الفصل 761: زخَّات الشُّهُب (2)
انسابَت رائحةُ شيءٍ يَحتَرِقُ من مكانٍ ما، كما لو أنَّ حريقًا اندَلَعَ في الجِوار. ظلَّتِ السَّماءُ تَومِضُ بلا تَوقُّف. أزرق، أحمر، أصفر — اختَلَطَ الضَّوءُ بالسُّحُبِ وتَناثَرَ في ضَبابٍ مُبهِرٍ ومُربِك.
دوِيّ — اصطَدَمَ نَجمٌ ساقِطٌ بآخَر. ومن بَعيد، زَمْجَرَ شيءٌ ما.
بدأتِ السَّماءُ التي أُنهِكَت بكلِّ أنواعِ القُوى، والسُّحُبُ، في هُطولِ المَطَرِ أخيرًا.
طَق!
طَق!
طَق!
عندَ سُقوطِ القَطراتِ الأولى، أحاطَ هان يوهيون بها بطَبَقةٍ خافِتةٍ منَ الحَرارة. حتّى وابلٌ شِتوِيٌّ مُتَجمِّدٌ فلن يبدو مختلفًا عنِ النَّدى الذي يُلامِسُ بَشَرَتَه، لكنَّ الأمرَ لم يَكُن كذلكَ بالنِّسبةِ إلى الأخِ المَحمولِ بينَ ذِراعَيه. فإذا ابتَلَّ جَسَدُه وبَرُد، كانَ منَ السَّهلِ أن يُصابَ بالزُّكام. وإذا استَمَرَّت دَرَجَةُ حَرارَتِه في الانخِفاض، فقد يُصبِحُ الأمرُ مُهَدِّدًا لِحَياتِه.
سسس—
اختَفَت قَطراتُ المَطَرِ التي لامَسَتِ الحَرارةَ معَ فَحيحٍ خافِت. وازدادت قَتامَةُ الإسفَلتِ كلَّما تَشَبَّعَ بالماءِ. رَكَضَ هان يوهيون حيثُما قادَته قَدَماه. ظلَّ بيس يرسِلُ إليهِ إشاراتٍ تَطلُبُ مِنه أن يَمتَطِيَه، لكنَّ يوهيون تَجاهَلَه.
ومعَ ازدِيادِ كَثافَةِ الرُّطوبة، ازدادت مَعَها الرَّائحةُ المُميَّزةُ لِمدينةٍ غارِقةٍ في المَطَر. راحت أشكالٌ ضَبابيَّةٌ تَتمايَلُ وَسطَها كأشباحِ النَّاسِ المَوجودينَ في هذا الحُلم — أناسٌ لم يَعُد بإمكانِهم التَّأثيرُ في أيِّ شيء، ولا التَّأثُّرُ به. أشكالٌ مُستَديرةٌ بلا عِرقٍ أو عُمرٍ أو جِنس. بالنِّسبةِ إلى هان يوهيون، لطالَما بدا النَّاسُ على هذا النَّحو. ولهذا السَّبب، لم يَكُن بِوُسعِه أن يَفهَمَ مَشاعِرَ هان يوجين حقًّا.
حتّى حَقيقةُ أنَّه كانَ يَعتَزُّ بِهان يوجين ويُريدُ حِمايَتَه لم تَكُن شيئًا بَدأ مَعه هو. لقد كانَ سُلوكًا تَعَلَّمَه من هان يوجين. كانَ هان يوجين قد أخبَرَه بأنَّه لا يَحتاجُ إلى كَبحِ نَفسِه. وقالَ إنَّه سَيَتَقَبَّلُه كما هو. لكنَّ طَبيعةَ هان يوهيون الحَقيقيَّةَ كانت أبعدَ بكثيرٍ من أيِّ شيءٍ يَتَخيَّلُه هان يوجين. فَتيلُ النَّارِ الذي كانَ حتّى هان يوهيون نَفسُه قد نَسِيَه مُنذُ زَمَنٍ طَويل.
"…هذا هو."
في مَرحَلةٍ ما، كانَ الطَّريقُ قد ضاقَ. تَجَمَّعَتِ المَباني القَديمةُ مُتَلاصِقَةً وَسطَ الرُّطوبة. رَمَشَ هان يوهيون. زُقاقٌ مألوف. مَشهَدٌ مألوف. ومِن دونِ قَصد، جاءَ إلى هُنا. بَعدَ مُغادَرَتِهِما مَنزِلَهُما الحالي، مُنشَأةَ التَّربية، وَجَدَت قَدَماهُ طَريقَهُما إلى المَنزِلِ مَرَّةً أُخرى.
