✧ ملاحظة المؤلف ✧
قد تلاحظون أنني أعدت نشر الفصل بنسخة 1.5، وذلك بسبب الأخطاء و الجزئيات التي لم أوضحها بقدر الكفاية.
هذا بالطبع كان خطأي، وأنا أتحمل مسؤوليته بالكامل.
السبب في إعادة رفعه هو أنني لم أعد أستطيع تعديل الفصل الأول بعد الآن، كما تعرفون؛ فبعد مرور 15 يومًا يُغلق خيار التعديل نهائيًا.
بالطبع، هذه ليست النسخة المثالية، ولكنها على الأقل تؤدي الغرض المطلوب. أعلم أن هناك الكثير من الجزئيات التي قد تُربككم أو تجعلكم تائهين، وربما في المستقبل سأعدلها أكثر، لكنني الآن سأركز على النشر أولًا.
وبالطبع، أشكر من كل قلبي كل القراء، وكل شخص كتب تعليقًا حتى الآن.
(وإلى الأشخاص الذين لم يفهموا جزئية معينة: اكتبوا مشكلتكم في التعليقات، وسأشرح لكم بقدر الإمكان).
الفصل 1.5 : قصص عائد (مزيف)
ما هو معنى الحياة؟ قد يمر الناس مروراً كراماً على هذا السؤال، وقد تكون إجاباتهم مختلفة على حسب الظروف التي عاشوها. وأنا أيضاً كنت أظن هذا، في العودة الأولى كنت أتوقع أن المعنى من كل هذا هو أنها قصة، قصة ننسجها ونكتب بدايتها ونهايتها بأنفسنا. كم كنت غبياً وقتها. حسناً، لا تلوموني، كنت في العودة الأولى.
الآن، بعد 1763 عودة، عرفت الحقيقة. بعد تجارب لا تُعد ولا تُحصى، بعد حزن رأيت فيه جميع وجهات النظر، عبد، ملك، حاكم، أدركت أنها ليست إلا مسرحية هزلية كتبها مؤلف سادي. نحن لسنا إلا قطع شطرنج يتم التحكم بها وفق إرادة القدر. تخيّل، يتم تحديد مصيرك قبل أن تولد. حتى الموت، الصداقة، الخيانة، كل شيء مكتوب.
وإذا سألتموني ماذا سوف أخبركم بعد هذا، أنا لست هنا لتكرار كلمات قد سمعتموها لدرجة ما الفائدة من سماع كلام قد سمعتموه 1000 مرة. أنا هنا لتغيير نظرتكم عن هذه الحياة وأكشف لكم عن الحقيقة التي أخفاها القدر. ولنبدأ بأول شيء وهي
المثابرة
الجائزة التي يحصل عليها أي بطل، مهما كان شريراً، مختاراً، عائداً، في النهاية كل هذا الجهد يجدي ثماره.
هراء.
أنا لم أعد حتى أستطيع حصر عدد خساراتي، ولكن مع ذلك لم أفز في أي واحدة منها. ولم يعد عددهم مهماً حقاً.
وما قد تعتقدون أنني لم أثابر، لم أجتهد، لم أمزق نفسي، يا لكم من جاهلين.
أنا، ولا أبالغ، أكثر شخص ثابر. في كل عودة ما يقارب المئة محاولة، هذا فقط في عودة واحدة، ناهيك عن 1763. رأيت الموت، خسرت بكيت٬ ومشيت، وواصلت. مرات لا تحصى
الأمر فقط أنها لعبة تلعب بها الحكام. الذين كُتب عليهم النجاح كُتب، والذين كُتب عليهم الفشل كُتب، أما أنا فلم يُكتب لي شيء، بل وقفوا يتفرجون. هذه المعاناة لم أكتفِ بالنظر إليها، بل قطعت قدري، قطعتها لدرجة أنه لم يعد لأي شخص أن يرى مساري أو يتنبأ به. ومع كل هذا لم يعد الأمر يغضبني حتى، لكن التفكير في النفس القديمة قد يُعيد الذكريات التي لا تريد أن تُذكر.
