في قصر شيانغتشو، عاصمة مملكة تشين العظيمة، كانت القاعات المزخرفة تتلألأ بألوان الذهب والفضة، والستائر الثقيلة تتمايل برفق مع نسيم الليل البارد. الأروقة الطويلة تشهد صمتًا ثقيلًا، يكسره صدى خطوات الوزراء والنبلاء، الذين اجتمعوا في القاعة الكبرى بعد الهزيمة الأخيرة التي فقدت فيها المملكة أراضي غنية وثمينة على حدود السهول الشرقية. رفع الوزير الأكبر صوته المهيب، وتكلم بصوت يملأ القاعة: "يا جلالة الملك… الهزيمة لم تكن مجرد ضربة من العدو، بل نتيجة تراكم الفساد داخل البلاط. بعض المسؤولين استغلوا موارد المملكة، وأهملوا الجيش، وأضعفوا معنويات الجنود في الوقت الذي كانت فيه الممالك الأخرى تضغط على حدودنا بلا رحمة." أومأ الملك وهو ينظر عبر نافذة القاعة إلى أضواء المدينة المتلألئة، وقال بقلق: "لقد سمعت تلك الشائعات… لكن هل يمكن أن يكون الفساد قد وصل إلى حد التأثير على نتائج المعركة نفسها؟" تقدم قائد الجيش الأكبر، ويده ترتجف قليلًا من الغضب: "نعم يا مولاي… بعض الأوامر لم تُنفذ كما كان مقررًا، والمؤن لم تصل إلى الصفوف الأمامية في الوقت المناسب. الجنود شعروا بأن القيادات في البلاط قد تخاذلت… وهذا أضعف موقفنا تمامًا، خصوصًا أمام هجمات العدو المتكررة." اعترض أحد المستشارين بصوت حاد: "ليس هذا فقط، يا مولاي… بعض النبلاء استغلوا النفوذ لابتزاز التجار وتحويل الموارد لمصالحهم الشخصية. الجنود لم يعودوا يثقون في أوامر القادة الذين لا يعرفون الواقع على الأرض." تنهد الملك بعمق، وأمسك بعمامة ذهبية تزيّن رأسه: "كل هذا يجعل الهزيمة أكثر مرارة… لقد فقدنا الأراضي، لكن الخطر الأكبر يكمن في قلوب شعب تشين… إذا تآكلت الثقة بين القادة والجنود، ستنهار المملكة من الداخل قبل أن يقترب العدو." قال وزير آخر بصوت منخفض لكنه محمّل بالمرارة: "بعض القادة الجيدين حاولوا إصلاح الوضع، لكن الفساد متغلغل… كل قرار يُتخذ في البلاط الآن مشوب بالمصلحة الشخصية، ولا أحد يفكر في سلامة المملكة أو أمن العاصمة." اقترب الملك من منضدة كبيرة مزينة بالخرائط القديمة للسهول والأنهار، ووضع يده على الخريطة التي تُظهر الحدود المفقودة: "علينا إعادة الثقة، وإعادة النظام… الجيش يحتاج إلى قيادة صادقة، والنبلاء يحتاجون إلى تذكير بأن الولاء للمملكة أهم من أي مكسب شخصي. وإذا استمر الفساد… فلن يبقى شيء من تشين لنحميه." جلس الجميع صامتين، والهمسات تتسلل بينهم عن المكائد والخيانة، والقلق يرسم خطوطه على وجوههم. كان الصمت يملأ القاعة كما لو أن جدران شيانغتشو نفسها تئن تحت وطأة الحقيقة المرّة: المملكة التي حاربت بشجاعة على السهول، تتراجع الآن ليس بسبب العدو فقط، بل بسبب نفوس أولئك الذين يجب أن يكونوا درعها ودرع شعبها. ثم قال أحد القادة بصوت منخفض لكنه حاد: "يا مولاي… إن لم نستعد بسرعة، فإن الممالك الأخرى لن تمنحنا فرصة ثانية. فساد البلاط لا يمكن أن يبقى… يجب أن نعيد النظام قبل أن ينهار كل شيء." نظر الملك إلى وجوه الجميع وقال بحزم: "غدًا، سأجتمع مع كل القادة، وسنضع خطة لإصلاح البلاط، وحماية الحدود، وإعادة روح تشين إلى قلوب الجميع… لا شيء سيقف في طريق عظمة هذه المملكة، ولن ندع اسم تشين يطوى بين صفحات التاريخ كذكرى مهزومة."