دَخَلَ هان يوهيون إلى مَدخَلِ المَبنى المُعتِم. تَبِعَه بيس بَعدَ أن تحول إلى شكله الصغير. ظَهَرَت صَناديقُ البَريد، وما زالَت بَعضُ الرَّسائلِ عالِقةً فيها. حَدَّقَ في أحَدِها لِلحظة، ثمَّ تابَعَ طَريقَه.
كانَ هان يوجين قد باعَ هذا المَكانَ ورَحَل. فاشترى هان يوهيون مَنزِلَهُما القَديم. وبِما أنَّه لم يَكُن هُناكَ كَثيرٌ مِمّا يَنبَغي تَعبِئَتُه، فقد بَقِيَ مُعظَمُ الأثاثِ الكَبيرِ في مَكانِه. لقد أبقاهُ كما كان. في البِداية، كانَ يأتي إلى هُنا بَينَ حينٍ وآخَر، لكنَّه تَوَقَّفَ معَ مُرورِ الوَقت. فالمَنزِلُ الذي لم يَكُن هان يوجين فيهِ لم يَكُن مَنزِلَه حَقًّا على الإطلاق.
بيب بيب بيب — ظلَّ رَمزُ قُفلِ البابِ كما هو. وحينَ فَتَحَ البابَ ودَخَل، استَقبَلَته غُرفةُ مَعيشَةٍ نَظيفةٌ بلا شائِبة. لم يَكُن يأتي بِنَفسِه، لكنَّه تَرَكَ المَكانَ في عُهدَةِ شَخصٍ ما وأعطاهُ بِطاقَةَ دُخول، ولذلكَ ظلَّت تَتِمُّ صِيانَتُه. وَضَعَ هان يوجين على الأريكةِ القَديمة. كانت قَطراتُ المَطَرِ تَنقُرُ النَّافِذةَ بِرِفق. اختَفَى التِّلفاز، ولم يَبقَ سوى حامِلِه الباهِت. وما زالَ مِقبَضُ أحَدِ الأدراجِ التي كانا يَستخدِمانِها كثيرًا يَحمِلُ آثارَ أيدٍ قَديمةٍ مُتَّسِخة.
– نَننننغغغ!
بَعدَ أن ألقَى نَظرةً حَولَه، تَكَوَّرَ بيس تَحتَ الأريكة. ظلَّ هان يوهيون يُحَدِّقُ في المَنزِلِ بِشُرود، ثمَّ في هان يوجين. كانَ هذا المَكانُ هو المَكانَ الذي وُلِدَ فيهِ "هان يوهيون". وهُنا، صَنَعَ هان يوجين "هان يوهيون" مُختَلِفًا.
انخَفَضَت نَظرتُه المُعتِمةُ إلى يَدِه. التَفَّ أصلُ النَّارِ بِرِفقٍ حَولَ ظَهرِها. قَفَزَتِ السِّحليَّةُ الحَمراءُ إلى هان يوجين، ثمَّ رَفَعَت عَينَيها القَلِقَتَينِ نحوَ هان يوهيون.
– يوهيون، تَعالَ واجلِس هُنا. ابقَ مَعي، حَسنًا؟ أُريدُ أن أبقَى مَعَك أيضًا.
معَ هان يوجين. مالَ الجُزءُ العُلويُّ من جَسَدِ هان يوهيون قَليلًا نَحوَه.
عِندَها حَدَثَ الأمر.
"…"
شَعَرَ بشيءٍ مألوف. كانَ لا يزالُ هُناكَ حاجِزٌ واحِدٌ بَينَهُما، لكنَّه كانَ يَقتَرِب. كائِنٌ يُشبِهُه. وسُرعانَ ما سَيَطَأُ هذا العالَم.
وما كانَ أخوهُ يَبحَثُ عنه هو جُثَّة.
كُجُجُجُج — انهارَ جُزءٌ ضَخمٌ من مَبنى وَسطَ دَوِيٍّ يَصُمُّ الآذان. تَصاعَدَ الغُبارُ إلى المَطَر، ثمَّ ابتَلَّ سَريعًا واستَقَر. انزَلَقَت قَطرَةُ ماءٍ من طَرَفِ شَعرٍ باهِت. وتَناثَرَتِ المياهُ معَ كلِّ حَرَكةٍ لِلسِّلسِلة. ذابَ الشَّكلُ المَسحوقُ تَحتَ كَعبِ حِذاءٍ رَسميٍّ كما لو أنَّه يَنحَلُّ. وقُرِّبَ حَجَرٌ سِحريٌّ آخَرُ من شَفَتَي سونغ هيونجاي.
"كما تَوَقَّعت، التَّابِعونَ وحدَهُم لا يَكفون."