✧ ✧ ✧
وبما أنكم لا تزالون عالقين في هذا السراب، ليس لأنكم لا تعرفون، بل لأنكم لا تستطيعون تقبّل الحقيقة أن جميع جهودكم ليس لها معنى، بل فقط وميض خافت يمر ثم يذهب، فأنا أعطيكم مثالاً من الواقع. هل فكرتم يوماً في المتسول الذي في الشارع؟ هل تعب؟ هل سعى لقوت يومه؟ هل حاول تغيير ظروفه؟ بالطبع فعل، أكثر مما تتخيلون. فماذا كانت النتيجة؟ الموت. حاول مرات لا تُعد، ومع ذلك خدعته المثابرة، أنهكته وأعطته أملاً كان يجري خلفه كالأعمى الذي يحاول استعادة بصره.
لكنكم مع ذلك ستبقون متحججين بأن الذين وصلوا إلى أعلى مراتب هذا العالم من النفوذ كانوا قبل ذلك في قاع المجتمع، ومع ذلك شقوا طريقهم حتى وصلوا إلى القمة. يا لكم من حمقى، لا ترون إلا الصورة غير المكتملة. هم فقط لوحة إعلانية صنعها القدر لكي يُبقيكم في حلقة لا تنتهي من المحاولة، وتسمون هذا فضيلة يجب أن يتصف بها أي إنسان عاقل.
لكن لا تظنوا أنني اكتسبت هذا من خسارة واحدة أو خسارتين، بل بعدد لا يُحصى من التجارب، بفهم جوهر الإنسانية، وفهم العالم وميكانيكيته، وبالطبع بقطع القدر.
ومع كل هذا، لم يكافئني القدر بشيء. كل هذا الجهد، كل هذا التعب، منحني شيئاً واحداً فقط.
أملاً زائفاً.
✧ ✧ ✧
ثم هناك عبثية أخرى سمعتها كثيراً، لدرجة تصورت أن هذا الكون ليس إلا حفنة من الحمقى ادعوا أنفسهم كائنات سماوية، والأغبى من ذلك أنهم يصدقون هذه العبثية وكأنها جزء لا يتجزأ من حياتهم.
الغاية تبرر الوسيلة
هل أعجبتكم مبرراتكم أيها الساذج الذي يستمع إلى هذه الكلمات؟ إذن استمع جيداً.
كم من إنسان سمعته يقولها، كم من شرير قبل أن يموت تفوّه بهذا الهراء.
أنا لست الشخص الذي يبرر أفعاله، لأن التبرير اعتراف ضمني بالذنب، وهذا هو أكبر خطأ يقع فيه الإنسان. أنا لا أعترف بشيء، أنا حر من كل الأغلال، حر بدرجة لا أحتاج معها غطاءكم المبرر.
أنا لست إلا شخصاً تحدّى القدر، تحدّى الخالق، كل شيء. فإذا تحدّيت منشئ كل شيء، فكأنني بذلك أعلن أنني أصبحت الشرير في نظر جميع العالم، فليكن. أنا فقط ملاك قطع كل من اعترض طريقه، فما المعنى من التبرير؟
وحتى لو وصلت إلى غايتك، هل ستكون الشخص الذي كان في البداية؟ لا. ستكون فقط شخصاً غيّرته البيئة، لتتحول تلك الغاية إلى مجرد مبرر لأفعاله التافهة.
أنا لا أبرر، ولا أحتاج إلى غاية. أمشي فقط، وإذا اعترض طريقي أحد،
فالموت لن يكون إلا الشيء الوحيد الذي سيراه.
أنا، هيون، الشخص الذي كُتب عليه المعاناة قبل أن يولد، الذي كُتب عليه أن يرى كل أحبائه وهم يموتون على يديه أو يخونونه أو يتلاعبون به. لقد أدركت أن الحب والأمل ليسا إلا مسكّنات دنيوية سخيفة تجعلك مقيداً بقيود غير مرئية، وفي النهاية تتركك منكسراً محطماً.
