أعدتُ قراءة جملة "الظل_04" للمرة العاشرة. الحروف بدت وكأنها تحفر ثقباً في شاشة الحاسوب. "وجدوا شيئاً في القبو".. الكلمة بحد ذاتها كانت تستفز خيالي. في المباني الخرسانية القديمة، القبو ليس مجرد طابق سفلي، إنه المخزن، الأرشيف، والمكان الذي تُدفن فيه الأشياء التي لا يراد لها أن تظهر للنور.
"كيف فاتني ذلك؟" ضربتُ جبهتي براحة يدي. تذكرتُ الردهة المظلمة، والدرج الحديدي الذي صعدتُه.. هل كان هناك درجٌ آخر ينزل لأسفل خلف مكتب الاستقبال المكسور؟ أم أن الباب كان مغطى بتلك الملفات الملقاة في الزاوية؟
لقد بحث جيدا أكثر من ساعة لكن لم أرى أي قبو، لكن لن أعتمد على ما رأيته هذه المرة، توجهت للبحث و بما أن الشركة أفلست والمبنى قديم، فإن مخططات البناء الأصلية تكون مسجلة في دائرة التخطيط العمراني أو "البلدية".
ولم أبحث كثيرا، أولا استخرجت رقم القطعة الأرضية من خرائط ثم دخلت بوابة الخدمات الإلكترونية للمدينة، وبحثت بذلك الرقم وسرعان ما وجدت نسخة في سجلات السلامة العامة.
فتحت المخطوطات التي كانت عبارة عن خطوط زرقاء متداخلة تعود لثمانينيات القرن الماضي. بدأتُ أتفحص الطابق الأرضي.. ممر، غرف مكاتب، دورة مياه.. وفجأة، في زاوية ميتة خلف المصعد المعطل، وجدتُ مربعاً صغيراً مظللاً كُتب بجانبه بخطٍ رفيع: "مخزن فني - وصول محدود".
"إذن هو موجود.."
شعرتُ برعشة خفيفة لا علاقة لها ببرودة الغرفة. لم يكن ماركوس جاسوساً، ولم تكن الشركة واجهة للاستخبارات، لكن "الظل_04" -الذي قد يكون مجرد موظف ساخط أو تقني تكنولوجيا معلومات- ألقى بذرة الشك في عقلي، ونمت تلك البذرة لتصبح غابة من التساؤلات.
أمسكتُ هاتفي وفكرتُ في الاتصال بفايل. تخيلتُ رد فعل لكن سرعان ما تراجعتُ عن الفكرة، أحتاج المزيد من المعلومات، لن أكرر نفي الخطأ.
عدتُ للمنتدى التقني، وحاولتُ تعقب حساب "الظل_04" لكن كان حسابه معطلاً منذ سنوات، رغم ذلك بحثتُ عن منشوراته الأخرى. كانت أغلبها تقنية بحتة عن "تشفير البيانات" و"استعادة الملفات التالفة".
لكن عدى ذلك لم أجد شيء مهم، تنهدت وتوقفت هما وفتحت صغحة جديدة وتوجهت للبحث من خلال حساب مارين ومحاولة معرفة مكان ماركوس أو على الأقل المزيد من المعلومات عنه من أشخاص حوله ويبدو أن هذا الأمر قد يستغرق وقتا طويلا.
استندتُ بمرفقيّ على سطح المكتب، وأخذتُ أتصفح قائمة أصدقاء "مارين" واحداً تلو الآخر. كان الأمر يشبه البحث عن إبرة في كومة قش رقمية. مئات الحسابات لم تكن سوى واجهات لأشخاص عابرين؛ جيران قدامى، زملاء دراسة، وأقارب ينشرون صوراً لرحلاتهم الموسمية.
توقفت قليلا وتوجهت من أجل إعداد بعض الطعام لي، ومجددا ليس هناك أحد في منزل، نظرت إلى الوقت وتنهدت بهدوء "16:20"
الوقت يمر بسرعة ومازلت في مكاني، لذلك قررت أن أسرع البحث أكثر، عدت إلى المكتب وقبل أن أتحرك لاحظت شيء في الصفحة التي كانت مفتوحه.
كانت صورة قديمة لمارين، واحدة من تلك الصور التلقائية التي تُلتقط في تجمعات عائلية بسيطة. في زاوية الصورة، خلف مارين التي كانت تضحك، ظهر انعكاس ماركوس على مرآة خزانة خشبية قديمة. لم يكن ينظر للكاميرا، بل كان يمسك بهاتف أرضي، ملامحه كانت مشدودة، وعيناه ممتلئتان بذعر مكتوم لم ألحظه في المرات السابقة.
جلست على المكتب وقمت بتضخيم الصورة أكثر ثم عدلت الجودة، و ظهر شيء أخر في إنعكاس، ملف ذهبي
ضاقت عيني قليلا لكن لم أتسرع في استنتاج، وعدت للبحث بدقة في الصورة وهناك كان يوجد شيء أخر حيث شد انتباهي "التقويم الحائطي" الظاهر في الانعكاس خلفه. كان هناك تاريخ محدد محاط بدائرة حمراء عريضة، وبجانبه كلمة مكتوبة بخط صغير جداً.
لم أتمكن من قرائة الكلمة لكن لم أخطأ في قرائة التاريخ
"14 أكتوبر" لا يوجد سنة على تقويم لكن هذا نفس يوم توقيع العقد في الملف.. صدفة؟.
