الفصل 760: زَخّاتُ الشُّهُب (1)
"اجمَعوا الأغراضَ أوّلًا!"
صرَختُ بذلك. لعلَّ روكي فعلَ شيئًا، لأنَّ نافذةَ الرَّسائلِ بدأت تَتَشوَّه.
[نح... ن... سَنَع... طي...]
[الاسم الاسم الاسم الاسم]
[إليك... إليك... سَنَع...]
[ذلكَ العالَمُ الجديد... كيفَ تَجرُؤونَ على...]
[الأصلُ البداية / الأصلُ النهاية]
[اخرُجوا! جميعُكم، اخرُجوا! هذا المكانُ يَقَعُ تحتَ سُلطتي!!!]
اندَفعَ يوهيون مُتجاوِزًا إيّايَ. كانَ يَضُمُّ شَفَتَيهِ بإحكام، ولَحِقَ بي مِن دونِ أن يَنطِقَ بِكلمة. أمّا ييريم، التي انتَقَلَت آنيًّا إلى جانِبِنا، فبدأت تَحشُرُ كلَّ الأغراضِ المُكدَّسةِ حولَنا داخلَ مَخزونِها. وكلَّما وقَعَت يدي على سَيفٍ من الرُّتبةِ S أو أعلى، رَمَيتُه إلى يوهيون.
ظلَّتِ السَّماءُ تَومِضُ مِرارًا وتَكرارًا. بدا الأمرُ وكأنَّه بَرقٌ صامِت.
ثمَّ بدأتِ النُّجومُ تَتَساقَط.
شَقَّت خُيوطُ الضَّوءِ السَّماءَ السَّوداءَ، تارِكةً وراءَها ذُيولًا طويلة. وأوّلُ ما ارتَطَمَ بمَبنى هاييون نَهَضَ واقِفًا.
– أنا.
تَرَدَّدَ صوتٌ أجَشُّ مُتقطِّعٌ وسطَ هَديرٍ غَليظ.
– حارِسُ بوّابةِ كواي تا بان.
كانَ نُطقُه مُشوَّهًا ويَصعُبُ تَمييزُه. ومنَ المَوضعِ الذي كانَ المَبنى قائمًا فيه، اندَفعَ عَمُودٌ هائلٌ إلى الأعلى. كانَ وَحشًا يبدو وكأنَّ جَسَدَه كلَّه مُغطًّى بِطَبقاتٍ مُتَراكِمةٍ منَ الدُّروعِ الفولاذيَّة. لم تَكُن له أطرافٌ ولا عَينان. وبالقُربِ من قِمَّتِه ثُقبانِ دائِريّانِ نافِذان. طَقْطَقة، خَشخَشة—أصدَرَ جَسَدُه صوتًا يُشبِهُ خَفَقانَ عَشراتِ الآلافِ منَ الحَشَراتِ بأجنِحَتِها.
أسرَعتُ باستخدامِ مَهارةِ البُرعُم، لكن لم تَظهَر أيُّ نافذةِ حالة.
[يا هاني! هذا وَحشٌ تابعٌ لأحدِ المُتعالين! إنَّه شيءٌ يَقَعُ بينَ الكائِنِ العاقِلِ والوَحش! لذلكَ نافذةُ حالتِه خاصَّة!]
"لكنَّك أظهَرتَ لي واحدةً لِذاكَ الوَغدِ ديارما!"
[كانَ ذلكَ لأنَّه المُتعالي المُكلَّفُ بعالَمِك يا هاني. كانَ مُلزَمًا بكَشفِ مَعلوماتِ النِّظامِ الخاصَّةِ بالكائِناتِ التي تَنتمي إلى هذا العالَم. أمّا هؤلاءِ فمُختَلِفون!]
إذًا فهؤلاءِ دُخلاءُ اقتَحَموا حَيَّنا من دونِ حتّى أن يَستَخرِجوا تَصريحَ دُخول.
كيييك، كيييك!
انحَنى الشيءُ الذي يُطلِقُ على نفسِه حارِسَ البوّابة، فيما خَمَّنتُ أنَّه رأسُه.