كم مرة قد سمعت هذه الكلمات لدرجة أنه لم يعد إلا لحناً يذكرني بالثقل الذي وصلت إليه.
قالوا إن القوة تحمي. وصلت لما لا يصله أحد، وأول شيء أدركته أن القوة لا تحمي، بل فقط تجعلك تعيش أكثر مما ينبغي. ترى أقرب الناس إليك وهم يموتون وأنت عاجز لا تستطيع فعل أي شيء، وتتمنى الموت لعله ينجيك.
والآن ما رأيكم أيها المستمعون الأعزاء، بأن أخبركم من أنا حقاً. كما قد يوحي اسمي أو هذا التعريف البسيط، أنا عائد. لكن ليس كما تتخيلون. ليس كما تقرؤون عنه، شخص يستطيع الرجوع بعد الموت ويعرف كل ما سيحدث من دون تغيير. حتى لو كان هناك اختلاف، ذلك الذي تسمونه تأثير الفراشة، فيستطيع الرجوع والتنبؤ حتى به. وأضف إلى ذلك أنه البطل الذي يستطيع إنقاذ الناس
ببساطة
أنا شيطاناً على هيئة إنسان. فاشلاً ضحّى بجميع أصدقائه لكي ينجو، الناجي الوحيد من عالم مدمر. فلم اكن الا إنساناً منطقياً أكثر من اللازم. كنت أصل إلى أعلى مراتب القوة التي تجعلني أعيد الزمن. يعني لو مت في البداية أو في المنتصف أو حتى في النهاية فسوف أموت إلى الأبد، لست خالداً، بل فقط عشت أكثر مما ينبغي أن أعيشه. ولكي أكون صادقاً، فإن القدرة على إرجاع الزمن لم تكن إلا أمنية، أمنية تُمنح لي دائماً عندما أنهي جميع السيناريوها
وأنا لا أحكي هذا لأنني أريد. أحكيه لأن مهارتي لا تدعني أنسى.
سجلات المتجاوز
أحد كنوز السماوات التي ليس لها مثيل في هذا العالم. ثقّلت فيها جميع عوداتي، كل لحظة، كل خسارة، كل قرار. تذكّرني دائماً من أنا، وتجعل النسيان رفاهية لا أملكها. هذه الذكريات التي سأسردها لكم ليست لأنني أحبها أو أهتم بتذكّرها، فأنا نسيت من كنت ولست مكترثاً باسترجاعه. لكن السجلات لا تسأل عن رأيي.
فلنبدأ إذن.
✧ ✧ ✧
العودة 317 — بداية نحت الألم
في تلك الرحلة القصيرة نوعاً ما، والجميلة في طبعها، أدركت أن القدر لا يخيّرك إلا بشيء واحد: إما التضحية بأكثر شخص تعزّه، أو مقابل ألف 164 شخص لا تعرفه. كان آخر مشهد من السيناريو هو التضحية.
كان يجب أن أضحي بأعز صديق لي في تلك العودة، الذي كان اسمه كيرا. لم يكن من الأشخاص الأقوياء ولا الأذكياء، بل كان مفيداً في شيء واحد: الوفاء. كان وفياً، طيباً، نقياً، وكأنه نسخة لم تؤثر فيها هذه الحياة. وقفت حائراً لا أعرف ماذا أختار، كنت فقط ألعن وأشتم هذا القدر. هل هذه دائماً خياراتي؟ لم أكن حراً مثل الآن، كنت سجين القدر الذي يتحكم بكما يريد.
بينما كنت منصبّاً على غضبي، دخل عليّ كيرا كالعادة بابتسامته المشرقة، يحمل فنجاناً من القهوة، ثم قال:
"آه يا هيون، لقد أحضرت لك قهوتك المفضلة. أريد إخبارك بشيء. أنا أعرف أنني لست مفيداً جداً، ولست قوياً جداً، ولكن مع ذلك أشكرك حقاً على كل ما فعلته لي. حسناً، ربما تكون هذه القهوة قد تخفف عليك بعد تعب المسؤولية."
