3 - العقوبة .. بداية الطريق الحقيقي

[داخل قلعة أرغوين – غرفة رين]

الظلام كان كثيفًا، لكن الشعور كان أوضح من أي وقت مضى.

رين فتح عينيه ببطء، لكنه لم يكن استيقاظًا عاديًا. ألم حارق انتشر في جسده دفعة واحدة، وكأن نيرانًا غير مرئية تتآكل من داخله.

شعر بعضلاته تنقبض بشدة، كأنها تُعاد تشكيلها من جديد. أنفاسه كانت ثقيلة، قلبه ينبض بسرعة غير طبيعية، وكل عصب في جسده يصرخ وكأنه يتعرض لعملية إعادة بناء قسرية.

"ما هذا…؟!"

لم يكن هذا الشعور مثل أي شيء اختبره من قبل، لا في حياته الماضية ولا الحالية. حاول التحرك، لكنه شعر وكأن وزنه تضاعف فجأة، وكأن جسده يُجبر على التكيف مع شيء لا يراه.

رفع يده المرتجفة أمام عينيه، محاولًا استيعاب ما يحدث. في الضوء الخافت، لاحظ شيئًا غريبًا… للحظة خاطفة، رأى خطوطًا سوداء رفيعة ظهرت تحت جلده، امتدت عبر ذراعه، ثم اختفت كأنها لم تكن موجودة أبدًا.

"هل كان ذلك… مجرد وهم؟"

حاول تهدئة أنفاسه. الألم بدأ يتراجع تدريجيًا، لكنه لم يختفِ تمامًا، بل تحوّل إلى إحساس غريب بالدفء والطاقة، كأن شيئًا ما في داخله بدأ يتحرك من تلقاء نفسه. جلس ببطء على سريره، واضعًا يده على صدره، شعر بأن نبضه لم يعد كما كان… وكأن هناك إيقاعًا آخر يختبئ خلف ضربات قلبه.

هل كانت هذه أولى علامات التحول؟ أم أن شيئًا أعمق كان يحدث له؟

رفع رأسه نحو النافذة… لم يكن يدرك أن عينيه القرمزيتين كانتا تلمعان في الظلام، أكثر إشراقًا مما كان عليه في حياته الماضية.

رين لا يزال جالسًا على سريره، يلهث وهو يحاول استيعاب ما حدث للتو. الألم بدأ يهدأ، لكنه خلف وراءه إحساسًا غريبًا… إحساسًا بشيء يتغير بداخله، شيء لم يكن هناك من قبل.

كان على وشك أن يرفع يده مجددًا لفحصها عندما—

طَرق! طَرق! طَرق!

طرق سريع على الباب، قوي بما يكفي ليجعله ينتفض من مكانه.

صوت ذكوري من خلف الباب: "سيدي الصغير، الدوق يطلب حضورك فورًا في قاعة الاجتماعات."

رين ضيّق عينيه. والده، دوق أرغوين، لم يكن يستدعيه أبدًا إلا لسبب مهم… أو لسبب مزعج.

وقف ببطء، أخذ نفسًا عميقًا، وشعر مجددًا بذلك الإحساس الغريب في جسده. شيء ما تغير بالفعل، لكنه لن يستطيع التحقق منه الآن.

عندما فتح الباب، وجد أمامه أحد فرسان القلعة يقف بصلابة، لكن عينيه تحملان مزيجًا من الشك والارتباك—وكأنه لاحظ شيئًا مختلفًا في رين لكنه لم يستطع تفسيره.

رين (بهدوء جليدي): "فهمت. سأتجه إلى هناك الآن."

قاد الفارس رين عبر الممرات الطويلة للقلعة. كلما اقترب من القاعة، كان الهواء يزداد ثقلًا، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها احترامًا للرجل الذي ينتظره خلف الباب.

ريغنار أرغوين.

"إرادة الحرب."

هذا لم يكن مجرد لقب، بل حقيقة محفورة في تاريخ المملكة.

رجلٌ لم يكن مجرد مقاتل أو دوق… بل كان قوة حرب متجسدة في هيئة رجل.

أينما سار، سارت المعارك خلفه.

وحين يرفع سيفه… لا يعود هناك سلام، بل نصر أو إبادة.

كل من في القلعة، من الفرسان إلى أدنى الخدم، كانوا يخشونه كما لو كان قوة طبيعية، إعصارًا يمكن أن يمسح كل شيء إن اختار ذلك.

لكن بالنسبة لرين؟

هذا الرجل لم يكن مجرد دوق.

لقد كان الأب الذي فقده… والظل الذي عاش تحته لسنوات.