كانت قُوَّتُه قد ضَعُفَت بِسَبَبِ شَقِّ طَريقِه قَسرًا إلى عالَمٍ آخَر، لكنَّ جَودةَ الأحجارِ السِّحريَّةِ بَقِيَت كما هي. ومعَ ذلك، مُقارَنةً بالزَّمَنِ الذي مَلأَ جَسَدَ سونغ هيونجاي، لم تَكُن تلكَ الأحجارُ أكثرَ من حَبَّاتِ رَمل.
"هل أنتَ بِخَير؟"
كانَ سونغ تايوون، الذي وَصَلَ مُتَأخِّرًا بِخُطوةٍ أثناءَ مُلاحَقَتِه، يَتَفَقَّدُ مُحيطَ المَكانِ المُحَطَّمِ ويَتَحَدَّثُ بِمَلامِحَ مُتَصَلِّبَة.
"هذا القَدرُ لا يَهُزُّني حتّى. رُبَّما سَأحتاجُ إلى مُتعالٍ قبلَ أن أشعُرَ بأيِّ شيء."
ما أرادَه سونغ هيونجاي كانَ ضَغطًا خارِجيًّا، شيئًا يَستَطيعُ زَعزَعَةَ القُوَّةِ المُتَراكِمَةِ داخِلَه. فما تَراكَمَ داخِلَه لم يَكُن قُوَّةً بَسيطةً كتِلكَ المُخَزَّنَةِ في الأحجارِ السِّحريَّة، بل زَمَنًا مُشَبَّعًا بالخِبرة. السَّنواتُ التي قَضاها في رُؤيةِ وسَماعِ والشُّعورِ بكلِّ أنواعِ الكائِناتِ عَبرَ كلِّ أنواعِ العَوالِمِ تَراكَمَت على هَيئَةِ قُوَّة.
كانَ، حَرفيًّا، تَراكُمَ العَوالِم.
ولهذا كانت الأحجارُ السِّحريَّةُ للآخَرينَ مُنفَصِلَةً عن ذلك، كَكُتَلٍ غَريبةٍ منَ القُوَّة، عاجِزَةً عنِ الامتِزاجِ مُباشَرةً بما تَراكَمَ فيهِ بالفِعل. ولو كانَ ابتِلاعُ الأحجارِ السِّحريَّةِ وحدَه كافيًا لِصُنعِ أصلٍ زائِف، لَكانَت الهلالُ قد ضَحَّت بِعَدَدٍ لا يُحصَى منَ المُتعالينَ مُنذُ زَمَنٍ طَويل.
لذلكَ كانَ هَدَفُها هو تَنميَةَ كُتلةِ القُوَّةِ غيرِ المُمتَزِجَةِ تِلك، واستِخدامَها لِزَعزَعَةِ ما تَراكَم، ثمَّ هَضمِها شَيئًا فَشَيئًا. كانَت تحاوِلُ اختِصارَ عَمَليَّةٍ كانَ يَنبَغي أن تَستَغرِقَ عُصورًا، وذلكَ بِجَذبِ قُوَّةٍ خارِجيَّةٍ بَدَلًا منها. وبِطَبيعةِ الحال، جَعَلَ ذلكَ الأمرَ أكثرَ خُطورةً بِكَثير. فإذا ساءَتِ الأُمور، فقد تَمتَزِجُ الأحجارُ السِّحريَّةُ دَفعَةً واحِدَةً وتَمتَلِئَ بهِ بِضَربةٍ واحِدَة، فتُحَوِّلَه إلى بَدرٍ كامِل.
"الأهَمُّ من ذلك، هل أنتَ بِخَير، سَيِّد سونغ؟"
تَحَوَّلَت عيناهُ المُبَلَّلَتانِ نحوَ الرَّجُلِ الذي كانَ مُبتَلًّا بالمِقدارِ نَفسِه.
"حتّى لو كانتِ الطَّريقةُ الوَحيدةُ لِإنقاذِ هان يوجين هي أن أُصبِحَ أصلًا."
"ليسَ من حَقِّي أن أخبِرَه بأن يَستَمِرَّ في العَيش، حتّى في هذهِ الحالَة."
أجابَ سونغ تايوون بِنَبرةٍ ثابِتَة.
"لذلك، إلى أن يقولَ هان يوجين غيرَ ذلك، سَأُساعِدُك."
"أنتَ تَقِفُ إلى جانِبِ هان يوجين؟ هذا يُؤلِمُني قَليلًا."
"الصَيّادُ سونغ هيونجاي الحاليُّ يُريدُ أن يَعيش، لكنَّه في الوقتِ نَفسِه يُريدُ أن يَموت."