قال الوزير الأكبر وهو يمسح جبينه المتعرق: "يا مولاي… إن استمرار الفساد في البلاط لن يترك لنا فرصة للعودة إلى قوّتنا. الجنود في الحدود يتذمرون، والإمدادات تتأخر، والمستشارون المتخاذلون يضعون مصالحهم فوق مصلحة المملكة." أومأ الملك ببطء وقال: "أعلم ذلك… لكن هل هناك من يتحمل المسؤولية ويعمل على إصلاح الوضع؟ هل يمكننا أن نثق بمن حولنا؟" ابتسم أحد القادة العسكريين وقال بصوت حازم: "نعم، يا مولاي… هناك من يسعى لإعادة النظام. لكن يحتاج الأمر إلى قرار حاسم منك، لأن الفساد انتشر كالعشب البري، ولا يمكن للجنود أن يثقوا بالقادة إلا إذا رأوا العدالة في أفعال البلاط." رفع الملك حاجبيه وسأل بصوت منخفض: "والمعارك الأخيرة؟ هل الخسائر على الحدود هي السبب الوحيد، أم أن هناك تقصيرًا من القادة أنفسهم؟" قال الوزير الأكبر بصرامة: "كل شيء مترابط، يا مولاي… العدو كان قويًا بلا شك، لكنه لم يكن لينتصر بهذه السهولة لو لم يكن هناك تقصير داخلي… أوامر غير منفذة، إمدادات متأخرة، وانقسامات بين المستشارين… كل ذلك ساهم في ضعفنا." اقترب أحد المستشارين الكبار وقال وهو ينحني قليلًا: "الجلالة… يجب أن نعيد الثقة، ليس فقط في الجيش، بل في كل أركان البلاط. لا يمكن أن يستمر النظام على هذه الحال… وإلا سنفقد كل شيء." تنهد الملك، ووضع يده على خريطة الحدود، وقال بحزم: "غدًا سأجتمع مع القادة مرة أخرى، وسنضع خطة صارمة لإعادة النظام، وتوزيع المسؤوليات، والتأكد من وصول الموارد إلى الجنود في الوقت المناسب. لا مجال للتقصير بعد الآن." قال القائد العسكري الأكبر: "يا مولاي… أرجو أن تمنحنا أيضًا صلاحيات أكبر في اتخاذ القرارات أثناء المعارك، لأن التأخير من البلاط قد يكلفنا الأرواح." ابتسم الملك نظرة شديدة وقال: "ستحصلون على تلك الصلاحيات، لكن بشروط… لن يسمح أحد بأن يستخدم السلطة لتحقيق مصالحه الخاصة. من يثبت تقصيره سيكون أول من يُحاسب." ثم تكلم الوزير الأكبر بصوت منخفض لكنه مليء بالمرارة: "مولاي… الشعب ينتظر، والجنود في الحدود يتطلعون إلى قيادة صادقة… إذا لم نتحرك الآن، فإن سمعة تشين ستنهار كما انهارت أراضينا في الهزيمة الأخيرة." هز الملك رأسه وقال: "أعلم… وسأفعل كل ما بوسعي. لن أسمح لتشين أن تصبح ذكرى مهزومة، ولن أدع الفساد يسرق مجد المملكة." جلس الجميع صامتين، والأفكار الثقيلة تتراقص في أذهانهم، بينما كان قصر شيانغتشو يكتوي بنور الشموع وظلالها الطويلة، كأنها تحاكي كل قلق وخوف وهمس من داخل البلاط. كانت الليلة تمثل بداية خطة جديدة، وعدًا بالإصلاح، ولكن الطريق أمامهم كان محفوفًا بالتحديات والخيانة، وكل كلمة نُطقت في المجلس كانت تحمل وزن مصير المملكة بأكملها.
