تركتُ فايل خلفي في السيارة، وخطوتُ نحو المبنى. بمجرد اقترابي، شعرتُ بالفرق في درجات الحرارة؛ كان المبنى ينفث برودةً جافة تشبه برودة القبور. دفعتُ الباب الرئيسي، فصدر عنه صريرٌ معدنيّ طويل تردد صداه في الممرات الخاوية كأنه صرخةٌ مكتومة.
في الداخل، كانت الردهة واسعة وموحشة. ضوء الشمس المتسلل من النوافذ العالية المكسورة كان يسقط على الأرضية الإسمنتية في بقعٍ باهتة، يرقص فيها غبارٌ كثيف لا يهدأ. كانت هناك رائحة مميزة للمكان؛ خليطٌ من الرطوبة، والورق القديم، وشيء يشبه رائحة المطر على الصدأ.
مشيتُ ببطء، وكان صوت حذائي على الحصى المتناثر يبدو مرتفعاً بشكلٍ مزعج. في زاوية القاعة، كانت هناك آلة لبيع القهوة محطمة، وأسلاكها تتدلى منها كأعصابٍ تالفة. بجانبها، مكتب استقبالٍ خشبي تقشر طلاؤه، وعليه سجلٌ ممزق الصفحات تلاعبت به الرياح حتى بدت أوراقه كأجنحة طيرٍ ميت.
بدأتُ صعود الدرج. كانت الدرجات الإسمنتية متآكلة الأطراف، والجدران على الجانبين مغطاة بطبقات من الطلاء المتساقط الذي شكل خرائط عشوائية من النسيان. في الطابق الثاني، كان الممر طويلاً ومظلماً، تتوزع على جانبيه مكاتب أبوابها إما مخلوعة أو مواربة.
"بدأت أفهم لما فايل لا يحب هذه الأماكن"
في واقع هذا الصمت يجعلني متردد في البحث أكثر، لو كان الوقت ليلا لما تجرأت على دخول وحدي، خصوصا أنني لست متأكد أنني سوف أجد أي شيء مفيد.
دخلتُ أحد المكاتب؛ كان هناك مكتب معدني وحيد في المنتصف، تعلوه طبقة سميكة من الغبار لدرجة أنها بدت كالمخمل. فتحتُ أحد الأدراج بصعوبة، فأصدر صوتاً معدنياً حاداً. لم يكن بداخله سوى أقلامٍ جافة، ودبابيس ورق صدئة، ومفكرة صغيرة فارغة تماماً، باستثناء علامة مائية باهتة لشركة قديمة.
"لا شيء هنا"تنهدت وخرجت، نظرت إلى الممر بهدوء.
في نهاية الممر، كانت هناك قاعة اجتماعات كبيرة. الطاولة الطويلة كانت لا تزال في مكانها، وتحيط بها كراسٍ جلدية ممزقة يظهر منها الإسفنج الأصفر العفن.
على الحائط، كانت هناك لوحة بيضاء لا تزال تحمل رسوماً بيانية غير واضحة، مسحتها سنوات من الرطوبة حتى أصبحت مجرد ظلال رمادية.
وقفتُ هناك للحظة، مغمض العينين. كان الصمت ثقيلاً لدرجة أنني بدأتُ أسمع "تكتكة" خافتة.. ربما كانت ساعةً عالقة في الزمن في مكان ما، أو ربما مجرد قطرات ماء تتساقط من أنبوبٍ مكسور في سقف الطابق الأعلى.
"بدأت أشعر بعدم الراحة هنا" لم يكن هناك أحد، ولم يكن هناك أي دليل، فقط بقايا حياةٍ عملت هنا يوماً ثم رحلت وتركت جدرانها لتتآكل في صمت.
نزلتُ الدرج مجدداً، وشعرتُ برغبةٍ في الخروج بعد ساهة من البحث، وقد أصبح الامر واضح، هذا المكان لم يكن غامضاً لأنه يخفي شيئاً، بل كان غامضاً لأنه "فارغ" تماماً؛ فراغٌ يجعلك تتساءل كيف يمكن لمكان كان يضج بالحركة أن يصبح بهذا السكون القاسي.
عندما خرجتُ ، شعرتُ بهواء الشارع يلامس وجهي كأنه يعيدني إلى الواقع. ركبتُ السيارة بجانب فايل الذي لم يرفع عينه عن هاتفه.
"هاه؟ هل وجدتَ كنزاً؟" سأل فايل بملل.
"لا شيء.. مجرد غبار وحطام" أجبته وأنا أسند رأسي للخلف، وأبتسم هذا الأحمق كما لو أنه توقع ذلك
لم يرد عليّ، ولم ينظر حتى باتجاهي ليواسي خيبة أملي؛ بل استمر في الضغط على الشاشة لعدة ثوانٍ أخرى حتى صدر صوت "الفوز" من اللعبة. حينها فقط، تنهد بعمق، وأغلق الهاتف ووضعه في مكانه، ثم ابتسم ببرود وهو يشغل المحرك، وكأن النتيجة التي وصلتُ إليها كانت بديهية بالنسبة له لدرجة أنها لا تستحق حتى عناء السؤال.