حين وقف أمام الباب، لم يكن بحاجة إلى أن يخبره أحد بأن والده في الجهة الأخرى. ضغطه كان محسوسًا، حتى قبل أن يُفتح الباب.

طَرق! طَرق! طَرق!

الصوت العميق جاء من الداخل، ثقيلًا كأنه حمل جبلًا واحدًا على الأقل:

"ادخل."

رن صوته في الممرات كهدير عاصفة.

فتح الباب… ودخل رين.

لم يكن ريغنار جالسًا على عرشه.

لم يكن رجلاً يركن للراحة، حتى في أكثر لحظاته هدوءًا.

وقف في منتصف القاعة، لا كرجل، بل ككيان متجسد.

شخصٌ نُحت من الحروب والمعارك، كأن جسده لم يُخلق إلا ليقف في ساحة القتال.

كان طويلًا وضخم البنية، أقرب إلى عملاق حقيقي.

شعره الأسود الحالك، الذي ورثه منه رين، انسدل على كتفيه مثل ظل يمتد عبر الغرفة. كان أطول من شعر ابنه، أكثر خشونة، لكن الخصلات البيضاء التي بدأت تزحف عند الأطراف لم تنقص من هيبته، بل جعلته يبدو أشبه بمحارب قديم نجا من كل المعارك، لكن الزمن لم يستطع إسقاطه.

عيناه القرمزيتان… تطابقا تمامًا مع عيني رين.

لكن الفرق؟

نظرة ريغنار لم تكن تحمل أي شك، أي تردد، أي صراع داخلي.

كانت نظرة رجل رأى الموت مرارًا، واجهه، ولم يهتز.

كانت نظرة قائد لا يسمح بالضعف… حتى لو كان في ابنه.

لهذا سُمِّي "إرادة الحرب". لأنه لم يكن مجرد محارب، بل قوة حرب متجسدة في هيئة رجل.

لا يعرف الاستسلام، لا يعرف التراجع، حتى عندما يكون جسده مغطى بالجروح، لا يسقط.

في إحدى المعارك القديمة، عندما تعرض لجرح قاتل، استمر في القتال ليومين إضافيين وكأنه لم يُصب، مما جعل جنوده يعتقدون أنه لا يمكن قتله. ⚔️ البداية – المقارنة القاسية

لم يكن هناك مجاملات.

لم يكن هناك ترحيب.

كان يعلم لماذا استُدعي إلى هنا.

"كم مضى من الوقت منذ أن حملت سيفًا؟"

صوت ريغنار كان هادئًا، لكنه لم يكن بحاجة إلى رفعه.

هذا لم يكن سؤالًا… بل تذكيرًا.

وقف رين صامتًا، لكنه لم يتهرب من عيني والده.

"بينما كنت تضيع وقتك في استعراض اسم العائلة وإهدار ثروتنا، كان أخوك الأكبر، كايل، يقاتل الوحوش على حدود المقاطعة."

"في سن السابعة، بدأ حمل السيف. في العاشرة، قاد فرق الصيد. في الخامسة عشرة، قاد معركته الأولى."

"والآن، في الثانية والعشرين، هو يحمي الأراضي التي ورثناها بدمائنا." تقدم ريغنار ببطء، عيناه مثبتتان على ابنه وكأنه يراه للمرة الأولى.

"وأنت؟"

كان صوته يشبه صرير الحديد الساخن وهو يُسحب عبر الجليد.

"في عمرك، كان كايل رجلاً بالفعل. وأنت؟ مجرد طفل يلعب دور النبيل."

وقف رين في مكانه، لم يكن هناك حاجة للكلمات.

لأنه كان يعلم أن كل حرف قاله والده… كان حقيقيًا. لا مكان للضعفاء

"أنت لست الوحيد."

"حتى أبناء أعمامك بدأوا التدريب منذ الطفولة."

"حتى الجنود الذين يخدمون تحت عائلتنا بدأوا قبل أن يدركوا معنى الحياة."

"حتى أطفال الفلاحين يعرفون كيف يمسكون سلاحًا… بينما وريثي الوحيد لم يفعل شيئًا سوى إنفاق المال ورفع صوته على من هم أضعف منه."

"كم هذا مثيرٌ للشفقة."

رفع والده نظره، عينيه أصبحت أكثر قتامة.

"هل تعرف ما هو أسوأ شيء في الرجل الضعيف؟"

"أنه لا يعرف أنه ضعيف."

حديث رين الداخلي – إدراك الحقيقة

رين لم يرد.

لأن الحقيقة كانت واضحة جدًا، حد أنها تقطعه إلى أجزاء.

في حياته السابقة… هذا كان أكبر خطأ ارتكبه.

لم يبدأ التدريب مبكرًا.

لم يأخذ الأمر على محمل الجد.

