م.م: يبدا الفصل بفلاش باك روكي أو المبتدأ.
الفصل 294: الخارج (1)
في ذلك البرج، كان ملك العالم مسجونًا.
في البداية، لم يكن سوى قرية. القرية التي بناها أولئك الذين فرّوا إلى الصحراء كانت تفتقر إلى كل شيء. وكان من الطبيعي أن تفتقر. وقبل كل شيء، كان المورد الأكثر حاجة هو الماء.
أجرى القائد، وهو شامان، طقسًا لاستجلاب الماء. وللحفاظ على جدولٍ واحدٍ ضئيل الجريان، كان عليه أن يتحكم بماناه باستمرار دون أن يغادر ذلك الموضع. وبهذه الطريقة نجت القرية ونمت تدريجيًا، لكن كل ذلك كان قائمًا على تضحية الشامان.
لو اختفى الشامان، لاختفت القرية أيضًا. عمر الإنسان ليس أبديًا، ولذلك كان لا بد من وجود خلفاء باستمرار. كان الأطفال الذين يُظهرون موهبة في التحكم بالمانا يُدرَّبون، ويُشاد بهم بلا انقطاع بوصفهم القادة المستقبليين وحماة القرية.
وهكذا، وُلد شامانات جدد، وماتوا، ووُلدوا من جديد، مرارًا وتكرارًا—إلى أن ظهر يومًا طفل بموهبة استثنائية لا سابقة لها.
تحوّل الجدول الصغير إلى نهر. نمت الغابة، وازدهرت المحاصيل. وعلى خلاف الشامانات السابقين الذين لم يتمكنوا إلا من استجلاب الماء، بدأ الطفل يُغيّر البيئة ذاتها، مستخدمًا تحكمًا دقيقًا بالمانا لا يمكن لعامة الناس حتى أن يحلموا بتقليده. كان المطر يهطل في الوقت المناسب تمامًا، وتهب الرياح بأمره. وصنع الطفل دمى عملاقة من التراب والحجر، وشكّل الأرض عبر تحريكها.
اتسعت الأرض الخصبة المورقة، ونمت القرية لتصبح مدينة. وفي الوقت ذاته، بدأ الناس يخشون فقدان كنزهم الثمين. لو اختفى الطفل، لآلت المدينة إلى الخراب. وحتى لو كدّوا طوال اليوم اعتمادًا على الجدول الصغير، لما بلغ حصادهم نصف ما هو عليه الآن.
"سنحميك."
كبر البيت الصغير الذي يسكنه الشامان تدريجيًا. وبُنيت جدران شاهقة حول القصر. ومُنع الغرباء منعًا باتًا من الاقتراب حتى.
وبطبيعة الحال، مُنع الطفل من الخروج. وعلى عكس الشامانات السابقين، كان يملك قوة تكفي لازدهار المدينة حتى لو جاب خارجها بحرية، لكن بذريعة التقاليد والأخطار الخارجية، أُبقي حبيس المنزل.
ومهما بلغ لطف الطفل، فلا بد أن السخط نما في داخله. غير أنه مع تكرار الكلمات ذاتها على مسامعه من عدد لا يُحصى من الناس، بدأ يؤمن بها ويتبعها كأنها الحقيقة.
لكن في النهاية—
"هناك كنز مخفي في الصحراء."
رغم جهود أهل المدينة، انتشر خبر التحول الغامض بعيدًا. كنز يحمل قوة الازدهار، يُحوّل الصحراء إلى خضرة. لم يكن أسطورة قديمة ولا إشاعة واهية. فقد شهد كثيرون بأعينهم كيف تغيّرت الأرض بالكامل خلال ما يزيد قليلًا عن عقد من الزمن.
وبطبيعة الحال، ظهر حكّام جشعون. في البداية، بدأ الغرباء يزورون المدينة بوتيرة أكبر. ثم جاءت الأخبار بأن الجيوش بدأت تتحرك. هرع المواطنون إلى الطفل، الذي بلغ سن الرشد دون أن يتغير مظهره، يتوسلون إليه أن يستخدم قوته لحماية المدينة.
فاستجاب لرغبتهم، وصنع دمى قوية. بعضها لم يتجاوز عشرات السنتيمترات، لكنها كانت فائقة السرعة، وبعضها الآخر كان هائلًا مهيبًا، يبلغ ارتفاعه عشرات الأمتار.