ودونَ أن أشعُرَ، كانَ سونغ هيونجاي واقِفًا تحتَه. وقد وَقَفَ على حافَّةِ سُورِ سَطحِ مُنشَأةِ التَّربية، رافِعًا رأسَه نحوَ حارِسِ البوّابة.
– أيُّها الأصلُ الأدنى. أقتَرِحُ أن نَتَفاوَضَ أوّلًا.
"تَفاوُض."
– اذكُرْ ما تَرغَبُ به.
ارتَفَعَ طَرَفُ فَمِ سونغ هيونجاي.
ما يَرغَبُ به.
لم يَكُن هناكَ مُتعالٍ واحدٌ حاضِرٌ يَستَطيعُ مَنحَه ذلك. بإمكانِهم التَّظاهُرُ بأنَّهم آلهةٌ كما يَشاؤون، لكنَّهم لم يَكونوا كُلِّيِّي القُدرة.
"إذًا تقولُ إنَّكم ستَمنَحونَني ما أُريد."
– أنتَ تَمتَلِكُ... قيمة.
دوووم!
اندَفعَت السلسلة. فمَزَّقَت الهواء بعُنف، وانغَرَسَت في دِرعِ حارِسِ البوّابة. لكنَّها لم تَفعَلْ سوى تَشقيقِ سَطحِه. حتّى سِلسِلةُ الباحثِ لم تَستَطِعْ أن تَترُكَ أثرًا حقيقيًّا، فلا بُدَّ أنَّ قُدرَتَه الدِّفاعيَّةَ لا تَقِلُّ عن الرُّتبةِ SS.
– عَديمُ الجَدوى.
اختَفى سونغ هيونجاي.
حتّى معَ تَفعيلِ مَهارةِ المُعلِّم، كانَ يَتَحرَّكُ بِسُرعةٍ جَعَلَتني بالكادِ أُتابِعُه بعَينَيَّ. رَكَضَ فوقَ السِّلسِلةِ المَشدودةِ في الهواء. وبعدَ أن ارتَجَفَ حارِسُ البوّابة والتَوى، كانَ سونغ هيونجاي قد وَقَفَ فوقَ رأسِه.
طَق!
طَرَقَت مُقدِّمةَ حِذائِه الدِّرعَ المُتَصَلِّبَ بِخِفَّة، وكأنَّه يَفعَلُ ذلكَ بأدَب، ومعَ رَنينٍ مَعدِنيٍّ صافٍ التفَّتِ السِّلسِلةُ حولَ جَسَدِ الوَحشِ الشَّبيهِ بالعَمُود.
وفي اللَّحظةِ نفسِها تقريبًا—
كواااروووم!
انفَجَرَ الضَّوء.
اندَفعَ تَيّارٌ كَهربائيٌّ بالِغُ التَّركيزِ عَبرَ السِّلسِلة. وبينَ حَلَقاتِها رَأيتُ إبرًا رَفيعةً كانت قد انزَلَقَت بالفعلِ إلى الفَجَواتِ بينَ صَفائحِ الدِّرع. انجَذَبَتِ الكَهرباءُ إليها، واندَفَعَت مُباشَرةً عَبرَ رُؤوسِها. ارتَجَفَ جَسَدُ حارِسِ البوّابةِ مَرَّةً واحدة، ثمَّ اختَفى الضَّوء.
كلُّه اندَفعَ إلى داخِلِ الوَحش.
– ...!!!
تَحكُّمٌ كامِلٌ بالكَهرباءِ، تلكَ القُوَّةُ التي كانَ يَنبَغي أن تَتَبَعثر. تَجَمَّدَ حارِسُ البوّابةِ في مَكانِه—
طَخ، طَق—
بدأ دِرعُه يَتَساقَطُ قِطعةً بعدَ أُخرى. وما انكَشَفَ تَحتَه بدا كَكُتلةٍ منَ الفَحمِ الأسودِ المُتَفحِّم. رَكَلَ سونغ هيونجاي رأسَه وانطَلَقَ مُبتَعِدًا. فأدّى الاصطِدامُ إلى انهيارِ طَبَقاتِ الدِّرعِ دَفعةً واحدة، بينما انهارَ الجَسَدُ الأسودُ إلى مَسحوق.
التَقَطَت سِلسِلةُ الباحثِ شيئًا من داخِلِه.