في قاعة العرش الكبرى بقصر شيانغتشو، كانت الأضواء الخافتة للشموع ترقص على الجدران المزخرفة، والهواء مثقل بروائح البخور والدهون المحروقة. الملك وين تشانغ، وقد بدا عليه التعب، تقدم ببطء نحو العرش، ممسكًا بعصاه المزخرفة، وعيناه نصف مغلقتين. قال بصوت متعب لكنه واضح: "اجلسوا جميعًا… دعونا نناقش مستقبل المملكة." جلس الملك على العرش، والوزراء والمستشارون يقفون أمامه في صفوف منتظمة. ومع مرور الوقت، بدأ المرض يزداد سوءًا؛ وجه الملك أصبح شاحبًا، وصوته يتقطع، وعيناه تلمعان بمزيج من الألم والإرادة. رفع الوزير الأكبر حاجبه وقال بحذر: "يا مولاي… هل أنت بخير؟ هل نحتاج إلى إرجاء الاجتماعات إلى وقت آخر؟" هز الملك وين تشانغ رأسه ببطء: "لا… لا يمكننا التأجيل… الأرض تحتاج إلينا… الممالك الأخرى لن تنتظر… حتى لو كان جسدي ضعيفًا، يجب أن أقف هنا اليوم." تنهد القائد العسكري الأكبر وقال بصوت صلب: "يا مولاي… الجيش يحتاج إلى توجيهك… إذا ساءت صحتك أكثر، فلن نعرف كيف نحمي حدود المملكة." أجاب الملك بصوت متقطع، كأنه يصرخ من داخل الألم: "سأقف… سأبقى هنا… تشين لن تنهار… لن أسمح بذلك…" جلس الجميع في صمت، والهمس يملأ القاعة، كل واحد يشعر بثقل اللحظة، لكن لم يجرؤ أحد على تحدي الملك أو التحدث بصوت أعلى من صوته المرهق. في زاوية مظلمة من القاعة، وقف أحد رجال البلاط الفاسدين، ينظر إلى الملك بعيون باردة وابتسامة خفية على شفتيه. همس لنفسه بصوت منخفض: "أيام قليلة… أيام قليلة فقط… وسيسقط وين تشانغ… ضعفه اليوم هو فرصتي. كل هذا الفساد، كل التراخي… سيجعل المملكة تنهار، واسم الملك سيصبح مجرد ذكرى." سار بخفة بعيدًا عن العرش، يراقب الحاضرين دون أن يلفت أحد انتباهه، وابتسامة الخيانة تعلو وجهه، كأن الظلام حوله يوافقه على خططه. في الوقت نفسه، ظل الملك وين تشانغ على العرش، وجهه شاحبًا، وعيناه تتأمل الحاضرين بصعوبة، لكنه ألقى نظرة حازمة، كأن إرادته تصارع المرض نفسه: "تشين… حتى لو ضعفت، ستبقى عظيمة… ولن أسمح لأي عدو، داخلي أو خارجي، أن ينال منها." القلوب في القاعة تراقب، بعضهم بالخوف، وبعضهم بالدهاء، والليل في شيانغتشو يحمل بين جدرانه صمتًا مميتًا، وأحلامًا متباينة؛ أحلام الملك وين تشانغ بالحفاظ على المملكة، وأحلام الفاسدين بانهيارها.