لم يعرف أن هذا كان اغبى كلام قاله في حياته.
بدأ الشك والوسواس يدخلان إلى عقلي. إنه مجرد ضعيف، غبي، تافه. ماذا تفيدك حياته مقابل حياة 164ألف ؟ الأفكار التي لم تتوقف أبداً، بمحاولة لجعلها تتوقف رفعت سيفي.
صليل.
في تلك اللحظة لم أعِ ماذا فعلت. لم أرَ إلا رأساً يسقط والدماء تملأ جميع أنحاء الغرفة. لم أعرف ماذا ارتكبت.
بدأت ألوم نفسي وأضربها بالشتم، لكن ما الفائدة؟ الروح قد ذهبت، والجسد قد خار، والندم لم ينفد، بل نشأ مكانه اليأس. في تلك الليلة نجا 164ألف لا يعرفون حجم التضحية. لم يعرفوني، ولم يكونوا مكترثين أصلاً. بينما مات شخص اعتبرني جزءاً منه.
حسناً. هذه ليست إلا البداية.
✧ ✧ ✧
العودة 567 — الثمن الذي لا ينتهي
في هذا البرج الذي لا ينتهي، يقف شخصان تجمعهما ذكريات لا تُنسى.
"هيا، افعلها الآن. لماذا؟ لماذا يحدث هذا معي دائماً؟ اقطعني بهذا السيف وأنهِ هذا السيناريو."
كانت مهمة السيناريو: قتل ملك الشياطين. كانت هذه هي هانا، حب حياتي في هذه العودة، التي كما قد تلاحظون تحوّلت إلى ملك الشياطين في آخر طابق من هذا البرج. كان يجب أن يضحي أحدهما بنفسه والآخر يقتله، ليحصل على شيء يساعده في إنهاء السيناريوهات القادمة.
لم تكن إلا لحظات وجيزة حتى اخترقها السيف وقسمها إلى نصفين.
بعد إنهاء هذا البرج، خرجت منه وأنا محطم منكسر فاقد الحياة. لم تكن الحياة جميلة كما قد ترون. لم يكن لديّ سند ولا أي شيء.
"أيها اللعين، أيها الوغد، كيف تجرأت على قتل قديسة؟ السيف لقد حمتك بحياتها عدة سيناريوهات. ما هو تصريحك أيها اللاعب هيون على هذه التهم؟"
أمام جمهور لا ينتهي، أمام المذيعين، لم أتكلم. فقط صمتّ. لم تكن روحي قد غابت، بل حلّ محلها الركود. وهذا ما جعل الشكوك تتأكد، أنني فقط أردت امتلاك قوتها، وأنها لم توافق فقتلتها مدّعياً أنها نهاية السيناريو. لم أدافع عن نفسي. لم يكن لديّ أي ذرة من الاهتمام.
فقط واصلت في هذه الرحلة.
وحيداً.
✧ ✧ ✧
العودة 1034 — شيطان المذبح الأبدي
كانت مختلفة كلياً عن أي عودة. لا بل هي التغيّر الجذري في الشخصية.
ربّيت أربعة أشخاص لمدة عشر سنوات وكأنهم أبنائي، عائلتي، أصدقائي. أنهينا السيناريوهات، واجهنا الكوارث. وفي الاحتفال بقتل ملك الشياطين السابع عشر، كان الجميع يفرح ويغني ويزهو، حوالي مليون شخص في ذلك المكان، كلهم كانوا يمدحونني ويشكرونني ويجاملونني، بينما كنت أبتسم بابتسامة عريضة قد تبدو من النظرة الأولى بريئة.
تواصل ذلك إلى أن بدأت أتقدم خطوة تلو الأخرى. بدأت أسمعهم يقولون: "هيون، تعال إلى هنا، نحتفل معك." بدأت أخطو خطوتي تلو الأخرى، إلى أن اقتربت من الشخص الذي بدأ يتحدث، كان اسمه زين. بينما كان على وشك أن ينادي بـ"أخي"، لم يرَ إلا رأسه يطير من جسده.