اعتقد أن القوة يمكن أن تأتي لاحقًا… لكنه كان مخطئًا.

عندما احتاج إليها؟ لم تكن هناك.

عندما كان عليه حماية عائلته؟ لم يستطع.

عندما جاء وقت الموت؟ لم يكن لديه سوى الندم.

وقف ريغنار أمامه، لم يكن في صوته تهديد… فقط حقيقة ثابتة.

"لن يكون هناك المزيد من الأعذار."

"ابتداءً من اليوم، لن تكون نبيلًا."

"ستعيش كجندي."

"ستأكل طعامهم، ستنام في معسكراتهم، وستتحمل نفس العقوبات التي يتحملونها."

"لن تناديني والدي، ولن يناديك أحد بالسيد الصغير."

"إذا كنت تعتقد أن اسمك يمنحك حقًا في شيء… فأنت مخطئ."

اقترب حتى أصبح أمام رين مباشرة، صوته كان منخفضًا… لكنه كاد يكسر الهواء نفسه:

"إن لم تستطع التحمل… لا مكان لك هنا."

"وإذا سقطت مجددًا… لن أرفعك."

"قف بنفسك… أو ابقَ ساقطًا إلى الأبد!."

رين شعر بها أيضًا.

لكنه لم يُظهر أي تراجع.

وقف في مكانه، شعر بالضغط وهو يخترق جسده، يثقل كتفيه، يحاول دفعه للأسفل.

أي شخص آخر كان سينخفض على ركبتيه الآن.

أي شخص آخر كان سينهار تمامًا.

لكن رين؟

لقد رأى والده يموت في حياته السابقة.

لقد بكى عليه، حزن عليه، افتقد صوته.

والآن، هو هنا أمامه.

وإن كان ريغنار يختبره الآن، إن كان يريد أن يرى مدى تحمله…

فلن يُظهر الضعف.

كان هذا هو الفرق بين القوة المكتسبة والقوة التي خُلقت مع الإنسان نفسه.

ريغنار لم يكن مجرد فارس قوي… كان قوةً بذاتها.

عندما وقف في ساحة المعركة، لم يكن خصمًا يواجه الآخرين، بل كان المعركة نفسها.

كل من يواجهه… كان يشعر أن العالم بأسره يحاربه.

دريك شعر بركبتيه تتوتران، أصابعه انقبضت لا إراديًا على مقبض سيفه، كأن جسده كان يحاول أن يستعد لشيء لم يكن قادرًا على مقاومته.

حتى الهواء أصبح ثقيلًا، كل نفس يأخذه أصبح أصعب.

إنه لم يكن خيالًا…

هذه كانت حقيقة وجود ريغنار أرغوين.

لهذا السبب… دُعي بإرادة الحرب. إرادة الحرب تفرض حكمها

مرت لحظات ثقيلة كأنها أبدية.

الهالة القرمزية التي أطلقها ريغنار كانت لا تزال تحوم في الهواء، كأنها ترفض أن تختفي بالكامل.

دريك، قائد الفرسان، كان لا يزال يحدّق في الأرض، يحاول استيعاب ما حدث للتو.

حتى الهواء نفسه كان يحمل أثرًا مما أطلقه الدوق.

لكن رين… لم يسقط.

بصوت هادئ، لكنه حمل داخله ثقل السماء والأرض، نطق رين بكلمات ستهتز لها القلعة:

"في المرة القادمة… لن أجبر على الصمود. بل سأكون من يفرض الإرادة."

لم يكن وعدًا.

لم يكن تحديًا صريحًا.

بل حقيقة قادمة، أعلنها قبل أن تتحقق.

ثم… استدار.

خطواته كانت ثابتة، وظهره مستقيم، رغم الإرهاق الذي كان يزحف في جسده.

لم ينظر إلى والده مرة أخرى.

لم يكن بحاجة إلى ذلك.

خرج من القاعة، وترك خلفه صمتًا ثقيلًا، كأن من في الداخل ما زالوا يحاولون استيعاب ما قاله للتو. و

ريغنار لم يتحرك.

لم يتكلم.

لكنه تابع ظهر ابنه وهو يغادر… والتوهج الخافت في عينيه القرمزيتين كان يحمل شيئًا مختلفًا.

لم يكن رضا، لم يكن فخرًا…

لكن في مكان ما داخله، في أعماقه التي لا يظهرها لأحد، اعترف بأن هذه كانت المرة الأولى التي يرى فيها شيئًا مختلفًا في رين.

بعد لحظات، تمتم بصوت منخفض، بالكاد يُسمع:

"هم ... سنرى."

خرج رين من القاعة، خطواته ثابتة، ظهره مستقيم، لكن داخله لم يكن كذلك.