في قاعة العرش الكبرى بقصر شيانغتشو، كان ضوء الشموع يتراقص على الجدران المزخرفة، والجو مشحون بالتوتر. الملك وين تشانغ جلس على عرشه، وجهه شاحب وعيناه متعبتان، بينما الوزراء والنبلاء يراقبونه بقلق. تنهد الملك بصوت منخفض لكنه واضح: "أعلم أن جسدي يضعف… أشعر بأن نهايتي قد اقتربت… ولم يعد بإمكاني حمل أعباء المملكة كما كنت أفعل." هز الوزير الأكبر رأسه بحذر: "يا مولاي… علينا أن نكون صادقين معك… وضعك يثير القلق في صفوف البلاط والجيش. إذا استمرت حالتك على هذا النحو، فقد نفقد التوازن في المملكة." أجاب الملك بصوت خافت، يمزج بين الألم والإرادة: "أعلم… كل دقيقة تمر أشعر بثقل السنين… وكل يوم يمر يزيد من شعوري بأنني قد أغادر هذا العالم قبل أن أرى تشين آمنة." تنهد القائد العسكري الأكبر وقال: "يا مولاي… يجب أن نفكر في المستقبل. من سيحكم المملكة إذا غادرت؟ الملكة والوزراء قد لا يكونون كافيين للحفاظ على تماسك الدولة." صمتت القاعة، والهمس يملأ الزوايا. ثم تكلم أحد المستشارين بصوت منخفض: "يا مولاي… يجب أن نعد خطة واضحة للخلافة… لا يمكن أن تبقى المملكة بلا قائد بعد رحيلك." رفع الملك وين تشانغ يده، وجلس ببطء، متأملاً الجميع: "الآن… سأكون صريحًا معكم. بيني، ولديّ من حريمي أبناء… أحدهما في الثانية عشرة، واسمُه ليو جيان، والآخر في الثامنة، واسمُه جيان هاو." همس الوزير الأكبر: "أبناؤكم… ولكن ماذا عن الحكم؟ هل يمكن لهذين الصغيرين تحمل مسؤولية المملكة في هذا السن؟" ابتسم الملك ابتسامة حزينة وقال: "لن يكون القرار سهلاً… لكنهما وريثا دمي وروحي. سأعلمهما كل ما أستطيع قبل أن أغادر… وكل يوم يعد ثمينًا. وسأضع الثقة في القادة الصادقين هنا ليحموا المملكة حتى يكبرا ويكونا مستعدين للحكم." تبادل الحاضرون النظرات، بعضها بالقلق وبعضها بالحذر، بينما ظل الملك وين تشانغ جالسًا على العرش، وجهه شاحب لكن عينه مشتعلة بالعزم، وكأن إرادته تقول: "حتى لو اقتربت نهايتي… مستقبل تشين سيبقى في أيدٍ صالحة… ولو كان وريثي صغارًا، فإن الأمل سيكبر معهم."
قال الملك بصوت خافت لكنه مشبع بالثقل: "أريد أن أصف لكم أولادي… كي تفهموا المسؤولية العظيمة التي تنتظرهم، والمسؤولية التي عليكم أن تحموها." ابتسم الملك وهو يستعيد صور الولدين في ذهنه: "ابني الأكبر، ليو جيان، في الثانية عشرة من عمره… عيون ليو تتوهج بالذكاء، وابتسامته تكشف عن شجاعة فطرية. لديه روح قائد منذ نعومة أظافره، لكنه لا يزال يفتقر إلى الخبرة. عندما يشاهد والده يحارب أو يتخذ قرارات صعبة، يظهر في عينيه بريق الفضول والاصرار، كأنه يتدرب سرًا على حمل عبء المملكة يومًا ما." تنهد الوزير الأكبر وهو يراقب الملك: "نعم يا مولاي… ذكاؤه وشجاعته يعطيان الأمل… لكنه يحتاج إلى توجيه مستمر، وإرشاد حكيم، كي يتحول الفضول والطموح إلى قيادة صلبة." تابع الملك، صوته أصبح ألين وأحمل بالحنان: "أما أصغر أبنائي، جيان هاو، عمره ثماني سنوات… قلبه نقي وطيب، وروحه مرنة وحيوية. ابتسامته تحمل دفءً يجعل الجميع يشعر بالأمان حوله، لكن في عينيه يظهر أحيانًا خوف الطفل من الظلام الكبير الذي يحيط بالمملكة… يحتاج إلى من يعلّمه الصبر والحكمة، كي يتحول هذا الخوف إلى قوة حقيقية." جلس القائد العسكري الأكبر متأملًا، وقال: "يا مولاي… هل قررتم من سيتولى الوصاية عليهما؟ من سيحميهما ويعلمهما فنون الحكم والشجاعة حتى يكبرا؟" نظر الملك إلى الحاضرين، وعيناه تحملان ثقل السنين والحكمة: "لقد فكرت كثيرًا… والديّ، اللذان عرفا معنى الوفاء والشجاعة، سيكونان الوصيين على ليو جيان وجيان هاو. سيحميانهما، يوجهانهما، ويعلّمانهما كل ما يحتاجانه ليصبحا قادريْن على قيادة المملكة، حتى يكبرا ويصبحا أهلًا لتحمل المسؤولية." ابتسم الوزير الأكبر وقال: "قرار حكيم يا مولاي… وجود الجدين سيمنحهما الأمان والاستقرار، وسيضمن استمرار حكم تشين رغم صغر سنهما." أومأ الملك وين تشانغ بعزم، وقال: "من اليوم فصاعدًا، كل خطوة سأخطوها ستكون لضمان مستقبل المملكة، ولحماية أولادي. حتى لو غادرت هذا العالم قريبًا، فإن المستقبل سيكون بين يدي ولديّ… وسيكبران، وسيتحملان عبء المملكة بقلوب قوية، ويحملان راية تشين بشجاعة وعزم." جلس الجميع في صمت، والهمس يملأ القاعة بين الوزراء، يتبادلون الأفكار عن كيفية دعم الوصيَين، وكيفية الحفاظ على استقرار المملكة في ظل هذا التحول الكبير. وكان الجو في القاعة مزيجًا من القلق والعزم، وكأن جدران شيانغتشو نفسها تنتظر خطوات الحاضر والمستقبل، خطوات ستحدد مصير المملكة ووريثيها الصغيرين، الذين يحمل كل منهما بريق أمل مختلف: ليو جيان بعيناه المتقدتان بالذكاء والشجاعة، وجيان هاو بابتسامته التي تمنح الأمان، وكأن كل واحد منهما يمثل نصف روح تشين، ووعودها للمستقبل.
في فجر صافٍ، تلال سهول شينغلي الذهبية تمتد بلا نهاية، تتمايل أعشابها مع نسيم الصباح البارد، والضوء الأول للشمس يلمع على قطرات الندى كحبات لؤلؤ متناثرة على الأرض. في قلب هذه السهول، وقف ليان ممسكًا بسيفه الخشبي، والده هاي تشاو أمامه، عيون الرجل حادة وملؤها الصرامة والحكمة، بينما الهواء يملأ الرئتين برائحة التراب الرطب والعشب الطازج. قال والده بصوت هادئ لكنه حازم، وهو يلوح بسيفه الخشبي بخفة: "ليان… السيف ليس مجرد خشب في يدك… إنه امتداد لقلبك، لعقلك، لروحك. كل حركة تعكس من أنت… تعلم أن تشعر به، وليس فقط أن تراه." رفع ليان سيفه وقال بتردد: "أبي… أحيانًا أشعر أنه ثقيل… وأنني أضيع السيطرة عندما أسرع في الضرب." ابتسم والده، خطواته تثقل الأرض بعزم، وأوضح: "القوة بلا توازن كالريح العاتية… ستقودك إلى السقوط. انظر إلى قدميك… الأرض هنا، على هذه السهول، هي أساسك. إذا لم تكن ثابتًا، فلن تصل ضربتك إلى هدفها، ولن يحميك سيفك." تمهل ليان، محاولًا تثبيت قدميه بين أعشاب السهول الطويلة، وقال: "سأحاول يا أبي… سأركز أكثر على التوازن." ضحك هاي تشاو بخفة وقال: "جيد… لكن تذكر، العدو ليس مجرد جسم أمامك… عليك أن تشعر بحركته، قبل أن يهاجمك. السيف لا يقطع فقط… بل يحميك أيضًا، ويجعل ذهنك يقظًا." انحنى ليان قليلاً، محاولًا تقليد حركة والده، وسأل: "أبي… كيف أعرف متى أهاجم ومتى أدافع؟ أحيانًا كل شيء يحدث بسرعة كبيرة." ابتسم والده وقال: "المعركة لعبة صبر وملاحظة… العدو يكشف عن نفسه في أدق التفاصيل: عينيه، تنفسه، حركة كتفيه… إذا انتبهت جيدًا، ستعرف متى تضرب ومتى تحمي نفسك. السيف أداة العقل قبل أن يكون أداة القوة." تنهد ليان وقال: "أحيانًا أشعر أنني لن أكون قويًا… لن أتمكن من القتال مثل الجنود أو مثل باي تشي." وضع والده يده على كتف ابنه وقال بحنان وحزم: "ليان… القوة الحقيقية ليست في العضلات فقط، بل في القلب والعقل. الجنود الأقوياء يعرفون متى يهاجمون، ومتى ينتظرون… تذكر، السيطرة على روحك قبل السيف، وسيأتي البقية طبيعيًا." رفع ليان سيفه مرة أخرى، وعيناه تتوهجان بالإصرار: "سأراقبك جيدًا، أبي… سأتعلم كل حركة… سأصبح يومًا ما قويًا مثل باي تشي!" ابتسم هاي تشاو وقال: "ستصبح يا بني… كل درس تتعلمه اليوم سيصبح جزءًا منك غدًا… كل خطوة، كل هجوم، كل دفاع… كلها ستشكل روحك وسيفك. الآن، لنبدأ مرة أخرى… هجوم… دفاع… خطوة… توازن…" تقاطع السيفان بين أعشاب السهول، ووقع أقدامهما على الأرض يخلّف صوتًا متماوجًا مع نسيم الصباح. العرق يلمع على جبين ليان، والضحكات والنصائح تتسلل مع الهواء، كأن كل ضربة وسيف وصوت والده يزرع في قلبه بذور الشجاعة، ويعلّمه أن يصبح حامي شينغلي، ليس بالقوة فقط، بل بالعقل والروح أيضًا.
بعد ساعات من التدريب الشاق، جلس ليان ووالده هاي تشاو على تلة منخفضة تطل على سهول شينغلي الممتدة، حيث الريح تداعب أعشابها الذهبية، والطيور تعود إلى أعشاشها، والسماء تتلون بألوان الغروب الدافئة. كان ليان يتنفس بعمق، ويده ما زالت تمسك بالسيف الخشبي، بينما والده يجلس بجانبه، ممسكًا بكأس ماء بسيط من الجلد. قال ليان وهو ينظر إلى الأفق: "أبي… أشعر أحيانًا أن السيف ثقيل عليّ، وكأن كل حركة تحتاج إلى قوة لا أملكها بعد." ابتسم هاي تشاو وهو يمد يده ليضعها على كتف ابنه: "ليان… السيف لا يُقاس بالعضلات فقط، بل بالعقل والهدوء. السرعة والقوة بلا تركيز لا تعني شيئًا. أحيانًا، أعظم الضربات تأتي من الهدوء، من انتظار اللحظة المناسبة." نظر ليان إلى والده بفضول: "ولكن كيف أعرف متى هي اللحظة المناسبة؟ أحيانًا العدو يتحرك بسرعة، وأشعر أنني أفقد فرصتي." ضحك والده بخفة وقال: "هذا سر القتال، يا بني… الملاحظة. كل حركة صغيرة من العدو تعطيك مفتاحًا، عينه، كتفه، تنفسه… إذا تعلمت قراءة هذه العلامات، سيصبح السيف امتدادًا لك، وكأنك تعرف كل ما يفكر فيه العدو قبل أن يحرك يده." تنهد ليان وقال: "أحيانًا أشعر أنني بعيد جدًا عن أن أصبح قويًا مثل الجنود الذين رأيتهم… أو مثل باي تشي." ابتسم هاي تشاو بابتسامة دافئة وقال: "ليان… القوة الحقيقية ليست في السيف وحده… بل في قلبك وروحك. الجنود الأقوياء هم من