وعلى سَطحِ مُنشَأةِ التَّربيةِ مُجدَّدًا، تَلَقّى سونغ هيونجاي الجَوهَرةَ الصَّغيرةَ التي سَلَّمَته إيّاها السِّلسِلة.
"بما أنَّك قُلتَها بهذهِ الطَّريقة، فسأتَقَبَّلُها بامتِنان."
عَضَّ حَجَرَ السِّحرِ بِخِفَّة. ذابَتِ الجَوهَرةُ الصُّلبةُ إلى ضَوءٍ واختَفَت.
ما هذا بحقِّ—
"م-ماذا تَفعَل؟!"
هل امتَصَّ حَجَرَ السِّحر؟
استَدارَ سونغ هيونجاي ونَظَرَ إليَّ. لكنَّه لم يُجِب. هل كانَ ينوي حقًّا التِهامَ أتباعِ المُتعالين حَرفيًّا؟
كوااانغ!
ارتَطَمَ نَيزَكٌ آخَرُ غيرَ بعيد بالأرضِ. ثمَّ آخَر—دووم! اهتَزَّتِ الأرضُ من شِدَّةِ الاصطِدام. واختَفَى صَفٌّ كامِلٌ منَ المَباني في لَحظة. وأطلَقَ شيءٌ ما زَئيرًا.
أدارَ سونغ هيونجاي رأسَه بِبُطءٍ نحوَ ذلكَ الاتِّجاه.
لم تَكُن تلكَ عَينَا فَريسة، بل عَينَا صَيّاد.
"إذا واصَلتَ ابتِلاعَ أحجارِ السِّحرِ بهذهِ الطَّريقة، فستَصِلُ إلى الحَدِّ أسرَع—!"
قاطعَني يوهيون وهو يَجذِبُني من ذِراعي. راحت أوراقُ الصَّفصافِ تَدورُ حولَنا.
"انتَظِر، سونغ هيونجاي! فقطِ اصمُد! انتَظِرني!"
لقد تَرَكَ لي فُرصة. وهذا يعني عمليًّا أنَّك مُستَعِدٌّ للانتِظار!
لقد قالَ إنَّ ما يَملأُ سونغ هيونجاي هو الخِبراتُ الجديدة، لكنَّه كانَ مُمتَلِئًا بالفعلِ إلى حدٍّ كبير. وإذا استَمَرَّ في ابتِلاعِ أحجارِ سِحرِ الكائِناتِ التي أرسَلَها المُتعالونَ مُباشَرة، فمنَ الواضِحِ أنَّه سيدفَعُ نفسَه إلى مَنطِقةٍ خَطِرة. أمّا إذا كانوا مُجرَّدَ أتباع، فرُبَّما لا يزالُ قادرًا على التَّحَمُّل.
لكن إن تَدَخَّلَ أحدُ المُتعالينَ بنفسِه، كما فَعَلَ تشاتربوكس—
رغمَ أنَّني صَرَختُ، فإنَّه لم يَلتَفِتْ إليَّ حتّى.
انطَلَقَتِ السِّلسِلةُ ممتدةً بإستقامة. فحَطَّ سونغ هيونجاي بِخِفَّةٍ فوقَ الخَطِّ الذَّهَبيِّ المُمتَدِّ نحوَ مَبنىً مُقابِلٍ لنا. نَظَرَ الرَّئيسُ سونغ إليَّ. شَدَّ فَمَه في خَطٍّ قاسٍ، وأومَأَ لي إيماءةً قصيرة، ثمَّ استَدارَ مُبتَعِدًا.
"أنتُما، سأ—!"
مَهما أردتُ، كانَ جَسَدي يُسحَبُ في الاتِّجاهِ المُعاكِس. وانقَطَعَت مَهارةُ المُعلِّمِ في اللَّحظةِ التي خَرَجنا فيها من نِطاقِها. وبخُطواتٍ سَريعةٍ فوقَ أوراقِ الصَّفصاف، وَسَّعَ يوهيون المَسافةَ بينَنا وبينَ مُنشَأةِ التَّربية. فتَبِعَتنا ييريم وبيس مُباشَرة.
قَفَزَت مون هيوناه هابِطةً نحونا، بينما رَفْرَفَ ذَيلُ مِعطَفِها الفاخِرِ خَلفَها.
