في أقصى أراضي مملكة تشين، بعيدًا عن القلاع والمدن المحصنة، كانت تقع قرية نائية اسمها شينغلي. الحياة هناك كانت بسيطة، يزرع أهلها الحبوب ويعتنون بالمواشي، لكن الحرب لم تترك أي مكان آمن. كانت القرية تابعة لتشين، ومع ذلك، شعرت بأسوأ عواقب أكبر هزيمة تعرضت لها المملكة، عندما فقدت تشين جزءًا من أراضيها في مواجهة الممالك الأخرى. عائلة في قلب العاصفة في منزل صغير على أطراف شينغلي، عاش فتى اسمه ليان، ابن هاي تشاو، الجندي المخضرم في جيش تشين. لقد خاض والده معارك لا تُحصى، وتعلم ليان من قصصه الشجاعة والانضباط، لكنه لم يعرف بعد مدى وحشية الحرب حتى رأى عواقبها على أرض قريته. والدته مين يي كانت امرأة قوية القلب، ترعى أطفالها وتعمل في الأرض جنبًا إلى جنب مع بقية القرويين، محاربةً الجوع والخوف اليومي، لكنها أيضًا كانت تخاف على ابنها الصغير من مصير مشابه لمصير والده في ساحات المعارك.

كانت قرية شينغلي مكانًا هادئًا نسبيًا، حيث تتشابك الحقول الخضراء مع التلال، والأنهار الصغيرة تعكس ضوء الشمس على وجوه الأطفال. هنا نشأ ليان، فتى بسيط القلب لكنه فضولي، يتعلم من الحياة أكثر من أي كتاب. كان يومه يبدأ قبل شروق الشمس، حين يرافق والدته مين يي إلى الحقول، يساعدها في جمع المحاصيل وسقاية الحيوانات. بالرغم من صغر سنه، تعلم الاعتماد على نفسه، وحمل المسؤولية خطوة خطوة. في فترة بعد الظهر، كان يقفز بين أشجار القرية ويلعب مع أقرانه، بينما يحكي له والده هاي تشاو قصص المعارك والجنود الذين خاضوا المعارك الكبرى. لم تكن هذه القصص مخيفة بالنسبة له، بل كانت مصدر إلهام، تعلمه الشجاعة والانضباط. لم تكن القرية تملك مدارس كبيرة، لكن كبار القرويين علموا الأطفال القراءة والكتابة، كما علموهم الحساب الأساسي، وشرحوا لهم عن قوانين الأرض والمحاصيل. وكان ليان مهتمًا بشكل خاص بفنون الدفاع عن النفس البسيطة، يتعلمها من والده كل مساء بعد العمل، ليتدرب على القوة والرشاقة، معتقدًا أن هذه المهارات قد تنقذه يومًا. كانت عائلة ليان نموذجًا للتعاون والاحترام بين الأجيال. والدته مين يي كانت رمز الصبر والتحمل، تعلمه كيف يواجه الصعاب بصمت وقوة، بينما والده هاي تشاو كان مثال الشجاعة والتخطيط، يزرع فيه حب الوطن والانضباط. كان وجودهما يعلّمه أن الحياة تتطلب العمل والاجتهاد، وأن القيم أهم من القوة وحدها. بين اللعب في الحقول ومساعدة أهله، بدأ حلم ليان يكبر داخله. لم يكن مجرد فتى يلعب في القرية، بل كان يتخيل نفسه يومًا ما يقف في ساحات المعارك كجنرال، يحمي قريته وأهله، ويصنع الفرق بين الانكسار والانتصار. في تلك الأيام، قبل أن تأتي الحرب وتدمر كل شيء، كان ليان يتعلم أول دروس الحياة: الصبر، الشجاعة، الاعتماد على الذات، والحلم بشيء أكبر من حدود القرية الصغيرة، شيء يمكن أن يغير مصير الناس من حوله.

