكل داخلية لا نريدها بالطبع.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة لا تكاد تُرى ثم واصلت:

أتمنى لك حظاً موفقاً. كما تعلم، الوحوش تتربص بنا في كل مكان. خذ الأدوات المناسبة قبل أن تذهب. أنا أمنحك التصريح بذلك.

تنهدت قليلاً، ثم أكملت:

لكن... إياك أن تدع كيدو يدخل معك هذه المرة.

توقفت للحظة، ثم استأنفت بنبرة أخفض:

ففي آخر مرة فعل فيها ذلك... كانت الأمور على وشك الانهيار. كادت أن تلعن الجميع. تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة.

هزت رأسها بتذمر خفيف:

لكنه جعل كل المؤونة فارغة لمدة ثلاثة أسابيع. فقط لأنه أراد أن يجرب إحدى أفكاره المجنونة.

صمت قصير ملأته أصوات الحواسيب المتواصلة.

في الحقيقة كانت تعتمل في داخلي أسئلة كثيرة لا تنتهي. لماذا أنا تحديداً؟ ماذا حدث للفرقة؟ لكن لم تكن لدي الجرأة على طرحها، أو ربما أدركت أنها لن تُجيب بما أريد. وبدلاً من ذلك خطر لي سؤال عابر ربما بدا ساذجاً، لكنني أحببت أن أكون هكذا دائماً؛ ليس الشخص الذكي الذي يتظاهر، بل الشخص الذي يفهم كل شيء ويتظاهر بأنه لا يفهم.

رفع الشاب رأسه وتكلّم بصوت منخفض:

هل يمكنني طرح سؤال أيتها القائدة؟

ردّت على الفور وكأنها كانت تنتظر:

بالطبع يا سيد كاين.

هل المهمة اليوم أم غداً؟

رمشت سيرينا مرة واحدة. شيء ما في هذا السؤال لم يكن في حسبانها، لكنها أجابت بالهدوء ذاته:

غداً. بالطبع.

يمكنك المغادرة الآن.

نهض الشاب دون كلمة. دفع الكرسي إلى الخلف برفق وانطلق نحو الباب بخطوات ثابتة. أدار المقبض وخرج، أغلق الباب خلفه بنعومة.

ثم قال بصوت لا يكاد يُسمع:

وداعاً.

بينما كنت على وشك إغلاق الباب خطر لي إحساس لا أعرف كيف أُسمّيه. التفتُّ للحظة نحو وجه القائدة سيرينا، كان بارداً كما اعتدت لا يُعطي أي ثغرة لاكتشاف ما في داخلها. لكن عينيها كانتا تقولان شيئاً مختلفاً.

لا بل لم يكن كلاماً، كان إحساساً. ولكي أكون أكثر صدقاً مع نفسي، أحسست أن تلك المهمة ليست مهمة عادية بالنسبة لها. كأنها كانت تُودّعني بطريقتها الخاصة، كأن البوصلة التي أعطتني إياها كانت هديةً لا أمراً، شيء يُشبه جائزة التقاعد.

ربما كان شعوراً خاطئاً.

لكن في قناعة نفسي كنت متيقناً أنه ولو بجزء بالمئة ربما كان صحيحاً.

بعد أن ابتلع الممر خطواته، تكلّم الجندي الواقف في الزاوية:

أيتها القائدة، هل أنتِ متأكدة من إرسال القائد كاين وكيدو وثروفين وحدهم؟ كما تعلمين، من الواضح أنهم جميعاً قضوا في تلك العربات. أنا لا أُشكّك في قدرات كاين، لكن الأمر يبدو مجازفة كبيرة.

أدارت إليه نظرتها الباردة المعتادة.

ربما معك حق. لكن حتى لو أرسلته إلى الجحيم فهو دائماً ما كان ينجو. منذ أول لقاء به في هذا الحصن، وكان لا يتجاوز العاشرة من عمره، استطاع أن يسلك طرقاً لا يجرؤ عليها غيره. كل مهمة مستحيلة أُوكلت إليه نجح فيها وحقق ما لم يكن ممكناً، حتى ترقّى إلى ما هو عليه الآن. وحتى دون امتلاكه مساراً أثبت أن مهاراته تفوق كثيرين ممن هم أعلى منه.

توقفت لحظة ثم أضافت بنبرة لا تتغير:

لذلك لا تقلق. الأمر سيكون كما اعتدنا.

صمت الجندي قليلاً ثم تكلّم بتردد:

إذن لماذا اخترتِه تحديداً يا أيتها القائدة؟ هناك من هو أكثر خبرة، بل يمكنك إرسال عدد أكبر.

نظرت إليه بنظرتها الباردة المعتادة ثم قالت ببساطة:

لأنني أريده أن يذهب ولا يعود إلى هذا الحصن أبداً.

توقّف الجندي.

في البداية حملت الكلمات معنى واحداً مباشراً واضحاً. لكن كلما أعاد تأملها وجد أن سيرينا لم تكن يوماً بتلك السطحية. شيء ما في اختيار ألفاظها وطريقة نطقها جعله يُراجع فهمه مرة بعد أخرى.

ربما لا تريد موته.

ربما تريد شيئاً مختلفاً تماماً.

وكلما تعمّق في الأمر بدأت تتشكّل أمامه صورة أخرى؛ الحمولة التي يجب استعادتها، والأشخاص الثلاثة الذين اختارتهم، لم يكن شيء من هذا صدفة. وتدريجياً بدأ يفهم مقصد القائدة من تلك الإجابة.

حدّق في وجهها الثابت ولم يجد جواباً صريحاً، لكنه وجد شيئاً لم يتوقعه: احتراماً هادئاً لامرأة تصنع قراراتها وحدها وتحمل أسبابها وحدها.

أومأ برأسه ولم يُضف شيئا.

2026/05/24 · 10 مشاهدة · 1342 كلمة
Kayn
نادي الروايات - 2026