"هيونغ نيم! سأذهَبُ إلى هناكَ أوّلًا!"
"آنِسة هيوناه، يَجِبُ أن أذهَبَ أنا أيضًا!"
"...لا يبدو أنَّ السَّيِّدَ الشابَّ ينوي السَّماحَ لك."
"لكن—! حتى الأحلامُ أصبحت في خَطَرٍ الآن!"
كانت مون هيوناه الحاليَّةُ حُلمًا بلا حِمايةٍ منَ النِّظام. قد يكونُ جَسَدُها الحقيقيُّ بخيرٍ في عالَمِنا، لكنَّ عقلَها لا يزالُ قادرًا على التَّعَرُّضِ للأذى.
وفي أسوإِ الأحوال، قد يَموتُ العقلُ نفسُه.
"ومعَ ذلكَ فأنا أكثرُ أمانًا منَ البقيَّة. ماري والقدِّيسةُ أيضًا في وَضعِ الاستِعداد. هيونغ نيم، خُذ قِسطًا منَ الرَّاحة."
كانت تَركُضُ معَ الرِّيحِ مُحافِظةً على سُرعتِنا، ثمَّ تَراجَعَت مون هيوناه فَجأةً واختَفَت عنِ الأنظار. وفي مَكانٍ بعيدٍ دوّى الرَّعد. واستَمَرَّتِ النُّجومُ في السُّقوط. واختَلَطَت أصواتُ الارتِطامِ بالأرضِ والمَباني بخَفَقاتِ قَلبي.
"يوهيون، يَجِبُ أن أعود!"
أردتُ النَّجاة. أردتُ أن أواصِلَ العَيش. لذلكَ كُنتُ أعلَمُ تمامًا أنَّ عليَّ الانسِحاب.
لكن إن تَراجَعتُ بهذهِ الطَّريقة، فلا أظنُّ أنَّني سأتمكَّنُ من مُواصَلةِ العَيشِ وأنا لا أزالُ نفسي.
"لا أستطيعُ العَيشَ وحدي! لا أستطيعُ أن أترُكَهُم خَلفي!"
لو كانت سَلامتي وحدَها هي ما يَهُمُّني، لكُنتُ قد أفلتُّ يدَ أخي منذُ زَمنٍ بعيد.
لقد بدأ هذا العِنادُ منذُ ذلكَ الحين.
"أنا هنا."
"يوهيون!"
"لديكَ مُقاوَمةٌ للسُّمِّ مع غريس، لذا ليسَ أمامي خيارٌ آخَرُ حقًّا. آسِف."
"...!"
انحَبَسَ نَفَسي.
ومن خِلالِ رُؤيتي المُشَوَّشة، كانت عَينانِ سَوداوانِ تَميلانِ إلى الحُمرةِ تُحَدِّقانِ بي بِصَمت.
"هان يوهيون؟! هِيه!"
تلاشى صوتُ ييريم المَصدوم. وكانت زَمجَرةُ بيس آخِرَ ما سَمِعتُه قبلَ أن يَبتَلِعَني الظَّلام.
"ما الذي تَفعَلُه بحقِّ الجَحيم؟!"
صَرَخَت بارك ييريم. وكَشَّرَ الأسدُ ذو القَرنِ اللَّهيبِيِّ عن أنيابِه. فعَدَّلَ هان يوهيون وَضعَية هان يوجين الفاقِدِ للوعيِ بينَ ذِراعَيه.
"إذا اضطُرِرتُ لإخفاءِ هيونغ حتّى يَستَقِرَّ عالَمُ الأحلام، فهذهِ أفضلُ طريقة."
إذا كانَ يُريدُ مَنعَ هان يوجين منَ الهُروب، فبمُجرَّدِ أن تَهدَأَ الاضطِراباتُ التي سَبَّبَها اقتِحامُ المُتعالين، سيتمكَّنونَ منَ العَودةِ إلى العالَمِ الأصلي. كانَ هدفُ أولئكَ هو سونغ هيونجاي. وما داموا بعيدينَ عن ساحةِ المَعركة، فسَيستَطيعونَ الاختِباءَ بأمانٍ دونَ أن يُجرُّوا إليها.