في مساء بارد من ليالي شينغلي، جلس ليان على الأرض بجانب والدته، بينما كان والده هاي تشاو يقطع الخبز ببطء ويضع الطعام في أطباقهم الخشبية المتواضعة. رائحة الأعشاب واللحوم المشوية ارتفعت مع الدخان المتصاعد من الموقد، والرياح تعوي خارج الجدران، تصطدم بالشبابيك وتُحدث أصواتًا كأنها طبول بعيدة. رفع ليان رأسه، وعيناه تتوهجان بفضول لا يهدأ. "أبي… احكِ لي عن معركة قديمة… تلك التي تحدثت عنها في الصيف الماضي، حين كنت صغيرًا." ابتسم والده بابتسامة هادئة، ورفع عينيه عن الطعام، صوته أصبح عميقًا وكأن كل كلمة تحمل عبء السنين: "حسنًا يا بني… سأحدثك عن معركة هزّت أراضي مملكة وي، قبل سنوات طويلة. كنت شابًا في العشرين من عمري، وقفت على تل يطل على سهل واسع، والضباب يكسو الأرض كالستار الرمادي. حينها، لم أكن أعلم أن تلك اللحظة ستختبر إرادة كل رجل يقف على هذه الأرض." اقترب ليان أكثر، وعيناه تتسعان، يلتقط كل كلمة كما لو كانت نسيمًا نادرًا. "الطبل بدأ يدوي في الأفق، ودوت الصيحات من جيشنا وجيش وي. خيولهم انطلقت كالعاصفة، وأصواتها تخترق الصمت، والسهام كالمطر تسقط حولنا. شعرت بالخوف يا بني… كل رجل شجاع يخاف. لكن الخوف علمني التركيز، علمني أن كل خطوة وكل ضربة سيف يجب أن تُحسب بدقة، وإلا ستنتهي حياتك قبل أن تعرف أن الموت اقترب منك." تنهد ليان، وقال بصوت خافت: "وماذا حدث بعد ذلك، أبي؟" ابتسم هاي تشاو ونظر إلى اللهيب المتراقص: "بدأت المعركة بالصراخ والدهس، الأرض تهتز تحت أقدام الخيول، والتراب يطير في الهواء كالرماد. رأيت صديقي يسقط أمامي… دماؤه تلطخ الأرض، لكنني لم أستطع مساعدته، تعلمت أن الحياة في المعركة لا تمنحك فرصة للتراجع، وأن الشجاعة الحقيقية تظهر عندما يكون قلبك مثقلًا بالخوف." أكمل والده بصوت يختلط فيه الحنين والرعب: "استخدمنا التضاريس لصالحنا، دفعت وحداتنا الخفيفة على الأجنحة للتفاف العدو، وفجأة بدأت خطوطهم تتصدع. كان الصراخ يملأ الهواء، والسيوف تصطدم، والخيول تتعثر في التراب الممزوج بالدم. في النهاية انتصرنا، لكن النصر كان مريرًا… فقدنا الكثير من الرجال، والأرض التي وقفت عليها كانت مشبعة بدمائهم، والسماء تبدو وكأنها تبكي معهم."

جلس ليان صامتًا، قلبه يخفق بقوة، وعقله يتخيل كل لحظة، كل صوت، كل رائحة تراب ودخان. "أبي… أريد أن أكون مثلك… أريد أن أحمي قريتنا يومًا ما." وضعت والدته يديها على كتفيه، والدهامه في عينيها، لكنه وضع يده على كتف ابنه وقال: "ليان، القوة ليست في السيف وحده… بل في القلب الذي لا يفرّ من الصعاب، في العقل الذي يخطط قبل أن يضرب، وفي الشجاعة التي تبقى حين ينهار كل شيء حولك. تذكر هذا، يا بني… وستصبح أكثر من مجرد جندي… ستصبح حاميًا حقيقيًا لأهلك وقريتك."