يعرفون متى ينتظرون، ومتى يهاجمون… ويعرفون أن الانتصار يبدأ في عقلهم قبل أن يظهر على ساحة المعركة." جلس ليان صامتًا، وهو يتأمل سهول شينغلي، ورائحة العشب الطازج تملأ رئتيه، والنسيم البارد يداعب وجهه. قال بصوت خافت: "أبي… أعدك أنني سأتعلم كل ما يمكن أن تعلمه لي… سأصبح أقوى… ليس فقط بالسيف، بل بالقلب والعقل أيضًا." نظر هاي تشاو إلى ابنه بعينين مليئتين بالفخر والحنان: "وأنا واثق، يا بني… كل درس اليوم وكل ضربة تخطوها على هذه السهول ستصنع منك قائدًا يومًا ما. والآن، استرح قليلًا… فالقوة تحتاج إلى صبر، والجسم يحتاج إلى راحة، كما يحتاج القلب إلى الإيمان بما ستصبح." جلسا معًا في صمت مفعم بالهدوء، ينظران إلى الأفق حيث الشمس تودع السماء، وكأن كل شعاع منها يهمس بأن رحلة ليان نحو القوة بدأت للتو، وأن كل لحظة مع والده ستزرع في قلبه شجاعة وحكمة لا تُقدّر بثمن.
بين سهول شينغلي الممتدة تحت شمس العصر الذهبي، جلس ليان ووالده هاي تشاو قرب جدول ماء صغير يتلألأ تحت ضوء الشمس. السيف الخشبي بجانب ليان، وعيناه تلمعان بالحماس، بينما الهواء يحمل رائحة العشب والندى ويملأ الرئتين بطاقة الحياة. نظر ليان إلى والده بعزم وقال: "أبي… أريد أن أصبح أعظم جنرال لهذه المملكة… أريد أن يذكر اسمي بين أبطال تشين، وأن يعرف الجميع أن ليان كان من أقوى من حملوا السيف." ابتسم هاي تشاو بحذر، ثم قال: "ليان… الطموح جميل، لكنه يحتاج إلى أكثر من قوة وسرعة. الجنرال العظيم ليس من يعرف كيف يقاتل فقط، بل من يعرف كيف يقود، كيف يخطط، وكيف يحمي الناس. هل أنت مستعد لكل ذلك؟" أجاب ليان بثقة: "نعم يا أبي… أريد أن أتعلم كل شيء منك… أريد أن أفهم فنون القتال، والتكتيكات، وحتى حكم العقل على المعركة… سأصبح قويًا لأجل المملكة." تنهد هاي تشاو وأمال رأسه قليلًا، يراقب ابنه وهو يتحدث بعينين متوهجتين: "القوة وحدها لن تصنع جنرالًا… تحتاج إلى الصبر، إلى فهم الرجال الذين يقاتلون معك، وإلى احترام الأرض والوقت. الجنرال العظيم يعرف أن كل ضربة وسيف وكل قرار يحمل حياة الكثيرين… هل تستطيع حمل هذه المسؤولية؟" نظر ليان إلى الأفق، حيث الشمس تنحدر ببطء، وقال بحزم: "سأستطيع… سأتعلم من كل هزيمة، وسأصبح أقوى من كل عدو… سأحمي تشين مهما كان الثمن… وسأكون الجنرال الذي لم تره المملكة من قبل." ابتسم والده وأخذ نفسًا عميقًا: "إيمانك جميل يا بني… لكن تذكر، القوة الحقيقية تأتي من قلب صادق، وعقل يقظ، وروح لا تتزعزع. سنبدأ تدريبات أكثر صعوبة، وستتعلم ليس فقط أن تضرب، بل أن تقرأ المعركة وتعرف متى تتحرك ومتى تنتظر… هل أنت مستعد لذلك؟" رفع ليان رأسه وأومأ بثقة: "نعم يا أبي… أنا مستعد. سأصبح جنرال تشين الأعظم… وسأجعل المملكة فخورة بي." ابتسم هاي تشاو بعينين مليئتين بالفخر والحنان، وقال بصوت هادئ: "إذن لنبدأ، يا بني… فكل لحظة تمر هي فرصة لتعلم شيء جديد… وكل خطوة تقطعها اليوم تقربك من حلمك… حلم أن تصبح أعظم جنرال عرفته ممالك تشين."