ودونَ أن يَتَحَطَّمَ هان يوجين أكثرَ من ذلك.
"ل-لكن..."
"أنا مَن يُجبِرُه على البَقاء. لذلكَ لا ذَنبَ لهيونغ في أيٍّ من هذا."
"لكنَّ أجاشي سَيَشعُرُ بالذَّنبِ على أيِّ حال!"
"سَيَشعُرُ بقدرٍ أقلَّ ممّا كانَ سَيَشعُرُ به لولا ذلك."
سَيَتألَّم. بالطَّبعِ سَيَتألَّم. لكنَّه سَيُواصِلُ العَيش. ولهذا كانَ على هان يوهيون أن يَختارَ هذا.
أمسَكَت بارك ييريم رُمحَها بإحكام. لقد أرادت هي أيضًا حِمايةَ هان يوجين.
"...لا أعلَم. حقًّا لا أظنُّ أنَّه يَنبَغي أن نُبقيَ أجاشي هنا بهذهِ الطَّريقة، لكن... لكنَّني لا أعرِفُ ماذا أفعَلُ غيرَ ذلك!"
"كلُّ ما أفعَلُه هو حِمايةُ هيونغ."
كانَ يَنبَغي أن يكونَ ذلكَ كافيًا منذُ البداية.
بدأ هان يوهيون بالرَّكضِ مُجدَّدًا. وتَرَدَّدَ بيس لَحظةً ثمَّ تَبِعَه. أمّا بارك ييريم فألقَت نَظرةً إلى الخَلف. كانَ الرَّعدُ خافِتًا الآن.
"سأذهَبُ لأتَفَقَّدَ الوَضعَ ثمَّ أعود."
"هيونغ يُريدُكِ أن تكوني بأمان."
"وهو يُريدُ أيضًا أن يكونَ السَّيِّدُ سيسونغ والرَّئيسُ سونغ بأمان! لذا إذا استَطَعتُ، فأنا أُريدُ مُساعَدَتَهُما. ليسَ الأمرُ فقطَ بسببِ أجاشي. عندَ هذهِ المَرحلة، لا أُريدُ أن أُديرَ ظَهري وأترُكَ أحدًا خَلفي!"
نَظَرَ هان يوهيون إلى بارك ييريم لَحظةً قصيرة.
"أجاشي... أجل. وأنا أيضًا لا أُريدُه أن يُواصِلَ إرهاقَ نفسِه. لذا أعهَدُ بالأمرِ إليكِ. لا أنوي القيامَ بأيِّ شيءٍ مُتهوِّر. لديَّ مَهارةُ انتِقالٍ آني، لذا أنا واثِقةٌ من قُدرتي على الانسِحابِ إذا لَزِمَ الأمر."
تَفَقَّدَت بارك ييريم إشارةَ هاتفِها ثمَّ اندَفَعَت إلى الأعلى.
"اتَّصِلْ بي فورًا إذا حَدَثَ أيُّ شيء!"
اختَفَى وِشاحُها المُتَمَوِّجُ في البعيد. وزادَ هان يوهيون من سُرعتِه على الطَّريقِ العَريض. وكانَ الأسدُ ذو القَرنِ اللَّهيبِيِّ يَركُضُ إلى جانِبِه، ولا يزالُ مُتَحفِّزًا قليلًا.
'سَيكونُ هيونغ بخير.'
سَيَتألَّمُ بِشِدَّة، لكنَّه سَيَنهَضُ مُجدَّدًا.
وحتّى لو انهارَ إلى الأبد، فبالنِّسبةِ إلى هان يوهيون سيَظلُّ هان يوجين نفسَه.
كانَ التَّمَسُّكُ حتّى بِقِطعةٍ مُحَطَّمةٍ أفضلَ من خَسارةِ عالَمِه بأكملِه.
فعلى عَكسِ هان يوجين، لم يَكُن يَملِكُ سوى عالَمٍ واحِد.