لم تجرؤ الجيوش على الهجوم. وبدلًا من ذلك، أرسل الحكام مبعوثين إلى القصر حيث يعيش الطفل. وفي ليلة مظلمة، متسللًا بصمت من أعين الحراس، اقترب رسول من الطفل وسأله،
"لماذا يُحتجز من يملك مثل قوتك في مكان كهذا؟"
ورغم أن الطفل كان يستطيع المغادرة متى شاء، وأن يعيش بحرية ويتمتع بكل ما يقدمه العالم، أجاب كما لو أن الأمر بديهي تمامًا،
"إذا تحملتُ وحدي، فسيكون الجميع سعداء."
كان الأطفال الموهوبون يُعلَّمون هذا دائمًا، ليظل الشامانات مقيّدين عبر الأجيال. بتضحية واحد، يحيا الجميع. ذلك هو الصواب. إنجاز نبيل وعظيم.
فقال الرسول،
"في هذه المدينة، يوجد في أقصى تقدير عشرة آلاف نسمة. أما في أمة عظيمة، فهناك عشرات الملايين. ووفقًا لمنطقك، أليس من الواجب التضحية بسكان هذه المدينة الصغيرة لأجل الأمة العظمى؟"
تردد الطفل، ثم أومأ ببطء. كان الرسول على حق.
بنى الحكام للطفل بناءً شاهقًا، برجًا عظيمًا. زُيّن داخله بأفخر الزخارف، بينما أُحكم إغلاق خارجه فلا يدخله أحد. وعلى ارتفاعٍ يستحيل بلوغه، تركوا نافذة صغيرة واحدة. ومجّدوا الطفل بوصفه أعظم ملك في العالم، وتمنوا له ازدهارًا أبديًا.
ومع مرور الزمن، صار العالم أكثر وفرة. واتسع نطاق قوة الطفل، حتى عمّت بركته العالم بأسره.
تجاوز الأمر مجرد الرفاهية—فقد تولّت الدمى الصغيرة الأعمال التي كان البشر يؤدونها. صار عالمًا أشبه بالفردوس، حيث لا يحتاج الناس إلا إلى الاستمتاع بالحياة.
مرّت مئات السنين، ثم تجاوزت الألف. أصبح الملك في البرج أسطورة. وفي كل عام، كان يُقام مهرجان تكريمًا له، وتُقدَّم عبارات الامتنان، لكن لم يشكك أحد في حقيقة وجوده.
'إن الثلج يتساقط.'
خلف النافذة العالية جدًا، كانت رقاقات الثلج ترقص بهدوء مع الريح. وبعضها كان ينجرف إلى الداخل.
الداخل الذي كان يومًا فاخرًا تآكل وبهت منذ زمن بعيد. تعفّنت الجدران المغطاة بالحرير، وانهارت الأعمدة الخشبية المزخرفة بدقة. ولم يبقَ قائمًا سوى البرج نفسه، المشيّد بأقسى الحجارة، والمصنوع بعناية قصوى على أيدي أمهر الحرفيين في عصره—حاملًا آثار الزمن لكنه ما يزال صامدًا.
بقوة الطفل، كان يمكن إعادة كل شيء كما كان تمامًا. بل كان من الممكن جعله أكثر فخامة. لكنه لم يستخدم قوته لنفسه. كل قدراته، فيما عدا ما يضمن البقاء، كانت تُستخدم لأجل من هم في الخارج.
لأن ذلك هو الصواب والواجب.
حتى وهو يتطلع بشوق إلى رقعة السماء الوحيدة خلف النافذة، لم يحاول أن يجعلها ملكًا له. كان يرحّب فقط برقائق الثلج التي تدخل بطبيعتها. ولهذا أحب الشتاء. فعلى خلاف ماء المطر، يمكن للثلج أن يتراكم ويُغرف بين يديه.
ومضى الزمن مرة أخرى. كان عالمًا وُجدت فيه الوحوش السحرية دائمًا. لكن في مرحلة ما، بدأت تلك الوحوش تزداد قوة. حملت الدمى السلاح وهزمتها، لكن الأضرار كانت تتزايد بإستمرار. نما التذمر بين الناس، وبدأ القلق يتسلل إلى قلب الطفل. وفي إحدى الليالي—
[أنت تمتلك قوة مذهلة على نحو استثنائي.]
تسلل ضوء القمر عبر النافذة. كان فضيًا، ساطعًا ومشعًا على نحو يفوق ما يمكن لهلالٍ صغير في السماء أن يمنحه.
[أنت وحدك، في هذا العالم.]