ثم لم يحلّ مكانه إلا صمت، ثم صراخ وفوضى من المشهد الذي رأوه.
قالت فتاة واقفة هناك: "ماذا تفعل يا هيون؟ هل أنت في كامل وعيك؟ هل سيطر عليك وحش؟"
ثم قال شخص آخر: "لا، هذا ليس هيون. ربما نحن في وهم من وحش عالٍ يتلاعب بنا."
ثم صوت آخر: "يبدو أنني سكرت جداً لدرجة أنني لم أعد أفرق بين الواقع والخيال."
لم يكسر تلك الكلمات إلا صوتي الذي بدا مثل السيف يحطّم كل تلك الأوهام.
شرحت لكل عضو من تلك الفرقة المكوّنة من أربعة أشخاص فائدته بالنسبة لي.
زين، الذي رفعت رأسه وانتزعت منه عينيه بطريقة غير مبالية للدم. كنت أحتاج هذا الشخص فقط من أجل عينيه، عين الخلق التي تستطيع التحكم بكل شيء وكتابة كل شيء.
أما العضو الثاني زافير، فكنت بحاجة إليه فقط لأنه كان يمتلك الروح الطيفية التي تستطيع التحكم بالحظ والمصير.
أما العضو الثالث ليليث، التي لم تنطبق عليها قواعد السرد، لم يُكتب لها البداية أو النهاية أو المصير.
أما العضو الرابع ميليسيا، التي كان لديها جسد يدمج ما بين جميع المسارات.
كانوا أدوات سقّلتها ونحتّها لسنوات وأوصلتهم إلى كمالهم. والآن حان وقت حصاد تعبي.
وسط ذلك الصراخ والدم الذي يتطاير في كل مكان مثل الأمطار تسقط، لم أكن حزيناً ولم ألُم نفسي، بل فقط كانت عيناي تشرحان كل شيء، فارغتان تنظران إلى ذلك الحشد وكأنه فريسة يجب التهامها. في الحقيقة كنت أعرف البداية والنهاية قبل كل شيء. خططت لهذا وعرفت أن هذا المشهد سيحدث. الأمر فقط أن يصبح على أرض الواقع. هل هناك أي فارق؟
لا. بل فقط شعرت بالشعور الذي كنت اتوق له حتى الآن.
الحرية.
لقد تخلّصت من تلك العقبات. تخلّصت من الحب، الحزن، الغضب، أي مشاعر. تبقّى فقط الفراغ الذي يجعلني أكمل هذه الرحلة إلى نهايتها.
لم تمضِ إلا ثوانٍ ولم تُرَ إلا الجثث تتناثر في كل مكان والأعضاء تُخلع من الأجساد. أما باقي ذلك الحشد المكوّن من مليون شخص، فلم يكونوا إلا سماداً لبناء ذلك الجسد الذي تتحدث عنه السماوات. لم تكن إلا مجزرة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، من شخص واحد كان يحبه العالم تحوّل في تلك الليلة إلى الشيطان الذي لُقّب بـ"شيطان المذبح الأبدي."
وماذا جعلني أفعل هذه الجريمة؟ هل كنت شريراً؟ أو لأنني احتجت إلى تسلية؟ بل الجواب أبسط من ذلك بكثير. فقط من أجل إكمال الرحلة وتحدي ناسج الأقدار لهذا العالم، وقتل الحكام. نعم، فمن دون ذلك لن أستطيع التغلب على هذه الكائنات. فالبشر الفانون مثلنا لن تفيدهم لا مثابرتهم ولا عزيمتهم ولا حتى قوتهم. فقط شيء واحد يفيد: التخلي عن القيود الدنيوية والترقي في هذا العالم. وهذا ما فعلته. لم أستخدمهم إلا كأدوات تخدم مصالحي ثم رميتهم وكأنهم لم يكونوا.
لكن لنرجع بالزمن قليلاً قبل بداية كل شيء.
تلك اللحظة لم أنسها أبداً. كانت ربما من أكثر اللحظات التي نُحتت في ذاكرتي، الذعر، الخوف، الهلع. صوت الناجين، صوت الوحوش التي بدأت تقتحم، وأهم شيء، صوت النظام.