لقد حاوَلَ فَهمَ أخيه، لكنَّه لم يَستَطِع. فالكائِنُ الذي لا يَستَطيعُ أن يَحمِلَ سوى شيءٍ واحد، والكائِنُ الذي يَعيشُ بينَ عَدَدٍ لا يُحصى منَ الأشياء، لا يُمكِنُهما أبدًا أن يَقِفا على أرضٍ مُتَساوية. كانَ لا بُدَّ أن يَبقَيا في مَكانَينِ مُختَلِفَين، يَمُدُّ كلٌّ مِنهُما يَدَه عَبرَ المَسافةِ بينَهُما، لِيَقتَرِبا من فَهمِ بعضِهما ولو قليلًا.
لقد مَدَّ هان يوهيون يَدَه إلى أبعدِ ما استَطاع.
وحينَ أمسَكَ هان يوجين بِيَدِه، لم يَجرَّه إلى عالَمِه. بل اكتَفى بالتَّشَبُّثِ بها.
لكن إن كانت تلكَ اليَدُ على وَشَكِ الاختِفاء، فعليهِ أن يَسحَبَها.
كانَ عليهِ أن يَتَمَسَّكَ بأكثرَ منَ اليَدِ وحدَها. كانَ عليهِ أن يَضمَنَ ألّا يَخسَرَ الشَّخصَ كلَّه.
– غَررر!
كَشَّرَ بيس عن أنيابِه وتَوَقَّف. فتَوَقَّفَ هان يوهيون أيضًا.
تَحَوَّلَ الطَّريقُ الإسفلتيُّ إلى كُتلةٍ كثيفةٍ مُنصَهِرة. أخذَ القارُ الأسودُ يَغلي، بينما راحت نيرانٌ سوداءُ تَتَسَرَّبُ منه. وتَشَكَّلَت شُعلةٌ سوداءُ مُخضَرَّة. وتحتَ رأسٍ يُشبِهُ رأسَ النَّسر، كانَ هناكَ جَسَدٌ بَشَريٌّ ضَخمٌ مُغطًّى بِرِيشٍ منَ اللَّهب. وبينَ النَّارِ الخَضراءِ الدَّاكِنةِ اشتَعَلَت عَينانِ حَمراءَوانِ قانِيتان.
__ __
م.م: القار هو مادة هيدروكربونية شديدة اللزوجة داكنة اللون تُستخرج من النفط أو الفحم، وتُستخدم أساساً لعزل المياه وتعبيد الطرق.
__ __
– أقوى نارٍ في هذا العالَم.
انسابَ صوتُ فَحيح.
– سَيِّدي هو النَّارُ التي ابتَلَعَت عالَمًا كامِلًا ذاتَ يوم.
أنزَلَ هان يوهيون هان يوجين الفاقِدَ للوعيِ بحَذَرٍ فوقَ ظَهرِ بيس. فتَراجَعَ بيس إلى الخَلفِ بِصَمت.
– النَّارُ تَخضَعُ للنَّارِ الأقوى. أطِعني.
ارتَجَفَ إيرين الجالِسُ على كَتِفِ هان يوهيون.
كانَ الشيءُ الذي يَسُدُّ طريقَهُما هو النَّارَ ذاتَها، لَهَبًا التَهَمَ حتّى جَسَدَه بالكامل. وكانتِ النِّيرانُ المُتَمايِلَةُ تَنفُثُ حَرارةً مُروِّعة. لقد كانت نارًا عُنصُريَّةً أنقى من أيِّ نارٍ واجَهَها هان يوهيون من قبل.
وبالمُقارَنةِ معَ نارٍ كهذه، لم يَكُن لإنسانٍ من لَحمٍ ودَم—ولا يزالُ منَ الرُّتبةِ S—أيُّ فُرصة.
لكنَّ عَينَي هان يوهيون بَقِيَتا هادِئَتَين.
– ماذا تَفعَل؟
مَدَّ طائِرُ النَّارِ يَدًا مُتراقِصةً باللَّهَب. وحتّى بِصِفتِه تابعًا، كانَ أقدَمَ بكثيرٍ من هان يوهيون. وكانَ يَنبَغي له أن يَسحَقَ شُعلةً فَتِيَّةً لم يَتَجاوَزْ عُمرُها مِئةَ عامٍ بِسُهولة.
"النَّارُ تَخضَعُ للنَّارِ الأقوى."
خَرَجَ صوتُ هان يوهيون مُنخَفِضًا.