لكن مع ذلك لم أتسرع في استنتاج، أردت المزيد من المعلومات وكنت جائع للمزيد منها.
استندتُ بمرفقيّ على سطح المكتب، وأخذتُ أتصفح قائمة أصدقاء "مارين" مجدداً، لكن هذه المرة بعين فاحصة تبحث عن "الروابط" .
الساعة 17:21. الضوء البرتقالي للشمس بدأ ينسحب من زاوية غرفتي، تاركاً إياي في عتمة خفيفة لا يكسرها سوى وهج الشاشة.
نقرتُ على حساب يحمل اسم "صامويل - مقاولات عامة". كان هذا الرجل قد علق على صورة قديمة لماركوس بجملة بدت عادية وقتها: "تلك الخزانة لها وزنٌ لا تتحمله الأرضيات العادية يا ماركوس، هل تأكدت من تدعيم السرداب؟".
لم أعلق، فقط وضعت التعليق في ملاحظة وغيرت إتجاه البحث. إلى ذلك الشخص الذي إتضح أنه يعمل في..
"شركة أفق.." تمتمتُ وأنا أضيق عينيّ أمام سجل تجاري قديم ظهر في زاوية مخفية من نتائج البحث العميق.
المستودع الذي قمت بزيارته.. إنه تابع لهذه الشركة
" شركة أفق... سمعت هذا إسم من قبل"
عدت إلى صفحات سابقة وتوقفت، وكما توقعت بينما كنت أبحت مررت على هذا إسم من قبل، و لم تكن "أفق" مجرد شركة هندسية كما توقعت . كانت بدورها فرعاً صغيراً لمجموعة أكبر: "راون للنقل البحري".
"الميناء.."إنها الشركة التي يعمل بها والدي..
لم أتوقف، مررتُ الفأرة بسرعة فوق قائمة النشاطات المسجلة في شركة أفق، من نقل بضائع، تأمين حاويات، وتخليص جمركي. فجأة، بدأت التفاصيل التي رأيتها في المستودع تكتسب معنىً قسرياً ومختلفاً.
تلك البرودة الجافة، و الطوابق المدعمة بالخرسانة الكثيفة، والرائحة التي ظننتها "مطراً على الصدأ".. ربما كانت رائحة الملح التي تلتصق بجدران المخازن البحرية.
"14 أكتوبر."
هذا التاريخ لم يكن موعداً عشوائياً. دخلتُ إلى أرشيف حركة السفن في الميناء الغربي لهذا العام من خلال موقع شركة أفق . قلبتُ الصفحات الرقمية حتى وصلت إلى ذلك اليوم. و كانت هناك سفينة واحدة مسجلة باسم الشركة، وصلت في الفجر وغادرت قبل الغروب.
"شحنة واحدة.. ودائرة حمراء على التقويم."
رسمت إبتسامة واسعة على وجهي وشعرت فجأة أن تعب اليوم قد تلاشى فورا "الشحنة"
تلك الكلمة التي بدأت كل شيء، هاهي تعود من جديد.
أغلقتُ عينيّ لثانية واحدة، أحاول استيعاب حجم الخيوط التي تشابكت في يدي الآن. والدي يعمل في "راون للنقل البحري"، و ماركوس اختفى بعد 14 أكتوبر، و.. لحظة، توقف هنا.
" ماركوس إختفى 14 أكتوبر، لكن خطط لرحيل قبل نصف سنة؟ "
ليس هناك خطأ، نظرت إلى المذكرات وكانت كلمات الجارة مسجلة (لقد انتقلوا قبل نصف سنة)
لكن حسب الصورة، ماركوس وزوجته لا يزالون في الجوار خلال هذا الوقت "تناقض في معلومات؟ "
أو أنهم يقيمون عند شخص ما، لكن لماذا يبيع منزله ويعطي وهم أنه ينتقل إلى بلد أخر...
"ماركوس لا يزال هنا" إذا كان هذا صحيح، فهذا يشرح لماذا رقم الهاتف لا يزال يعمل.
نقطة أخرى، لم تقم زوجته بتنزيل أي صورة لها وهي خارج هذا البلد، ومما لاحظته فهي شخص يحب مشاركة جميع تفاصيل حياتها، وهذا يؤكد الأمر
"ماركوس إنتقل لكن ليس لبلد جديد"
لا يزال من ممكن العثوى عليه.. جيد بدأ هذا اللغز يتفكك.
فجأة تذكرتُ كلمات "صامويل": "تلك الخزانة لها وزنٌ لا تتحمله الأرضيات العادية".
" الخزنة؟" إذا كان قد طلب خزنة أو نا شابه، ألا يعني هاذا أن خناك إحتمالية لتتبع منطقة التسليم؟.
بدأت الأدرينالين يتدفق في عروقي بشكل أسرع. لقد ارتكب ماركوس الخطأ الكلاسيكي: التظاهر بالرحيل مع البقاء في محيط مألوف. إذا كانت الجارة تعتقد أنه رحل قبل نصف سنة، فذلك لأنه "باع" المنزل لإعطاء انطباع بالنهاية، لكن الحقيقة كانت تختبئ خلف "الخزانة".
" أشعر أنني أقترب من نهاية أسرع مما توقعت"
لكن أي مستودع كان يتحدث عنه....
حسما سوف أعلم بعد تعمق أكثر...
___________
نهاية الفصل
___________