جلس ليان بالقرب من والده، وعيناه تلمعان بالفضول الذي لا ينطفئ. رفع قطعة من الخبز وقال بحماس: "أبي… من كان الجنرال الذي يقودكم في تلك المعارك؟ من كان يحدد كل خطوة على أرض الحرب؟" ابتسم هاي تشاو، وكأن السؤال أعاده سنوات إلى الوراء، وقال: "آه، الجنرال… اسمه باي تشي. رجلٌ عظيم، كان العقل واليد والعين لكل جندي في جيش تشين." نظر ليان إليه بدهشة: "كيف كان، أبي؟ هل كان صارمًا؟" ضحك والده وقال: "صارم؟ نعم… لكنه لم يكن مجرد صارم. كان يرى المعركة قبل أن تبدأ، يعرف تحركات العدو قبل أن يفكر هو نفسه. كان يقف على التل، يراقب السهول، والضباب يخفي تحركات الجنود، لكنه كان يعرف أين ستكون كل وحدة، وكيف سيتصرف كل خصم." "أبي… هل كان يشجعكم بالكلمات؟" سأل ليان، وهو يميل إلى والده وكأنه يريد سماع كل التفاصيل. قال هاي تشاو: "أحيانًا بالكلمات، وأحيانًا بالصمت. حين كان يرفع يده للإشارة، كان الجميع يعلم ما يجب فعله. لا حاجة للصرخات، ولا حاجة للتكرار… فقط حركة واحدة من الجنرال، والجيش كله يتحرك كما لو كان جسدًا واحدًا." أخذ ليان نفسًا عميقًا وقال: "وهل كان يخوض المعارك بنفسه؟ أم يكتفي بالمراقبة؟" أجاب والده: "باي تشي لم يكن مجرد مراقب… كان يقف في الصفوف الأمامية أحيانًا، ينظر في عيون الجنود، يرفع معنوياتهم. لكنه لم يكن متهورًا… يعرف متى يجب أن يبتعد، ومتى يهاجم. في إحدى المعارك الكبرى، عندما اجتاح العدو السهل، أرسل وحداته الخفيفة على الأجنحة، بينما فرسانه الأكثر خبرة ضربوا قلب الجيش. كان كل شيء محسوبًا بدقة، وكأن المعركة رقصة كبيرة، وهو قائدها الذي يوجّه كل خطوة." اقترب ليان أكثر وقال: "أبي… هل كان يخاف؟" ابتسم هاي تشاو بحزن: "الخوف موجود في كل رجل… لكن الجنرال يعلم كيف يستخدمه. باي تشي كان يتحكم في الخوف، يحوله إلى تركيز، إلى قوة، إلى خطة تجعل من الموت خيارًا بعيدًا لكل جندي يقف بجانبه." سأل ليان: "ومن كان يأمركم، أبي؟ هل كان هو دائمًا؟" أجاب والده: "نعم، معظم الوقت… لكن في المعارك الكبيرة، كانت هناك سلسلة من الضباط المساعدين، كل واحد مسؤول عن جناح معين، لكن كل الأوامر تأتي من الجنرال نفسه. أي تردد أو خطأ، وكان باي تشي يلاحظه على الفور. لم يكن يسمح بالخطأ، لأن الخطأ في المعركة يساوي حياة الجنود." أمال ليان رأسه وقال بحماس: "أريد أن أراه… أريد أن أتعلم كيف يقود الجنرال الجنود بهذه الطريقة…" وضع والده يده على كتفه: "ستراه في القصص، وستراه في تدريبك، يا بني. كل درس تتعلمه من التدريب، وكل اختبار تواجهه، سيقربك خطوة من فهم ما يعنيه أن تكون قائدًا. الجنرال ليس فقط من يأمر، بل من يعرف كيف يجعل الجميع يثقون به حتى عندما يكون الخطر أمام أعينهم."