همس ضوء القمر بلطف. كان صوتًا بالغ العذوبة والجمال. حدّق الطفل، مأخوذًا.
[ومع ذلك، لماذا تنزوي هنا وحيدًا؟]
"ل-لأن... هذا هو الصواب."
لقد مضى وقت طويل منذ أن نطق بصوت عالٍ حتى بدا الأمر غريبًا. هل تكلم كما ينبغي؟ وهو غير متيقن، تمتم عن نفسه. فارتجف ضوء القمر بضحكة خافتة.
[إن كانت تلك حقًا رغبتك، فابتلع هذا العالم.]
"...ماذا؟"
[هناك عوالم لا تُحصى. عدد لا يُقاس منها يولد ثم يزول. هذا العالم صغير—لا يوجد فيه سوى 4.1 مليار كائن عاقل. وكما أنك واحد بين 4.1 مليار، فهذا العالم ليس إلا واحدًا بين عدد لا نهائي من العوالم.]
مثل الطفل، مثل القرية الصغيرة قديمًا، مثل المدينة.
[إن ابتلعت هذا العالم، ستنال القوة لإنقاذ العوالم العديدة التي تتلاشى. هذا هو الصواب—ألا تظن ذلك أيضًا؟].
أومأ الطفل. كانت كلمات ضوء القمر على حق.
"كيف أبتلع عالمًا؟"
[ازرع قوتك في أرجاء العالم واقتل كل كائن عاقل. عندها سيخضع لك العالم بطبيعته، وستتمكن من ابتلاعه. لقد قاربتَ على تحقيق ذلك بالفعل.]
كان يمكن فعل ذلك بعزمٍ فحسب. لم يتردد الطفل. لم يكن ثمة سبب للتردد. كان بالفعل ملك العالم—إلهًا. ومع عدم وجود أحد يقف إلى جانبه أو يشاركه قلبه، لم يتراجع عن محو كل ما أدارَه في سبيل مثالٍ أسمى.
بدأت الدمى المنتشرة في أنحاء العالم تتحرك. أما الناس، الذين أوكلوا حتى حماية أنفسهم إلى الدمى، فلم يستطيعوا المقاومة ولو قليلًا.
وهكذا، ابتُلع عالم.
"الأمر لا ينجح..."
تنهد روكي. تدلّت الفراء البيجية الناعمة على أذنيه. لقد توقف نظام عالمٍ كامل. لم يستطع الولوج إليه على نحو صحيح.
كان النظام قد اضطرب بفعل تدخل تشاتربوكس، وحفر ملك الهارملس في داخله وأتلف أجزاء منه. ثم أُغلق بقوة غامضة هائلة. تأوه روكي وتهالك في الكرسي المستدير.
حولَه حقل أبيض مكسو بالثلج، وما يزال الثلج يتساقط. وكانت رقاقات جليدية متلألئة تطفو برفق في الهواء.
"ماذا أفعل؟ سيغضب. سأتلقى التوبيخ مجددًا."
ارتسمت في ذهنه صورة تلك العينين السوداوين الحادتين المرفوعتين. سيحدق به ويقول إنه لا يؤدي عمله كما ينبغي. سيتذمر بشأن التعويض. حرّك روكي قدميه بقلق وهو يتفحص العناصر التي يستطيع تقديمها ضمن صلاحياته.
"صحيح أن خطأ النظام تسبب بضرر. ولم أستطع حتى إجراء تبادل نقاط مناسب. و العسل سيعطي الأولوية لشقيقه الأصغر مجددًا، أليس كذلك؟"
م.م: العسل هو يوجين.
رغم أن الأمر كان سيُنتزع منه، لم يستطع إلا أن يبتسم قليلًا. ارتعشت أطراف أذنيه.
"ينبغي أن أعطي العسل شيئًا أيضًا، لكنهم لا يطلبون إلا أشياء للآخرين. هل أقول فقط إنه ليس لدي الكثير لأقدمه؟"
نبش روكي بين الأشياء، ثم لمس رأسه فجأة. ربما لأنه من فئة المُربّي؟ تذكر النظرة التي كانت ترى هيئته الأصلية لطيفة، والصوت الذي قال له شكرًا.
"...سيكون الأمر بخير."
لن يحدث شيء سيئ. وحتى لو حدث، فلا شيء يمكن فعله. سيكون ذلك مؤسفًا بالنظر إلى الجهد المبذول، لكنه سيكون مجرد واحدة من تلك التضحيات الصغيرة العديدة التي اعتاد أن يقدّمها.
