توقفت أصابعي عن النقر. الصمت في الغرفة أصبح خانقاً، والبيانات التي أمامي بدأت تتداخل مثل شوشرة مذياع قديم. تنهدتُ بعمق، وأرجعتُ الكرسي للخلف ليصدر صريراً مزعجاً. "الخزانة، المستودع، 14 أكتوبر.." كل هذه الخيوط قوية، لكنها تفتقد للرابط الحي.
"إذا كان ماركوس لا يزال هنا، فهو لا يعيش في الهواء."
أغلقتُ كافة صفحات البحث عن "أفق" و"راون للنقل". شعرتُ أنني أبحث في المكان الذي يريدني ماركوس – أو من يخفيه – أن أبحث فيه. قررتُ أن أغير الدفة تماماً. تركتُ الحاسوب ونهضتُ باتجاه النافذة، أراقب الشارع الهادئ من أجل تصفية عقلي.
بعد قليل عدت إلى المكتب، لكن هذه المرة لم أفتح المتصفح. سحبتُ هاتفي وفتحتُ تطبيق "توصيل الطلبات". نعم، الفكرة بدت سخيفة في البداية، لكنها منطقية؛ الشخص الذي يدعي السفر للخارج ولكنه يختبئ في "سرداب" مدعم بالخرسانة، لا بد أن يأكل، ولا بد أن يستهلك طاقة.
الخطوة الأولى: بحثتُ عن المطاعم القريبة من منطقة المستودعات القديمة ومنزل ماركوس السابق.
الخطوة الثانية: ركزتُ على الطلبات "الروتينية" التي تُدفع نقداً وتُترك عند الباب .
الخطوة أخيرة: بدأت أتساءل عما أفعله.
"أولا لما أفترض أن ماركوس يختبئ في سرداب"
تنهدت ويبدو أنني كنت يائس من أجل إيجاد أي خيط، وبهذه الطريقة سوف أبدأ بوضع إفتراضيات دون أدلة. لذلك قررت.
سوف أبتعد عن بحث عن ماركوس ومارين وما إلى ذلك وأركز على الشحنة فقط.
"أين تلك الشحنة الأن"
سألتُ السؤال، ثم أدركتُ أنني لا أملك حتى إجابة بدائية. لا “وصلت”، ولا “تأخرت”، ولا حتى “قيد المعالجة”. مجرد فراغ.
فتحتُ ملف الشحنة من جديد. هذه المرة لم أبحث عن أسماء أو نوايا، بل عن أبسط شيء: آخر نقطة مؤكدة.
تاريخ الخروج: موجود.
بيان الحمولة: موجود.
رقم التتبع: صالح.
لكن عند خانة الوصول إلى المستودع الوسيط…كانت هناك شرطة واحدة فقط.
– «—»
حدقتُ فيها طويلاً. ليست كلمة “معلّق”، ولا “قيد المراجعة”. شرطة. كأن أحدهم قال: لا شيء يُكتب هنا.
أعدتُ تحميل الصفحة لكن نفس الشيء.
فتحتُ السجل التفصيلي للحركة، ذلك الذي لا يراه إلا من يملك صلاحية أعلى بقليل مما يُفترض أن أملكه. مررتُ السطور واحدة تلو الأخرى، حتى توقفتُ عند آخر إدخال زمني:
14 أكتوبر – 03:17 فجراً
تم الاستلام من الناقل.
لا مكان.
لا توقيع.
لا اسم مستودع.
فقط: تم الاستلام.
شعرتُ بشيء بارد يتحرك في معدتي. ليس خوفاً… بل ذلك الإحساس المزعج عندما تدرك أن النظام نفسه يتظاهر بأن كل شيء طبيعي.
همستُ لنفسي: "الشحنة لم تضِع في الطريق…"
تراجعتُ في الكرسي، ووضعتُ يدي على وجهي. لو كانت الشحنة مسروقة، لظهر خلل. لو كانت متأخرة، لظهر تنبيه. أما هذا؟ فهذا يعني أن أحدهم أخرجها من المسار، ثم أقفل الباب بهدوء خلفه.
رفعتُ رأسي وعدتُ إلى الشاشة.
"لحظة إذا كانت الشحنة اختفت، فهذا يفسر سبب وجود خفر السواحل في الميناء. "
لم أقلها بيقين، بل كمن يختبر فكرة في الهواء. خفر السواحل لا يظهرون بسبب تأخير إداري، ولا بسبب خطأ في أوراق. يظهرون عندما يُخالف شيءٌ ما مساره الطبيعي، وهناك شيء غير طبيعي في هذا.
"لحظة، اختفاء الشحنة، خفر السواحل، تعلبير والدي"
سحقا فهمت الأن، سبب انزعاح والدي وسبب الذي جعلني أدخل إلى هذه الفوضى بالكامل.
كل هذا بسبب هذه الشحنة، اذا اختفت فلا عجب أن والدي كان مزاحه سيء، ربما حملت تلك الشحنه شيء مهم تطلب اجرائات صارمه لكن في نهاية... اختفت.