قال ليان وهو يلتفت إلى والده: "أبي… في المعركة التي حكيته لنا عن الجنرال باي تشي… ماذا فعلت أنت هناك؟ كيف شاركت؟" ابتسم هاي تشاو ببطء، وعيناه تلمعان بذكريات الماضي: "آه يا بني… كنت مجرد جندي صغير، لكن كل دور له قيمته. كنت جزءًا من الجناح الأيمن، وحدتنا مسؤولة عن حماية خطوط العرض وتأمين مرور الفرسان الخفيفين. كنت أتحرك بسرعة بين التلال الصغيرة، أراقب تحركات العدو، وأتأكد من أن لا فجوة في الصفوف." نظر ليان بفضول شديد: "وهل كان هناك خصم… شخص شعرت أنه كان صعبًا عليك أن تقاتله؟" تنهد والده، وبدأ صوته يكتسي بجديّة: "نعم… هناك قائد من جيش وي، اسمه ليو تشنغ. رجل ضخم البنية، خبير في استخدام الرمح والفأس، لم يرحم أي جندي يقف أمامه. في إحدى اللحظات، اصطدمنا مباشرة على السهل، وكانت المعركة عنيفة… كل ضربة يوجهها كانت تهز الأرض، والجنود من حولنا يسقطون من شدتها. شعرت أنه لا يمكن أن أتقدم خطوة واحدة إلا بخطة دقيقة وتعاون مع زملائي." قال ليان متحمسًا: "وكيف نجوت يا أبي؟ هل استخدمت أي حيلة؟" ابتسم والده بخفة، وعيناه تلمعان: "نجوت… لأنني لم أقاتل وحدي. رأيت الفرص الصغيرة بين الضربات، استخدمت التلال لتغطي خطواتي، وكنت أنتظر اللحظة المناسبة للارتداد والهجوم. كل حركة كانت محسوبة، وكل نفس كنت آخذه كان فرقًا بين الحياة والموت. لقد تعلمت أن في المعركة، القوة وحدها لا تكفي… بل الانتباه والصبر هما من ينقذانك." أمال ليان رأسه وقال: "هل شعرت بالخوف؟" ضحك والده بخفة لكنه أجاب بصدق: "بالطبع شعرت بالخوف، لكن الخوف كان معي دائماً كالظل… لم أهرب منه، بل استخدمته للتركيز. كنت أرى ليو تشنغ يقترب، وأشعر بثقل سلاحه في الهواء… لكنني تعلمت أن القتال الحقيقي ليس بين السيوف فقط، بل بين العقل والقلب، بين الخوف والشجاعة." نظر ليان بعينيه الواسعتين وقال: "أريد أن أتعلم كل ذلك… أريد أن أكون مثل أبي… أن أستطيع مواجهة خصم صعب بدون أن أرتعب." وضع والده يده على كتفه بحنان: "ليان… يومًا ما، ستواجه معاركك الخاصة. لن تكون هناك معارك متشابهة، ولن يكون هناك جنرال ليقودك. لكن ما تعلمته، وما سأعلمك إياه، سيبقيك صامدًا. لا تنسى… الانتباه، الصبر، والعمل مع من حولك… هذه هي أسلحتك الحقيقية."