غربت الشمس وراء تلال سهول شينغلي، ملقية على الأعشاب الذهبية وهلال السماء أحمر دافئًا، وكأنها تختم يومًا مليئًا بالتدريب والدروس. جلس ليان ووالده هاي تشاو لبرهة، يستنشقان هواء المساء العليل، قبل أن يقوم والده ويضع يده على كتف ابنه. قال هاي تشاو بصوت حنون: "حان وقت العودة إلى المنزل يا بني… النهار قد أطالنا هنا، والليل يقترب بسرعة." نهض ليان، ممسكًا بسيفه الخشبي، وقال: "أبي… اليوم تعلمت الكثير… أشعر أنني أقترب خطوة من أن أصبح قويًا…" ابتسم والده وقال: "وهذا فقط البداية، ليان… التدريب ليس فقط اليوم، بل كل يوم… كل خطوة على هذه السهول تمنحك الخبرة. تذكر، القوة الحقيقية تأتي من المثابرة، ومن قلب يعرف الصبر." تحركا معًا على طول الطريق الترابي الذي يؤدي إلى القرية، والهواء المسائي يحمل رائحة الأعشاب المبللة بندى المساء. قال ليان متأملًا: "أبي… هل تعتقد أنني يومًا سأصبح جنرالًا أعظم من باي تشي؟" نظر هاي تشاو إلى الأفق، حيث تلاشت أشعة الشمس الأخيرة بين التلال، وقال: "ليان… ليس المهم من هو الأعظم في نظر الآخرين… المهم أن تكون أعظم نسخة من نفسك. الجنرال العظيم يعرف متى يقاتل ومتى يحمي شعبه… ومع الوقت، ستفهم ذلك بنفسك." تقدم ليان خطوة، متثاقلاً من التعب، وقال: "أشعر أن جسدي لا يستطيع أكثر… ساقاي تؤلمانني…" ابتسم والده، وأمال ظهره ليتحمل وزن ابنه الصغير، فقال: "إذاً سأحملك، ليان… حتى تصل إلى المنزل بسلام." حمل هاي تشاو ابنه على كتفيه، ليان مسترخٍ، وعيناه نصف مغلقتين من التعب، والسيف الخشبي مربوطًا على ظهره. خلال الطريق، همس ليان: "أبي… شكراً لأنك دائمًا بجانبي…" ابتسم والده وقال بصوت دافئ: "أنا هنا دائمًا، ليان… ليس فقط لأعلمك القتال… بل لأعلمك أن الشجاعة الحقيقية هي حماية من تحب، والحفاظ على ما هو مهم." ومع اقترابهما من بيتهم الصغير وسط سهول شينغلي، غابت آخر أشعة الشمس، وساد هدوء الليل، وغطى ليان في نوم عميق على كتف والده، يحمل معه أحلام القوة والشجاعة، وحب الأب الذي يرافقه في كل خطوة على طريق أن يصبح يومًا ما جنرالًا أعظم لمملكة تشين.