ليس صدفه وهذا يشرح سبب وجود خفر سواحل ويجب عودته متأخرا الأمس وسبب حالته الشاردة "والأن علمت ما هي المشكلة، فلم يعد هذا مجرد إفتراض"
يمكنني مساعدة "لكن كيف"
عدى قدرة على الوصول إلى صلاحيات التسجيل الحركي فليس لدي قدرة على تخطي مستوى هذه الصلاحيات أو سيتم إعتباري مشتبه به... إذا هل أشارك ما إكتفشت مع خفر السواحل..
لا بد أن ماركوس له علاقة بإحتفاء الشحنه لكن.. ليس لدي دليل، لا يزال كل هذا مجرد إفتراضيات مني .
"بحكم المكان الذي وجدت فيه هذا الملف، أعتقد أن خفر السواحل سوف يحتاج وقت طويل قبل وصول إلى ما وصلت إليه... فكر... كيف يمكنني مساعدة دون جرح كبرياء والدي"
هناك جواب واحد، العثور على أدلة تدين ماركوس.
وموقعه أيضا... الهدف سهل لكن تنفيد أصعب.
لو أملك مزيد من صلاحيات ومساهدة لكان ذلك أسهل وسوف يكون أسهل على خفر السواحل فيكفي أن أجد دليل واحد قاطع وبعد ذلك ننهي البحث.
"حسنا حان وقت الجدية"
إبتسمت و فتحتُ نافذة جديدة، لكنني لم أبحث عن أسماء. بل عن طريقة من أجل تتبع حساب مارين وموقع هاتفها، فعندما لا أعلم شيء، أتعلمه بسرعة عبر إستخدامه لذلك بدأت في سد فجوة معرفة لدي.
لكن الوقت لا ينتظر أحد، أنتهى اليوم وانتهى الطعام على الطاولة، مع ذلك، المنزل صامت..
عبست وتحققت من منزل وحقا لا يوجد أحد، لذلك حاولت إتصال بأختي
[رصيدك غير كافي]
نسيت أم أشحن سابقا... قبل الخروج من أجل شحن، تحققت أولا ما ان كان هناك شيء ناقص، وخرجت وعدت سريعا لكن لم يعد أحد بعد، ثم اتصلت على أختي أولا وبعد رنين قصير رد صوت متعب
[نعم؟]
"أين أنتي؟"
[أنا مع صديقتي هل تريد شيء]
"ألم تتحققي من وقت؟ "
[أعلم.لن أعود الليلة لقد أخبرت أمي،وبما أنها لن تعود أيضا فلا أريد البقاء معك، اطبخ شيء لنفسك فلا أعتقد أن والدي سوف يعود أيضا]
"بجدية، لما لم يخبرني أحد بهذا
[إن لم يكن هناك شيء أخر فسوف أقفل]
لم أعد أفهم، ما بال هذه العائلة مأخرا، تنهدت ونظرت إلى الهاتف، لم تكن تسأل حتى فقد أقفلت الخط في وجهي.
تلك القزمة، سوف أنتظر حتى تعود.
" والدي أولا ثم أمي"
هل يتجاهلون وجودي عن عمد أو ماذا؟
"انسى الأمر"
تنهدت و وضعتُ الهاتف على الطاولة، ثم وقفتُ في المطبخ دون هدف واضح. فتحتُ الثلاجة، أغلقتها. أخرجتُ كوباً، لم أملأه. كنت أتحرك فقط لأُقنع نفسي أن الأمور ما زالت طبيعية.
لكنها لم تكن كذلك.
عدتُ إلى غرفتي وأغلقتُ الباب خلفي. جلستُ أمام الحاسوب من جديد، هذه المرة بلا تردد. لم أعد أبحث بدافع الفضول، بل بدافع الضرورة. إذا كنت سأفعل شيئاً، فعليّ أن أفعله الآن، قبل أن تسبقني الأحداث.
فتحتُ ملاحظات جديدة وكتبتُ في أعلاها:
ما الذي أملكه فعلاً؟
– توقيت اختفاء الشحنة.
– تدخل خفر السواحل.
– توتر والدي غير المبرر.(+عائلتي)
– اسم واحد يتكرر في الخلفية: ماركوس.
مسحتُ السطر الأخير تقريباً، ثم أعدتُ كتابته. لا، لم يكن مجرد اسم. كان نقطة تقاطع.
إذا كان ماركوس متورطاً، فهو لم يبدأ مع هذه الشحنة فقط. لا أحد يرتكب خطأً بهذا الحجم من المرة الأولى. هناك نمط، ثغرة صغيرة، شيء اعتاد فعله ولم ينتبه له أحد. ومن أجل العثور على هذا الشيء فأنا أحتاج أن أجد مكان ماركوس أولا قبل البحث في ذلك.
وإذا أردت أن أجد ماركوس فيجب أن أبدأ بمن حوله
"مارين.. سوف أبدأ من هنا"
نطقتُ اسمها ببطء، كأنني أضع حجراً أول في مكانه الصحيح. لذلك عدت لما كنت أفعله قبل أن أتوجه إلى المطبخ، أحتاج طريقة لتتبع مكانها فإذا وجدتها ولو من خلال الصور فسوف أجد مكان ماركوس.
______________
نهاية الفصل
______________