"مرحباً بك أيها اللاعب هيون في رواية عودة البطل. بما أنك القارئ الوحيد سوف تُمنح مهارة إضافية. أتمنى لك حظاً جيداً."
كنت قبل ثانية من ذلك جالساً في المترو، مشغولاً في قراءة الرواية، أسمع الموسيقى. لم يمضِ إلا لحظات قليلة ثم دوّى انفجار مدوٍّ في القطار بسبب وحش كان مثل طفيلي على هيئة إنسان، بشكل يشبه الزواحف لكنه يمشي على أربعة، بجلده الصلب ووجهه القبيح ولون بشرته الأزرق. ليس واحداً أو اثنين، بل خمسة أفراد متسلحين برماح بالية بعض الشيء.
هنا بدأ الجحيم على حقيقته. لم تُسمع إلا الصرخات والذعر والدماء تتناثر في كل مكان، وكأنها معزوفة أوبرا حزينة تعزف لنهاية هذا العالم وبداية حقبة جديدة تحكمها الوحوش.
ثم بدأت إشعارات النظام، كل شيء بدائي، المهام تتشابك، العالم بدأ يتغير من حولي. إلى أن حدث الشيء الأخير الذي تأكدت منه، الشخصيات بدأت تظهر، ليس من العدم بل وكأنها كانت في الأرض دائماً. هنا تأكدت أن الرواية التي كنت أقرأها تحولت إلى واقع. عالمان اندمجا، الأصلي وعالم الرواية. أنا لم أدخل إليها، بل هي من دخلت إلى عالمي.
أول إحساس أحسست به كان الذعر من عدم القدرة على تغيير المستقبل. العالم كان ينهار أمامي ولم أكن أعرف أي شيء. لكن مع مرور الوقت بدأت أتدارك الأمور وأحاول النجاة.
لم تكن أول خسارة هزيمة أو فشلاً في السيناريو. كانت موت أقرب الناس إليّ. كانت في العودة1
"هيون، هل عندما تنتهي كل هذه السيناريوهات سوف تتزوجني؟"
"بالطبع يا لونا. فليس هناك أجمل منك، بشرتك الجميلة، عيناك الحمراوتان مثل لؤلؤة، حتى شعرك الفضي الناعم مثل الحرير النقي. حتى الأعمى لن يستطيع أن يقول لا لهذا الجمال."
"هل هذا يعني قبولاً؟"
"بالطبع. فليس هناك شخص أحبه أكثر منك في هذا العالم."
لم تستمر تلك اللحظة طويلاً. لم تكن إلا ساعات أو دقائق حتى رأيت ما أفقدني صوابي، سيد التنانين السابع عشر. اللعنة. من المستحيل أن يظهر هنا، كان من المفترض أن يكون في السيناريو العاشر على الأقل.
"هيون، انتبه."
في محاولة لإنقاذ حياتي من هجمة كانت على وشك قطع جسمي إلى نصفين، دفعت حياتها إلى نهايتها.
ما أشعر به وقتها لا يوصف، شيء أثقل من أي شيء في العالم. أحضنها بدمها الساخن الذي كان ينساب كسد منهار لا يتوقف. حزن الفراق، الذكريات التي بدأت تنساب على كتفيّ، الدموع التي لم تكن لتتوقف. ربما كنت وقتها أقرب لكوني إنساناً حقيقياً، ليس مثل الآن، مجرد شخص ينهي المهمات.
كان قلبي يوشك على الانهيار، ليس من الجروح التي تغطي كل جزء من جسدي، ليس من عقلي الذي يوشك على الانهيار، بل من شيء واحد اسمه المشاعر. كل الأحاسيس تندمج لتشكّل فراغاً يلتهم الروح.