"المُديرُ سونغ تايوون يَقِفُ إلى جانِبِ مَن يُحاوِلونَ الاستِمرارَ في الحَياة، على ما يَبدو. وأنا كذلك."
اهتَزَّتِ السَّماء. فهَبَطَت مَساراتٌ منَ الضَّوءِ معَ المَطَر. دوِيّ! انهارَ الطَّريقُ مُباشَرةً أمامَهُما، فتَلَوَّت كُتلةٌ عَديمةُ الشَّكل، مُتَحَوِّلَةً إلى هَيئَةِ وَحش. اندَفَعَ شيءٌ يُشبِهُ ذِئبًا ضَخمًا مُباشَرةً نحوَ سونغ هيونجاي.
– أنا—
"هَلامَةُ اللَّيمون."
– ماذا؟
انطَلَقَتِ السِّلسِلةُ نحوَ الذِّئبِ قبلَ أن يَتمَكَّنَ من قَولِ اسمِه. تَشَوَّهَ أحَدُ جانِبَي الحَلَقةِ الذَّهَبيَّة، وتَحَوَّلَ إلى نَصل. فانفَصَلَت إحْدى القَوائمِ الأماميَّةِ للذِّئبِ بِقَطعٍ نَظيف.
"…"
"الصَّيّادُ سونغ هيونجاي!"
وفي اللَّحظةِ نَفسِها، انفَجَرَ الدَّمُ من ذِراعِ سونغ هيونجاي في الجانِبِ نَفسِه. أمسَكَ بِذِراعِه السّاقِطَة. أخرَجَ سونغ تايوون على الفَورِ جُرعَةً عِلاجيَّةً عاليةَ الجَودة العُليا من مَخزونِه وقَذَفَها إليه. حَطَّمَتِ السِّلسِلةُ طَرَفَ الجُرعَة، ونَثَرَت مُحتَوياتِها بِدِقَّةٍ فوقَ الطَّرَفِ المَقطوع. وبَينَما عالَجَ سونغ هيونجاي ذِراعَه، راحَ التَّابِعُ عَديمُ الشَّكلِ يُراقِبُه كما لو أنَّه يَسخَرُ منه. تَجَدَّدَتِ القائِمَةُ الأماميَّةُ للذِّئبِ في لَحظَة، ثمَّ تَحَرَّكَ الجُزءُ المَقطوعُ والتَصَقَ مُجَدَّدًا بالجَسَدِ الرَّئيسي.
– أيُّ هُجومٍ يُلحِقُ بي يُعادُ كما هو تمامًا.
"إذًا هو نَوعٌ منَ اللَّعنات. أفتَقِدُ هان يوجين. كانَ يَنبَغي حَقًّا أن أُحضِرَه."
– ما دُمتَ لا تَستَطيعُ تَجاوُزَ سُرعَةِ تَعافِيَّتي.
طَقْطَقَتِ الكَهرباء! اندَفَعَت نَحوَ الذِّئبِ على شَكلِ مَوجات. مَزَّقَت جَسَدَه اللَّيِّنَ في لَحظَة — وفي الوقتِ نَفسِه، تَرَنَّحَ جَسَدُ سونغ هيونجاي نَفسُه. كانت لَدَيه مُقاوَمةٌ قَويَّةٌ لِلكَهرباءِ، لكنَّ ذلكَ لم يَمنَعِ الضَّرَرَ منَ الانعِكاسِ عَلَيه.
– لا فائِدة.
كَشَّرَ الذِّئبُ عن أنيابِه. تَحَرَّكَ سونغ تايوون لِيَتَدَخَّل، لكنَّ سونغ هيونجاي رَفَعَ يَدَه لِيُوقِفَه.
ثمَّ—
قَرقَعَة!
اختَرَقَ طَرَفُ السِّلسِلةِ نُقطَةً واحِدَةً في الكُتلةِ عَديمَةِ الشَّكل. صَدرُه.
– مـ، ماذا.
لقد أخفَى نَواتَه في المَكانِ الذي يَنبَغي أن يَكونَ فيهِ قَلبُ كائِنٍ حَيّ. استَخدَمَ سونغ هيونجاي التَّيّارَ الكَهربائيَّ لِلعُثورِ على النَّواة، ثمَّ حَطَّمَها دونَ تَرَدُّد. وفي الوقتِ نَفسِه، اندَفَعَ الدَّمُ إلى أعلى وانسَكَبَ من فَمِ سونغ هيونجاي.
"…لا أشعُرُ بأنَّها مُمتِعةٌ بِشَكلٍ خاص."
"لِلتَّو، لا تَقُلْ لي إنَّك—"
"لم أمُت تمامًا. يُمكِنُك تَسميَتُها غَريزَةَ البَقاء. لقد استَعَرتُ بِبَساطةٍ قُوَّةً تُعادِلُ حَياةً واحِدَةً تَقريبًا."