كان الشعور بثقل مواجهة والده لا يزال عالقًا في جسده، لكنه لم يسمح لنفسه بالتفكير في ذلك الآن.

تنفس ببطء، واستدار ليتوجه إلى غرفته.

لكن…

توقف.

على بُعد أمتار قليلة منه، عند نهاية الممر الطويل، وقفت فتاة صغيرة بشعر أرجواني طويل، تحدّق به بصمت.

أليفيا.

في اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يختنق في صدره.

مرّت سنوات طويلة منذ أن رآها، آخر مرة كانت عندما سقط كل شيء… عندما ماتت أمامه.

لكنها الآن هنا.

حقيقية. على قيد الحياة.

لم يكن يفكر، لم يحلل، فقط…

مدّ يده نحوها دون وعي، وصوته خرج مليئًا بالدفء الذي لم يشعر به منذ سنوات:

"أليفيا!"

ابتسامة خفيفة، بالكاد مرئية، تشكلت على شفتيه، لكن…

لم يفكر.

قدماه تحركتا وحدهما، تقدّم بخطوة للأمام، لكن…

في اللحظة التي فعل فيها ذلك، ابتعدت أكثر.

وكأن مجرد اقترابه جعل الخوف يتضاعف في قلبها.

توقّف.

لم يستطع أن يأخذ خطوة أخرى.

لأنه أدرك… أن المسافة بينهما ليست مجرد أمتار قليلة.

بل سنوات من الألم، من الخوف، من الذكريات التي لم تختفِ من عقلها.

عيناها البنفسجيتان لم تعكسا أي دفء… فقط خوفًا نقيًا.

شفتاها تباعدتا قليلًا، كأنها تريد قول شيء…

لكنها لم تفعل.

بدلًا من ذلك…

استدارت، وركضت بأسرع ما تستطيع.

كأنها كانت تهرب من شيء مخيف… شيء قد يبتلعها إن بقيت للحظة أخرى.

منه.

حديث داخلي – الإدراك القاسي

لقد توقعتُ أن تكون خائفة… لكن ليس إلى هذه الدرجة.

كان يظن أنه مستعد لهذا، لكنه كان مخطئًا.

يمكنه أن يتحمل احتقار والده.

يمكنه أن يتحمل نظرات الفرسان الذين سيرونه في المعسكر غدًا.

لكن أن تخاف أليفيا منه لهذه الدرجة؟

هذا… كان أكثر مما توقع.

وقف هناك، يراقب المكان الذي اختفت فيه، ثم أغمض عينيه للحظة.

إن كانت تخشاه الآن، فهو لن يحاول إجبارها على غير ذلك.

الثقة؟ لا تأتي بالكلمات.

في حياته السابقة، أخذ الكثير من الأشياء كأمر مسلّم به… لكنه لن يكرر ذلك في هذه الحياة.

إذا أراد أن تصبح أليفيا أخته مجددًا؟

فعليه أن يُصبح الشخص الذي لا تحتاج إلى الهرب منه.

استدار، واتجه إلى غرفته، خطواته ثقيلة لكنها مستقرة.

غدًا… ستبدأ رحلته الحقيقية.

وهذه لم تكن سوى البداية. بعد مغادرة رين، بقي ريغنار واقفًا في مكانه، عينيه مثبتتان على الباب المغلق. للحظة، لم يقل شيئًا، فقط نظر إلى الطاولة بجانبه، حيث لا تزال الورقة التي تحمل أخطاء رين السابقة.

بهدوء، التقطها بين أصابعه… ثم مزقها نصفين وألقاها جانبًا.

التفت نحو قائد الفرسان، دريك، ونظر إليه بنظرة باردة، قبل أن يقول بصوت منخفض لكنه حاسم:

"راقبه."

لم يكن أمرًا عاديًا… بل اختبارًا طويل الأمد. نظر دريك إلى ريغنار بثبات، ملامحه لم تتغير، لكنه تجرأ على طرح سؤال واحد، بصوت هادئ لكنه يحمل حذرًا واضحًا:

"هل تريدني أن أراقبه كجندي… أم كوريث؟"

كان الفرق بين الأمرين هائلًا.

الأول يعني أنه مجرد فرد آخر يخضع للعقوبة، يُختبر كما يُختبر أي فارس شاب.

أما الثاني؟

فهذا يعني أن ريغنار يرى فيه شيئًا أكثر من مجرد صبي يحاول التعلم.

ظل الصمت للحظات… ثم جاء رد الدوق بصوت ثقيل كالصخر:

"راقبه. وستعرف الجواب بنفسك."

2025/02/26 · 8 مشاهدة · 1949 كلمة
DRAGO
نادي الروايات - 2025