“بصوت منكسر يحمل في طيات شوقا للايام لن تعود٬ وفي اعماقه ضحكة مكتومه تحاول ان تخرج لكي تخفف عن صاحبها بالثقل لا يحتمل” قلت
"ما هو المعنى من معرفة كل شيء إذا كنت سوف تخسر كل شيء؟ المعرفة ليست هبة، بل هي جحيم يحرق كل ذرة من جسمك حتى لا يتبقى إلا الجنون الذي يلاحقك، الجنون الذي يجعلك تستمر، تستمر مع ذنب لا ينتهي، محطماً منكسراً، ومع ذلك تمشي، ومع ذلك تخطو، ومع ذلك تستمر."
وتبتسم مع الدم والألم وكأن لا شيء حصل، بينما في أعماقك منهار، تتذكر كل ذكرى وكأنها كانت بالأمس.
حتى شعري الذي كان باللون الأسود الأنيق تحوّل بعد تلك الحادثة إلى لونه الآن، أبيض، بسبب الحزن الذي لاحقني حتى جعله وقوداً لإكمال هذه الرحلة.
كان أول قرار كسر مبادئي وجعلني أدرك أن الناس يتغيرون في الظروف. بعد سقوط القوانين لم يعد هناك إلا قانون واحد، قانون الغابة. القوة فوق كل شيء. ثم ماذا؟ تليها الخيانة، الجشع، التلاعب، وكأنها وجوه الناس الحقيقية عندما يسقط القانون. لا يتبقى إلا الحقيقة.
كم من خيانة تعرضت إليها، وكم من ناس طمعوا في معرفتي مقابل مصالحهم. قد تجاوز عددهم عشرة آلاف منذ مدة طويلة.
ولكن كما تعرف العوده التي غيرتني جذريا ولدي اخبرتك بها سابقا وهي
1034، هنا تغيّر شيء فيّ. لم أعد ذلك الشخص الذي يتأثر بالمشاعر، ذلك الشخص الذي يهتم بالآخرين. أصبحت فقط شخصاً يستفيد منهم، ينجز السيناريو، ينجح. ما يهم فقط، هل أنقذت العالم؟ نعم أم لا؟ أنتم مجرد أدوات يتم تسييرها.
وهكذا بدأت في فقدان إنسانيتي إلى أن أصبحت ما أنا عليه في العودة 1763.
ربما أكثر شيء قد نحت ما أنا عليه الآن هي خسارة تلك الفتاة.
إيريس، قد تعتبر أقرب شخص إلى قلبي. نحن متشابهان كثيراً، كلانا عائدان، كلانا ضحّى بمشاعره كثيراً. الأمور المشتركة هي التي جعلتنا نتعلق ببعض ونشكّل علاقة حب وطيدة. وتزوجنا.
من قال أن النهاية سعيدة؟
أدركت شيئاً واحداً، أنني كلما أحببت أكثر كانت الخسارة أكثر إيلاماً.
"يبدو أن القدر لم يكتب لأحدنا أن يعيش."
"ليست الحياة جميلة كما، ماذا تقولين؟ لا، لا، بالتأكيد هناك طريقة أخرى. بالتأكيد يمكننا الرجوع. لا، السيناريو من المستحيل أن ينتهي هكذا. لا، أبداً."
"هيون، لديّ طلب أخير. عندما أموت، اعتنِ بطفلنا. ولا تدع العودة تُفسد عقلك. من فضلك أنقذ هذا العالم. أنا أعرف أنني أُعطيك مسؤولية لا ينبغي أن تكون لأي بشري، لكنك الأمل الوحيد لهذا العالم المدمر. أشهر سيفك لتبدأ النهاية."
في هذا الفضاء اللانهائي، في ظلام نسيج الأقدار، الحاكم المطلق، المؤلف السادي لهذا العالم، الذي كتب النهاية والبداية قبل أن تحدث. أصل كل شيء وبداية كل شيء. إنه المتحكم الأعظم الذي يخترقه سيفي.
شعوري؟ ربما كنت في العودة الأولى غاضباً حزيناً متسائلاً لماذا حصل كل هذا. لكن بعد 1763 عودة فاشلة وهذا ما فعلته به العودات٬ السؤال مات. الفرح والحزن تلاشى.