ذابَ الذِّئبُ، تارِكًا وراءَه حَجَرًا سِحريًّا. التَفَّتِ السِّلسِلةُ حَولَه ورَفَعَته في الهَواء. ومِن خِلالِ المَطَر، تَرَدَّدَتِ الانفِجاراتُ والارتِطاماتُ المُتَكَرِّرَةُ لِلشُّهُبِ السّاقِطَة. خَرَجَ عِملاقٌ مَعدِنيٌّ طَنّانٌ مِن خِلالِ هَيكلِ مَتجَرٍ صَغير. وعلى الجانِبِ الآخَر، رَفْرَفَت نَحلَةٌ بِحَجمِ السّاعِدِ بِجَناحَينِ أسرَعَ من أن تَراهُما العَين.
ثمَّ، فوقَ هَديرِ مُحَرِّك—
"هل أنتُما بِخَير؟!"
صَرَخَت مون هيوناه. كانت تَقودُ سَيّارةً خارِقَةً عالِيَةَ الأَداء. كانَ الزُّجاجُ الأماميُّ بأكمَلِه وسَقفُ جِهَةِ السّائِقِ قد اقتُلِعا، ورُمحٌ ضَخمٌ مُثَبَّتٌ أمامَها. اندَفَعَت بِسُرعَةٍ لا يَستَطيعُ أيُّ كائِنٍ حَيٍّ بُلوغَها، فاصطَدَمَت بالعِملاقِ المَعدِنيِّ قبلَ أن تُتاحَ له أيُّ فُرصَةٍ لِلمُراوَغَة.
كوااانغ—
وَسطَ صَوتِ ارتِطامٍ مُقزِّز، انكَمَشَ طَرَفُ الرُّمحِ كما لو أنَّه مَرَّ عَبرَ مِكبَسٍ صِناعيّ. تَحَطَّمَتِ السَّيّارة، فقُذِفَت مون هيوناه والعِملاقُ المَعدِنيُّ في اتِّجاهَينِ مُتَعاكِسَين. وبَعدَ أن تَدَحرَجَت مَرَّةً واحِدَةً على الأرضِ وهَبَطَت، أخرَجَت مون هيوناه جُرعَةً عِلاجيَّةً على الفَورِ وسَكَبَتها على ذِراعِها. أمّا العِملاقُ المَعدِنيُّ، وقد انبعَجَ صَدرُه بِشِدَّةٍ إلى الدّاخِل، فتَرَنَّحَ واقِفًا ثمَّ انهارَ مِن جَديد.
"ذلكَ الشَّيءُ مَتينٌ بِشَكلٍ جُنونيّ!"
وبَينَما أدارت مون هيوناه ذِراعَها التي كانَت قد كُسِرَت مَرَّةً في دائِرةٍ فَضفاضَة، نَهَضَت مُجَدَّدًا. وفي الوقتِ نَفسِه، أطلَقَتِ النَّحلَةُ طَنينًا لم يَفهَمْه أحد. ارتَفَعَت شَظايا المَباني المُدَمَّرَةِ المُحيطَةُ بها في الهَواء، ثمَّ تَغَيَّرَ شَكلُها إلى نَحلاتٍ تُشبِهُ الأصليَّةَ تمامًا. وفي لَحظَة، تَشَكَّلَت مِئاتُ النَّحلاتِ وانْدَفَعَت مُتَجَمِّعَةً نحوَ سونغ هيونجاي دَفعَةً واحِدَة.
"لا أذكُرُ أنَّني طَلَبتُ إعادةَ مَلء."
ارتَفَعَت سِلسِلةُ الباحِثِ إلى الهَواء. انفَصَلَتِ الحَلَقاتُ المَعدِنيَّة، لكنَّها معَ ذلكَ لم تَكُن كافِيَةً لِمُضاهاةِ عَدَدِ النَّحلات. انتَشَرَ السَّربُ في وَضعٍ شَرِس. وخَرَجَت أشواكٌ سُمِّيَّةٌ ليسَ من ذُيولِها فَحَسب، بل من أجسادِها بأكمَلِها. تَقَدَّمَ سونغ تايوون أمامَ سونغ هيونجاي وضَرَبَ الأرضَ بِرَكلَةٍ مُحَمَّلَةٍ بقوة هائِلة. ارتَجَّ الطَّريقُ الذي ضَرَبَه مَرَّةً أُخرى، وانْدَفَعَ الإسفَلتُ والتُّرابُ إلى الأعلى أمامَ السَّربِ كالمَوجَة.