نظر ليان إلى والده بعينين متوهجتين بالفضول وقال: "أبي… أخبرني الحقيقة… ماذا حدث للجنرال باي تشي في النهاية؟ هل عاش كل هذه المعارك؟" تنهد هاي تشاو، وأصابع يده تضغط على فنجانه، صوته أصبح أبطأ وأكثر حزنًا: "باي تشي… لقد مات في معركة عظيمة، يا بني. كانت معركة ضد مملكة وي، قبل أن نخسر جزءًا من أراضينا. القتال كان عنيفًا… الأرض تهتز تحت أقدام الخيول، والسهام كالمطر تتساقط من السماء، والدماء تختلط بالتراب." نظر ليان بدهشة: "مات؟ كيف؟ ألم يكن قويًا؟" ابتسم والده بمرارة: "كان قويًا… أقوى من أي رجل رأيته في حياتي، لكن حتى الأقوى لا ينجو من القدر. في لحظة، هاجمت وحدات العدو قلب جيشنا… وكان الجنرال يقف في الصفوف الأمامية، يوجه الهجمات ويعيد تنظيم الجنود. سقط فجأة، وسط المعركة، وكل شيء حوله ينهار. لقد خسرنا جزءًا كبيرًا من أراضينا، وكان قلب الجيش محطمًا." أمال ليان رأسه وقال بحزن: "أبي… وهل نجوتَ؟" ضحك هاي تشاو بخفة رغم الألم في عينيه: "نجوت بأعجوبة… كنت بجانب أحد الأصدقاء، استخدمنا التلال والضباب للاختباء والهروب من الهجوم المباشر. كنت محظوظًا، لكن فقدان الجنرال ترك فراغًا كبيرًا في نفوس الجميع… اسمه ما زال يتردد في كل قرية وكل مدينة، في الهواء كما لو كان صدى يذكرنا بالشجاعة." سأل ليان: "هل سمع الجنود الآخرون اسمه بعد موته؟" أومأ والده: "نعم، يا بني… كل جندي يعرف أن باي تشي كان الجنرال الذي لا ينسى. حتى بعد موته، كان اسمه يُرفع في الصيحات أثناء المعارك، يُذكر كرمز للشجاعة والانضباط. الجميع ينظر إلى صورته في ذهنه، ويجد القوة للاستمرار، رغم الخسارة." قال ليان بصوت منخفض وهو يتأمل النار: "أتمنى أن أرى مثله يومًا… أن أصبح قائدًا يُذكر اسمه بعد موته، وأن يروي الناس قصص شجاعته." وضع والده يده على كتف ابنه بحنان: "ليان… ليس الاسم وحده ما يصنع الجنرال، بل ما تزرعه في قلب من حولك. باي تشي أصبح أسطورة لأنه لم يقاتل وحده… لأنه جعل كل جندي يعرف قيمته، ويثق به حتى في أوقات الخطر. إن أردت أن يكون اسمك خالدًا يومًا ما، عليك أن تعلم أن الشجاعة الحقيقية تبدأ بالقلب، ولا تنتهي أبدًا."

جلس ليان على الأرض بجانب والديْه، عيناه تتوهجان بالحماس بعد سماعه كل الحكايات عن المعارك والجنرال باي تشي. حاول أن يبتلع كل التفاصيل، لكنه بدأ يشعر بثقل النوم يغلبه. ابتسمت والدته مين يي وقالت بصوت حنون لكنه حازم: "يكفي قصصًا لهذا اليوم، ليان… الوقت قد تأخر، وعقلك يحتاج إلى الراحة. استعد للنوم الآن، لكي يكون لديك القوة غدًا." تردد ليان قليلًا وهو يتطلع إلى والده: "لكن أبي… أريد أن أسمع المزيد… أريد أن أعرف كيف أقاتل مثل الجنرال…" ضحك والده هاي تشاو بلطف وقال: "صحيح يا بني، قلبك مليء بالحماس… لكن حتى الجنود يحتاجون إلى النوم قبل أن يواجهوا معاركهم. غدًا، سأريك كيفية استخدام السيف، وكيف يتحرك الجندي بثقة بين الصفوف، وكيف يحمي نفسه ويحمي من حوله." لمعت عينا ليان بالحماس، وقال: "غدًا… سأكون مستعدًا، أعدك يا أبي!" ابتسمت والدته وهي تلمس رأسه: "نم الآن، يا صغيري… فالغد سيحمل دروسًا جديدة، ولن تكون مجرد كلمات، بل تجربة حقيقية ستبدأ رحلتك فيها." نظر ليان إلى والده، والشغف يملأ قلبه، وهو يغمض عينيه ببطء: "نعم… سأكون مستعدًا… غدًا سأتعلم القتال… سأصبح أقوى…" ألقى والده نظرة حانية نحو ابنه، وقال في صمت: "ليان… ما تتعلمه غدًا لن يكون مجرد فن القتال، بل درسًا عن الصبر والشجاعة… درسًا سيبقى معك طوال حياتك."