ولم يبقى شيء.
وجهه، منظره، لم يعد يؤثر فيّ. أصبح بالنسبة لي مجرد بيانات يجب إنهاؤها. أقتل هذا الشيء، تنجح المهمة. أصبحت فقط آلة تنفّذ المهام.
"ما هي آخر كلماتك يا ناسج الأقدار؟"
"حسناً، ليس لديّ الكثير من الكلمات لأقولها، ولكنها سوف تشبع جميع فضولك. كنت أعرف أن هذه ستكون نهايتي، لكنني حاولت إيقافها. نحن لسنا إلا شخصان حُكم عليهما بلعب أدوار البطل والشرير."
"أنت لم تكن الشخص الذي أردته، بل فقط شخص تلاعب به القدر."
"هل هذه آخر كلماتك؟"
"نعم. ولكن يبدو من نظرة عينيك أنك يئست من هذه الحياة، أنك تريد الموت أكثر من الحياة."
بعينين متحجرتين فارغتين من كل الأحاسيس، تحدقان إلى الهاوية وكأنهما تسخران من هذا العالم بأسره. بصوت جاف لا يحمل أي مشاعر، وكأنه يقول حقيقة وجودية يجب تقبّلها، يتردد صداه في هذا الكون الأزلي.
"الموت ليس العذاب، بل هو الملاذ الذي حلمت به دائماً. ومع ذلك لم يسمح لي القدر بأن أموت."
بتلويحة من السيف قسمت الكيان الواقف أمامي إلى قسمين. لم يمضِ إلا ثوانٍ وتتوالى كلمات رنانة في ذهني.
"تهانياً لك أيها اللاعب هيون. لقد أنهيت السيناريو الأخير. لعبة القدر، المكافأة: تمنَّ أمنية. يُرجى إدخال الأمنية التي تريدها."
أمنيتي هي ⬜⬜⬜⬜⬜⬜⬜⬜⬜
"هل أنت متأكد من أمنيتك أيها اللاعب هيون؟"
"نعم. نفّذها فقط."
كم تساءلت، كم سألت نفسي، ولا أزال أتساءل حتى الآن. من الكائن الذي يعطيني هذه الأمنية؟ لا تخبرني أنني سوف أصدّق أنها معجزة كونية أو هبة أو أن كاتباً عطوفاً منحني شيئاً لأعيد الزمن. هذا قد يدخل في ذهن أي شخص عادي أو في أول عودة. لكن الآن لم أعد مثل ما كنت.
ما هو ثمن كل هذا؟ هل هو مجاني؟ هل هو القدر حقاً؟ أم هو كائن أسمى من القدر بحد ذاته؟ لا أعرف.
لكن لو كنت أنت يا من تُمسك بخيوط القدر، لو كنت أنت الحاكم المطلق الذي خلق كل شيء، فاعلم أن مصيرك ليس إلا موتك على يديّ. ولو آذيتني حتى بشكل طفيف، فهذا سيكون مصيرك.
لا أعرف إذا كان يسمعني أو لا. لكن من يهتم.
لم أعد مثل ما كنت. لا حزن، لا غضب، لا مشاعر، اختفت كلها. قد يتوقع الجميع أنني أصبحت وحشاً. في الحقيقة أنا قلتها منذ البداية، أنا الشيطان.
المشاعر ليست إلا قيوداً اخترعها الإنسان لكي يُقنع نفسه أنه كائن مثالي يخفي غرائزه ويتظاهر أنه أفضل من الشيطان، بينما هو أسوأ. فهو لن يهتم لا بمن يُعطيه، لا بمن يكون، لا بما سوف يصبح عليه. يهتم بشيء واحد فقط، ماذا سوف يجني منك.
أما أنا فقد تخلصت من كل هذه القيود. لم أبحث لأصبح إنساناً، بل ترقيت في هذا الوجود العدمي لأصبح الحاكم الذي رفض خيوط الأقدار وتحدّى قوانين العالم. أتحدى السماء، حتى مع كتابة مصيري منذ ولادته