ومع ذلك، لم يستطع روكي أن يبعد عينيه عن النظام المتجمد.
"هذا صعب."
كان يصلحه، لكن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا لاستعادته بالكامل. ولم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية اختراق الحاجز. وبينما كان يجرب طرائق مختلفة بإحباط—
[أنت تعمل بجد.]
ظهرت نافذة رسالة. انتصبت أذنا روكي فورًا.
"...من؟"
[مشرفة بعيدة جدًا.]
ظهر ظل باهت خلف نافذة الرسالة. بدا كأنه امرأة ترتدي بدلة عمل. اتسعت عينا روكي الحمراوان.
"انتظري... إذًا أنتِ من منشئي النظام...؟"
[إحداهن.]
"لكنني سمعت أن جميع منشئي النظام الأصليين قد اندمجوا في النظام."
وذلك لإكمال النظام—قانون جديد يحكم عوالم لا تُحصى. وعند كلمات روكي، ابتسم الوجه الضبابي.
[النظام متوقف حاليًا. يمكنك اعتباره استراحة. هذا مجرد جزء ضئيل منه. لذا فأنا الوحيدة المستيقظة. آه، وقد توليتُ تعويض النقاط عنك.]
"تعويض النقاط لمجموعة العسل؟"
[ما تم حظره سيُعاد اتصاله طبيعيًا بعد وقت قصير. لكن، روكي.]
رغم أنها كانت رسالة نصية فحسب، كان ثقل نبرتها محسوسًا.
[لقد أُنشئ النظام ليمنح كل عالم فرصة.]
"...عفوًا؟"
[في جوهره، هو دليل للتغيرات المفاجئة، ودعم لمن يملكون الإمكانات. أردناه أملًا يُمنح بالتساوي لكل العوالم.]
عونٌ لمن يرغب في النجاة.
[لكن انظر إلى الحال الآن. كم عدد العوالم التي ضُحّي بها بالفعل؟ القول إن الإدارة تصبح أسهل إذا شارك المزيد من المتعالين الرؤية—ليس خطأ. بالتأكيد.]
لكن في النهاية—
[بهذا المعدل، ما الفرق بين مدمني البر وأنتم جميعًا؟]
"أنا فقط..."
[لقد اتبعت كلمات الهلال. أعلم. لكن، روكي، لا تستسلم بهذه السهولة. إن كان هناك من يرغب في النجاة، فساعده حتى النهاية. هذا ما نحن عليه. النظام دليل ومُعين—وليس صانع القرار.]
رمش روكي. التخلي عن التافه. الاستسلام إذا كانت الاحتمالات ضئيلة. استخدام الموارد والقوة لدعم الأماكن ذات الإمكانات الأعلى. كان هذا هو الطريق الذي آمن به وسار عليه حتى الآن.
"لكن إن كان ذلك يعني إنقاذ عدد أكبر من العوالم..."
[القيمة ليست بهذه البساطة. ولا ينبغي لنا أن نكون نحن من يعرّف تلك القيمة بأنفسنا. روكي، هل يمكنك حقًا أن تساوي كل شيء بمعادلة واحد لواحد؟ أليس هناك شيء واحد على الأقل يشد قلبك أكثر؟ عند موازنة حياة شخصين متساويين في القيمة من حيث القدرة، ألم تمِل ولو مرة واحدة إلى أحد الجانبين؟]
لم يستطع روكي الرد. لو قال له الجميع أن يتخلى عن العالم الذي يقلقه الآن... لو قالوا إن ذلك هو الخيار الأفضل... هل يمكنه أن يتبع بسهولة؟
[روكي، لا تنسَ.]
بدأ التشابك المعقد في النظام يستعيد نفسه بسرعة. حدّق روكي في الحركات كالمسحور، يراقب بتركيز شديد، كأنه يريد أن ينقشها في عينيه.
[السبب الذي من أجله أنشأنا النظام. لا تتجاوز الحد. وأوقف من يحاول ذلك.]
صار الظل الباهت أكثر ضبابية. ذاب نصفه تقريبًا في الضباب.
[آه، لقد طلب الفوضى معلومات تواصلك.]
"هاه؟ الفوضى؟"
[هناك رجل عجوز إلى جانب البدئي الأول. لا أعلم ما الذي اعتراه، لكن حاول التواصل.]
اختفى حضورها تمامًا. ظل روكي يحدّق في النظام الذي استُعيد.
كان الثلج قد توقف في لحظة ما.
FEITAN