أقدَم.
أنقَى.
مَدَّ يَدَه هو أيضًا. فالتَفَّ وَهَجٌ خافِتٌ منَ اللَّهبِ حولَ أصابِعِه، وظهَرَ كَفُّه، ومِعصَمُه.
لقد كانتِ البِدايةُ الأقدَم.
وقد ارتَبَكَ إيرين، رَفرَفَ مُبتَعِدًا نحوَ بيس، نحوَ هان يوجين.
– ي-يوهيون!
وكأنَّه لم يَسمَعه، تَقَدَّمَ هان يوهيون خُطوة.
ارتَجَفَ طائِرُ النَّار. وَخَزَه إحساسٌ غَريزيٌّ بالخَطَر، لكنَّه سُرعانَ ما تَجاهَلَه. فما زالَت هذهِ شُعلةً غيرَ ناضِجة. وكانَ يَنبَغي أن يكونَ إخضاعُها سَهلًا.
– من أجلِ سَيِّدي، أيُّها الأصلُ الأدنى. اتَّبِعْ أمري.
لامَسَت أطرافُ أصابِعِ هان يوهيون اليَدَ المَمدودةَ لطائِرِ النَّار. فانحَنَت عَيناهُ السَّوداوانِ بانحِناءَةٍ خَفيفة. ابتَسَمَ جُزءٌ منَ النَّارِ البِدائيَّة. لِلفَرخِ الصَّغيرِ الذي لَمَسَه بلا خَوف.
– كَخ! كيفَ يُمكِنُ لهذا—!
تَبَدَّدَتِ النَّار.
لقد جَرَفَها جَحيمٌ لا مَجالَ لِمُقارَنتِه بها. وبعدَ أن تَخَلَّت منذُ زَمنٍ بعيدٍ عن جَسَدِها، لم يَبقَ شيءٌ وراءَها. ذابَت ببَساطةٍ في الهواءِ الخالي واختَفَت.
رَمَشَ هان يوهيون بِبُطء.
– يوهيون، ذلك! ذلكَ الجُزء! النَّارُ البِدائيَّة!
كانَ إيرين يَقْفِزُ صُعودًا وهُبوطًا فوقَ كَتِفِ هان يوجين.
– يَجِبُ أن تَتَخَلَّصَ منها أيضًا! إنَّها خَطِرةٌ للغاية!
"لا تُخبِرْ هيونغ."
– يوهيووون!
نَظَرَ هان يوهيون إلى يَدِه، إلى مِعصَمِه. كانَ جُزءُ النَّارِ ساكنًا. كما اختَفَتِ المَشاعِرُ والأحاسيسُ التي تَزامَنَت معه لِلَحَظات. وكانَ يَشعُرُ بأنَّه يَندَمِجُ فيهِ بِبُطء.
رُبَّما كانَ قَطعُه والتَّخَلُّصُ منه أكثرَ أمانًا.
لكن أكثرَ أمانًا من أجلِ ماذا؟
'مِن أجلي...'
في الوقتِ الحالي، لم يَكُن لديهِ سَبَبٌ يُذكَرُ لِيَحميَ نفسَه عَمدًا. لأنَّ هان يوجين سَيَحزَن. ولم يَكُن لهذا السَّبَبِ قيمةٌ إلّا إذا ظَلَّ هان يوجين موجودًا.
أمّا الآن، فالقُوَّةُ تأتي أوّلًا.
استَدارَ هان يوهيون. وحَمَلَ هان يوجين مُجدَّدًا. فرَفَعَ إيرين رأسَه نحوه بِقَلَق.
"إذا كانت نارًا، فهل يُمكِنُ إخضاعُ أيِّ شخصٍ بنارٍ أقوى؟"
– ...إذا كانت نارًا خالِصة، وإذا لم تُقاوِم. وحتّى لو قاومَت، فلن يَهُمَّ إذا كانَ الفَرقُ شاسِعًا جدًّا. يوهيون، حقًّا أظنُّ أنَّ ذلكَ الشيءَ خَطِرٌ للغاية. حَسنًا؟
وفي صوتِ إيرين، سَمِعَ هان يوهيون هان يوهيون.
ولم يَكُن ذلكَ مُزعِجًا.
FEITAN