كاغاغاغاغا—
دارَتِ النَّحلات. وتَمَزَّقَ الجِدارُ الذي ظَهَرَ مِن العَدَمِ في لَحظَة. ومِن أحَدِ الجانِبَين، دوّى صَوتُ اصطِدامِ مون هيوناه بالعِملاقِ المَعدِني.
"هل تَظُنُّ أنَّ الكَهرباءَ سَتَنجَح؟"
"مِن الصَّعبِ القَول. لكن بَدَلًا من ذلكَ—"
رَنَّت حَلَقاتُ السِّلسِلةِ الذَّهَبيَّة — جججونغ — ثمَّ تَحَطَّمَت إلى قِطَع. كانت هُناكَ مِئات، بل آلافُ الشَّظايا التي أحاطَت بالسَّرب، فسَرَى التَّيّارُ عَبرَها جَميعًا.
"ماذا بحقِّ الجَحيم، هل تَستَطيعُ سِلسِلةُ سونغ هيونجاي فِعلَ ذلكَ أيضًا؟"
"جَوهَرُها هو الضَّوء. في حالَتي المُعتادَة، لا أستَطيعُ التَّحَكُّمَ بها بما يَكفي لِاستِخدامِها."
رَغمَ أنَّها اتَّخَذَت شَكلَ سِلسِلة، فإنَّها في الحَقيقةِ كانت ضَوءًا عَديمَ الشَّكل. انفَجَرَ السَّربُ كما تَنفَجِرُ حَبّاتُ الفُشارِ في الميكروويف. لم يَنجُ من سِجنِ التَّيّارِ سوى الجَسَدِ الأصلي، الذي أفلتَ بِخَفَقانٍ غاضِبٍ لِجَناحَيه، لكن—
ششخ!
اختَرَقَه رُمحٌ جَليديٌّ طائِرٌ وارتَطَمَ بالأرض. تَجَمَّعَت مياهُ المَطَرِ في مَكانٍ واحِدٍ كما لو أنَّ مِغناطيسًا يَجذِبُها. وتَجَمَّدَت ساقا العِملاقِ المَعدِنيِّ أمامَ مون هيوناه. دوِيّ! هَطَلَت عَشَراتُ الرِّماحِ الجَليديَّةِ نحوَ نَيزَكٍ سَقَطَ لتَوِّه.
"ييريم؟ ماذا عنِ الأجاشي؟!"
"هان يوهيون مَعَه! وأجاشي أرادَ مُساعَدَةَ السَّيِّدِ سيسونغ!"
أُمنِيَةُ هان يوجين. سَلامَةُ هان يوجين. لم تَستَطِع بارك ييريم أن تَحمِلَ نَفسَها على اختِيارِ أحَدِهُما على الآخَر. لم تَستَطِع مَعرِفَةَ أيِّ خِيارٍ كانَ حَقًّا من أجلِ مَصلَحَةِ هان يوجين. الشَّيءُ الوَحيدُ الذي كانت تَعرِفُه على وَجهِ اليَقينِ هو أنَّها تُريدُ أن يَكونَ هان يوجين آمِنًا. ولهذا، بَدَلَ إيقافِ هان يوهيون بِأنانيَّة، أشبَعَت أنانِيَّتَها بِطَريقَةٍ أُخرى وجاءَت إلى هُنا.
"أنا هُنا بَدَلًا منَ أجاشي! حَسنًا، كُنتُ أُخَطِّطُ لِمُساعَدَةِ السَّيِّدِ سيسونغ على أيِّ حال!"
"مَن كانَ لِيَظُنَّ أنَّ الآنِسَةَ الشّابَّةَ تَهتَمُّ بي إلى هذا الحَد."
"لا تَتَصَرَّفْ وكأنَّ الأمرَ كُلَّه بِسَبَبِك. لَولا أجاشي، لَما كُنتُ سَأهتَمُّ حتّى بِقائِدِ نِقابَةِ سيسونغ. تَمامًا كما لم يَكُنِ السَّيِّدُ سيسونغ لِيَهتَمَّ."
لقد سَمِعَت عَدَدًا لا يُحصَى منَ النَّاسِ يقولونَ إنَّ هذهِ هي طَبيعةُ سونغ هيونجاي بِبَساطة، لكنَّ بُرودَه كانَ يَترُكُ فيها وَخزَةً بَينَ الحينِ والآخَر. لكن مِن ناحِيَةٍ أُخرى، لم تَكُن بارك ييريم لِتَتَعَلَّقَ بهذا القَدرِ بِسونغ هيونجاي الذي لم يَتَأثَّرْ بِهان يوجين أيضًا.
"ييريم، كوني حَذِرَة!"