تحركت السيارة ببطء، وبينما كنا نبتعد، لم يسألني عما رأيته أو لماذا تأخرت؛ لقد كان "انتصاره" في اللعبة أكثر أهمية من "هزيمتي" في البحث داخل ذلك المستودع المهجور.
وبطريقة ما هذا أزعجني أكثر....
انطلق فايل، وبينما كنتُ أنظر للمبنى في المرآة الجانبية وهو يبتعد، أحسستُ أن تلك الجدران المهجورة ستبقى هناك، تحرس فراغها وتكتكاتها الغامضة إلى الأبد.
"سحقا" حركت السيارة مبتعدة عن المستودع، وعاد الصمت ليخيم على المقصورة، باستثناء صوت المحرك الرتيب. كنت أنظر من النافذة أراقب أعمدة الإنارة وهي تمر من أمامنا كأنها شريط سينمائي باهت.
مجددا فقدت الخيط الذي ظننت أنني أمسكت وعدت إلى نقطة البداية، وأصبح البحث على مستوى أخر، لكن لن أستسلم، أحتاج فقط أن أتوقف عن معاملة الأمر كقضية صغيرة..
أنهى فايل طريقه بصمت، ولم يحاول حتى فتح المذياع هذه المرة، ربما لأنه شعر أن "مزاجي" لم يعد يحتمل حتى موسيقاه المزعجة. توقفت السيارة أمام باب منزلي، نزلتُ دون وداع حار، وهو بدوره انطلق فور إغلاقي للباب وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر ليعود لحياته الطبيعية.
دخلتُ المنزل، رميتُ مفاتيحي على الطاولة الجانبية وتوجهتُ مباشرة إلى غرفتي. لم أشعل الضوء الرئيسي، بل اكتفيتُ بضوء المصباح المكتبي الخافت. سحبتُ الكرسي وجلستُ أمام الحاسوب، بينما كان عقلي يعيد عرض أحداث اليوم مثل شريط سينمائي تالف.
فتحتُ المتصفح وبدأتُ أكتب. لم يكن بحثاً عشوائياً هذه المرة، بل بدأتُ بجمع المعلومات وتنسيقها؛ فالبحث عن "شخص مختفٍ" يتطلب تفكيك حياته إلى أجزاء صغيرة.
تحت الضوء الخافت، كان أزيز مروحة الحاسوب هو الصوت الوحيد الذي يكسر سكون الغرفة. بدأتُ بكتابة الاسم في محرك البحث، ليس الاسم الصريح فحسب، بل مدمجاً بكلمات دلالية استخرجتُها من ذكرياتي القريبة: اسم الشركة القديمة، تاريخ الإغلاق، وحتى العلامة المائية الباهتة التي رأيتها في تلك المفكرة اللعينة.
ظهرت النتائج تباعاً، آلاف الروابط التي لا سياق لها، لكنني لم أكن أبحث عن العموميات. انتقلتُ إلى الأرشيف الرقمي للصحف المحلية التي تعود لعشر سنوات مضت.
"البيانات لا تختفي أبداً، هي فقط تتراكم فوق بعضها مثل الغبار الذي رأيته في المكتب، وتحتاج من يزيحه بحذر."
بدأت رحلة تنقيب رقمي حول الشركة التي زرتها أو من أفضل أن أول أنه مجرد مستودع، وكان البحث أصعب مما توقعت أن بكون لكن كان هناك نتائج.
الساعة 11:15: وجدتُ صورة جماعية لموظفي الشركة في حفل سنوي. كانت الوجوه مبتسمة، غافلة عما سيؤول إليه حال مبناهم. بدأتُ بمطابقة الوجوه مع قائمة الأسماء التي كانت بحوزتي لكن لم أجد ماركوس.
الساعة 13:21: تعثرتُ في منتدى تقني قديم مهجور. أحد المستخدمين باسم مستعار "الظل_04" كان قد نشر تدوينة غاضبة قبل يوم واحد من إغلاق الشركة بشكل مفاجئ.
كتب "الظل_04" جملة واحدة جعلتني أندم على المغادرة بسرعة : "إنهم لا يغلقون الأبواب لأنهم أفلسوا، بل لأنهم وجدوا شيئاً في القبو."
توقفتُ عن الطباعة. القبو؟ لم أنتبه لوجود قبو في ذلك المبنى اللعين. "هل يجب أن أعود لهناك؟ "
أرجعتُ ظهري للخلف، وفركتُ عينيّ المجهدتين. انعكاس شاشة الحاسوب على زجاج النافذة جعل وجهي يبدو شاحباً، وكأنني أصبحتُ جزءاً من ذلك الغبار الذي كنتُ أزدري قبل ساعات والأن أفكر في عودة حتى.
"ما الذي قد يكون موجود في ذلك القبو"
لعنت في السر، مثل هذه المعلومة كان يجب أن أحصل عليها قبل زيارة المبنى، وقد حدث هذا لأنني كنت أستخف بهذه القضية أكثر مما توقعت.
"أحتاج إلى مزيد من المعلومات"
هذا الخطأ الغبي لن أقوم به مجددا..
__________
نهاية الفصل
__________