جلس ليان على فراشه، والظلام يغطي زاوية الغرفة، بينما ظل الضوء الخافت من الموقد يتسلل من فتحة الباب. كان قلبه ينبض بالحماس، لكنه أيضًا مليء بالتساؤلات والأفكار التي لم تهدأ بعد من حكايات والده. همس لنفسه: "باي تشي… الجنرال الذي لا يُنسى… كيف استطاع أن يقف أمام كل تلك السيوف والسهام دون أن ينهار؟ كيف جعل الجميع يثقون به حتى في أوقات الخطر؟" أغمض عينيه للحظة، يتخيل السهول والضباب والجنود حوله. "وأبي… كيف نجا من تلك المعركة؟ كيف تحرك بين صفوف الجنود، متجنبًا الموت، متجاوزًا الخوف؟ هل سأكون قادرًا يومًا على فعل شيء مماثل؟" تنهّد ليان بصوت خافت: "الخوف… نعم، شعرت أن والده كان يقول إن الشجاعة ليست غياب الخوف… بل مواجهته… مواجهة كل ما هو صعب رغم القلب المرتجف." ابتسم لنفسه، وكأنه يتحدث إلى والده من الداخل: "أريد أن أتعلم كل شيء، أن أفهم كل درس… كل حركة، كل خطوة، كل خطة… أريد أن أصبح حامي قريتي، كما وعدته لنفسي." جلس لحظة أخرى، مستعرضًا في ذهنه الصور التي رواها والده: التلال الملتوية، الجنود المتحركون كجسد واحد، ليو تشنغ يهاجم بقوة، والجنرال باي تشي يوجّه الصفوف، والسهام والدماء التي تختلط بالتراب… كل تفاصيل المعركة تتراقص أمام عينيه.

تحدث بصوت خافت وكأنه يخاطب والده: "أبي… هل كنت خائفًا في كل المعارك؟ هل شعرت يومًا أن الموت قريب جدًا منك؟" ابتسم ليان لنفسه وتخيل الإجابة: "ربما قال لي: 'نعم، ليان… الخوف موجود، لكن الشجاعة هي أن تتحرك رغم وجوده… أن تواصل القتال حين ينهار كل شيء حولك.'" ثم تساءل: "وأنا… هل سأكون قادرًا على ذلك؟ هل سأتمكن من حماية القرويين إذا هاجمت الممالك الأخرى شينغلي؟"

أغمض عينيه وتذكر كلمات والده: "ليان… القوة ليست في السيف فقط، بل في العقل والقلب… في الصبر والانضباط." همس لنفسه: "سأحاول… سأتعلم كل شيء، كل حركة، كل درس. غدًا سأبدأ التدريب… سأكون مستعدًا." جلس صامتًا، وكأن الظلام حوله يتحول إلى ساحة تدريب، الجنود يتحركون، السيوف تصطدم، والجنرال باي تشي يقف شامخًا. قال بصوت أكثر حزمًا: "ليان… اليوم حلمت بالحرب، وغدًا سأبدأ الرحلة… سأصبح قويًا، سأحمي من أحب… ولن أخاف." ثم استلقى على فراشه، وعيناه تغلقان ببطء، لكن قلبه ظل نابضًا بالإصرار، وكل همسة من نفسه كانت بمثابة عهد على البدء في مسار الشجاعة الحقيقية.

2026/02/26 · 4 مشاهدة · 2445 كلمة
Aymen
نادي الروايات - 2026