كواانغ! صَرَخَت مون هيوناه وهي تَهوي بِمِطرَقَةٍ ضَخمَةٍ على رأسِ العِملاقِ المَعدِنيِّ المُتَصَلِّب.
"لا تَقلَقي! إنَّها تُمطِر، وفي أسوَإِ الأحوالِ يُمكِنُني بِبَساطةٍ الرَّكضُ إلى نَهرِ الهان! إنَّه ضَخم!"
وكأنَّها تُجيبُها، ظَهَرَ شَكلٌ بَشَريّ، وهو يَنُفُضُ عن جَسَدِه الرِّماحَ الجَليديَّةَ المَغروسةَ فيه، بَينَما التَفَّ دُخانٌ أسوَدُ حَولَ وَجهِه وجُزئِه العُلوي. ظَهَرَت نافِذَةُ رِسالَةٍ أمامَ بارك ييريم ومون هيوناه.
[كونا حَذِرَين! كُلَّما كانَ التَّابِعُ أقوى، أصبَحَ فَتحُ الطَّريقِ أصعَب، ولذلكَ يَستَغرِقُ وَقتًا أطوَل!]
وبِعِبارَةٍ أُخرى، لن يزدادَ الأعداءُ إلّا قُوَّةً من الآنَ فَصاعِدًا.
دوِيّ. دوِيّ. دوِيّ!
استَمَرَّتِ النُّجومُ في السُّقوط. كما لا تَزالُ هُناكَ شُهُبٌ لا تُحصَى في السَّماء.
"هيونغ! هذا لا يُصَدَّق!"
رَنَّ صَوتٌ شَديدُ الحَماس. أجبَرتُ عَينَيَّ على الانفِتاح.
…ثمأردتُ إغلاقَهُما فورًا.
"أنا جاد، إنَّه مُذهِل!"
كانَ بارك هايوول واقِفًا هُناكَ عاريَ الصَّدر، يَستَعرِضُ عَضَلاتِه. كانَ رأسُه بالحَجمِ نَفسِه كما مِن قَبل، لكنَّ كَتِفَيهِ أصبحا أعرَضَ منَ السّابِقِ بأكثرَ منَ الضِّعف. ما خَطبُ هذا الرَّجُلِ بحقِّ الجَحيم؟
"أنتَ… هذا…"
"هذا عالَمي! لذلكَ أتَأثَّرُ أيضًا بِقُوَّةِ الحالمين!"
اشتَعَلَ رأسي المُشَوَّشُ دَفعَةً واحِدَة، كما لو أنَّ أحَدًا قَلَبَ مِفتاحًا. انتَصَبتُ جالِسًا. هذا المَكانُ كانَ — صَحيح، الحُلم. وهذا يَعني أنَّني—
‘…يوهيون.’
لقد أفقدَني الوَعي. إذًا كُنتُ لا أزالُ فاقِدَ الوَعي.
"لكنَّ هذهِ الكائِناتِ شَديدةُ القُوَّةِ تُواصِلُ اقتِحامَ طَريقِها إلى هُنا، أليسَ كذلك؟ لقد أصبَحتُ أقوى!"
أطلَقَ بارك هايوول ضِحكَةً سَعيدَة، ثمَّ ارتَخى. كما انكَمَشَ الجُزءُ العُلويُّ المُتَضَخِّمُ من جَسَدِه وعادَ إلى طَبيعَتِه.
"ما زِلتُ لا أستَطيعُ الاستِيقاظَ، معَ ذلكَ، عَقدي يَتَناسَبُ معَ قُوَّتي. أنتَ بارِعٌ جِدًّا في العُقود، هيونغ. هل كُنتَ تَعرِفُ أنَّ هذا سَيَحدُث؟"
"…لم أتَوَقَّعْ أنَّك سَتَتَأثَّرُ حتّى بِالمُتعالين. إذًا لقد أصبَحتَ أقوى حَقًّا؟"
"أجل! لكن ليسَ هُناكَ كَثيرٌ مِمّا يُمكِنُني فِعلُه وأنا نائِم!"
إذًا ما الفائِدة؟ راوَدَني جُزءٌ مِنِّي الرَّغبَةَ في إيقاظِ بارك هايوول مُجَدَّدًا، لكنَّ ذلكَ لن يُؤدِّيَ إلّا إلى تَقوِيَةِ قُوَّةِ الهلال. مِنَ الأفضَلِ أن يَبقَى نائِمًا، بِصَراحة.
"معَ ذلك، أصبَحَ منَ الأسهَلِ عَلَيَّ أن ألتَقِيَ بِك بهذهِ الطَّريقة. ألا يُمكِنُك المَجيءُ أكثر؟ حتّى بَعدَ أن تَعودَ إلى العالَمِ الحَقيقي، إذا فَكَّرتَ بي قَبلَ أن تَنام، يُمكِنُنا أن نَلتَقي."
"آه، حَسنًا، أظُنُّ ذلك. هل يُمكِنُك التَّدَخُّلُ معَ أشخاصٍ آخَرينَ بهذهِ الطَّريقةِ أيضًا؟"
"لا أعرِف. أنتَ تَعاقدتَ مَعي. وأقسَمتُ لكَ بالوَلاءِ!"
…مَتى فَعَلتُ ذلكَ بالضَّبط؟ بدأ بارك هايوول يُثرثِرُ ويَسألُني إن كُنتُ بِحاجَةٍ إلى شَيء. ظَهَرَ كُرسِيٌّ وطاوِلَةُ شاي. جَلَستُ في الوقتِ الحَالي. كُنتُ قَلِقًا بِشَأنِ يوهيون.
"أمّا ما أحتاجُ إليه… فلا أعرِف."
لم يَكُن بِوُسعي الحُصولُ على الشَّيئَينِ اللَّذَينِ أُريدُهُما مَعًا. لقد كافَحتُ لِلتَّمَسُّكِ بِكُلِّ شَيءٍ بِطَريقَةٍ ما، لكنَّني شَعَرتُ أنَّ اللَّحظَةَ التي كانَ عَلَيَّ فيها الاختِيارُ قد حانَت أخيرًا.
"لا أُريدُ أن أَجعَلَ أطفالي يَقلَقون. أُريدُ أن أبقَى إلى جانِبِ أخي لِفَترَةٍ طَويلَة. لكنَّني لا أُريدُ أن أتَراجَعَ هكذا أيضًا. أشعُرُ أنَّ كُلَّ ما تَحَمَّلتُه حتّى الآن سَيَنهارُ إذا فَعَلتُ."
لم يَكُنِ الأمرُ يَتَعَلَّقُ بِبَساطةٍ بِما إذا كُنتُ سَأُساعِدُ سونغ هيونجاي أم لا. كانت هذهِ حَياتي. لقد قَرَّرتُ أن أُمسِكَ بِيَدِ يوهيون، وظَلِلتُ أتَشَبَّثُ بِذلكَ الاختِيارِ بِعِناد. تَمَسَّكتُ بهِ حتّى عندما ظَنَنتُ أنَّ أخي قد تَخَلَّى عَنِّي. وبَعدَ عَودَتي، وبَعدَ أن تَعَرَّفتُ إلى أخي البالِغِ منَ العُمرِ خَمسَةً وعِشرينَ عامًا، بِصَراحة—
"كانت هُناكَ أشياءٌ كَثيرةٌ ظَنَنتُ أنَّها مُستَحيلة."
بدا الأمرُ ميؤوسًا منه. حتّى بَينَما واصَلتُ القَولَ إنَّني لن أستَسلِمَ أبدًا لاستِعادةِ أخي، كانت تِلكَ الحَقيقةُ المُستَحيلةُ مَوجودَةً دائمًا في مكانٍ ما في مُؤخِّرَةِ ذِهني. ومعَ ذلك، صَمَدتُ.
"مُحاوَلَةُ رُتبةِ F لِلحاقِ بِرُتبةِ S كانت جُنونًا منذُ البِداية."
لم أندَمْ على ذلك. لكنَّني بَدأتُ، شَيئًا فَشَيئًا، أتَساءَلُ إن كانَ منَ المُفتَرَضِ أن أنهارَ مَرَّةً واحِدَةً على الأقل. لقد بَدأتُ أشعُرُ بالتَّعَب.
"…معَ أنَّني رُبَّما لا يَنبَغي أن أقولَ ذلكَ وأنتَ جالِسٌ هُنا."
"هل تُريدُ أن تَلتَقيَ شَخصًا آخَرَ إذًا؟"
"ماذا؟ مَن؟"
"الآن وقد أصبَحتُ أقوى، تَمَكَّنتُ منَ التَّجَوُّلِ في أرجاءِ هذا الحُلم، ورأيتُ شَخصًا يُشبِهُك تَمامًا. كما رأيتُ شَخصًا يُشبِهُ أخاكَ تَمامًا!"
"…ماذا؟ أنا ويوهيون؟"
"أتُريدُ مِنِّي أن أُناديَهُما؟"
أومَأتُ قَبلَ أن أُفَكِّرَ حتّى. ومَدَّ بارك هايوول ذِراعَيهِ كِلتَيهِما عَبرَ الهَواءِ الخالي.
وبَعدَ فَترَة، ظَهَرَت وُجوهٌ مألوفَة.
FEITAN