صباح اليوم التالي..
انطلقتُ أنا وفايل نحو الهدف المحدد مبكراً. كالعادة، كان فايل ينتظر وهو يتثاءب مثل كل مرة.
"إلى أين اليوم؟"
"سوف نتبع الخريطة، لنذهب."
صعدتُ السيارة وانطلق فايل دون الكثير من الأسئلة، لكن من الواضح أنه يريد أن يسأل لكنه يمتنع، وبسبب ذلك ظلت الرحلة صامتة ولا يتردد فيها سوى صوت الموسيقى من راديو السيارة..
الدقائق تحولت إلى ساعات، وخرجنا من مدينتي نحو مدينة أخرى. وبعد ثلاث ساعات وصلنا إلى المنطقة السكنية المحددة في الخريطة. ويبدو أن فايل منزعج لأننا ذهبنا بعيداً، لدرجة أنه بدأ يطرح الأسئلة.
حسناً، لا ألومه، لكن ليس لدي ما أخبره به الآن؛ ما زلت أنا نفسي لا أعلم ما الذي أبحث عنه بالضبط، لذلك قررتُ الالتقاء بماركوس أولاً وفهم عقلية هذا الرجل.
"هل هذا هو المكان؟"
سأل فايل بينما لم أكن متأكداً أيضاً: "من المفترض."
وصلنا إلى المنزل، لكن.. المنطقة فارغة. "ربما في الاتجاه الآخر، دعنا نتحقق."
"إذا كان لديك عنوان فيكفي أن تسأل."
فكرة جيدة، لذلك قررتُ السؤال، وأفضل خيار هو الجيران. توجهتُ لطرق باب منزل مجاور، لتخرج سيدة المنزل بطريقة غير منتبهة؛ حيث فتحت الباب وهي تتحدث مع شخص خلفها قبل أن تنظر إلى الطارق وتتجمد في مكانها.
صمتت كما لو أنها رأت شيئاً غير متوقع، وبدا الارتباك واضحاً على وجهها قبل أن تسأل: "كيف أساعدك؟"
"عذراً، هل تعرفين هذا العنوان؟"
عرضتُ الورقة التي سجلتُ عليها العنوان، وكانت السيدة لطيفة بما يكفي لتلقي نظرة أولاً: "هذا المنزل المجاور، لكن تم هدمه قبل نصف سنة. هل تبحث عن شيء؟"
"هل تعرفين عائلة راون؟"
"أوه.. هل أنت قريبهم أو ما شابه؟"
"مجرد صديق قديم."
"صديق؟" توقفت المرأة ونظرت إليّ بغرابة: "لا أتذكر أن أطفالهم في سنّ يسمح لهم بتكوين صداقات."
"لا لا، لست صديق أطفالهم، أنا صديق ماركوس." بالطبع أعلم أن أطفاله صغار، بل أقل من ذلك، ربما لم يتجاوز أكبرهم خمس سنوات حالياً.
لكن لا تزال المرأة تنظر إليّ بغرابة قبل أن تسمع صراخاً من خلفها، لتطلب منه الانتظار: "على أية حال، لقد انتقلوا قبل نصف سنة، والمنزل تم هدمه من قِبل الشخص الذي اشترى الأرض."
"هل تعلمين أين انتقلوا؟"
"لا، لكن مارين قالت إنهم سوف يذهبون إلى الخارج، لكن لم تذكر أي بلد."
توقفت المرأة مجدداً بسبب صراخ قادم من داخل المنزل، وأنهت محادثتها: "على أية حال، اعتنِ بنفسك أيها الشاب، ولا تتجول كثيراً في المنطقة فهي خطيرة."
"بالطبع، شكراً لكِ."
لوحت المرأة بيدها عرضاً ثم أغلقت الباب، وسمعتُ صوت صراخها من خلف الباب، لكن هل كلامها مؤكد؟
قررتُ التحقق من باقي الجيران، لكن البعض فقط من قَبِل التحدث، والبعض لم يفتح الباب حتى، بينما ظل البعض يسأل عن سبب بحثي عنهم. لكن في النهاية توصلتُ إلى استنتاج واحد: لقد انتقلوا إلى مكان آخر.. أين؟ غير معلوم.
صدفة؟ لا أعتقد.
عدتُ إلى السيارة وكان فايل ينتظر بينما يلعب لعبة قديمة على هاتفه. نظر إليّ بنصف عين وسأل: "هل انتهى تحقيقك؟"
"لم أجد شيئاً هنا، دعنا نتوجه إلى الموقع التالي."
"دعني أنهِ هذه الجولة أولاً."
تنهدتُ واستندتُ على المقعد أحاول التفكير في حل لهذا العائق غير المتوقع... ماركوس أصبح من غير الممكن الوصول إليه، لكن انتظر لحظة.. فجأة خطر ببالي شيء.
إذا كان خارج البلاد، فكيف لا يزال رقمه يعمل؟
"فايل، أقرِضني هاتفك للحظة."
"لا."
"..." هل رفض؟ "هل تخفي شيئاً؟"
"اللعنة!" لعن فايل عندما خسر الجولة وتنهد قبل أن يرمي الهاتف إليّ: "أنهِ ما تريده بسرعة."
"أخطط لذلك."
يبدو أنه كان يمزح فقط، رغم أن وجهه جدي أغلب الوقت.. على أية حال أخذت هاتفه ونسخت الرقم من أجل إجراء اتصال. بما أنه حظرني، فيمكنني الاتصال من رقم آخر فقط، وبعد تسجيل الرقم بدأ الاتصال.
رنين بسيط، ثم رُفعت السماعة.. رغم أنه رقم محلي.
[مرحباً]
صوت امرأة؟ هل هي زوجته؟ "مرحباً، هل ماركوس موجود؟"
[ماركوس؟ أعتذر، أعتقد أنك اتصلت بالرقم الخطأ.]
"؟؟؟" توقفتُ وتحققت من الرقم، لا يوجد خطأ. "عفواً، هل معي السيدة مارين؟"
[لا، تحقق من الرقم مجدداً، لا أعرف أحداً بهذا الاسم، سوف أغلق.]
"انتظري!" لم تنتظر، وتم إغلاق الخط في وجهي. حاولت إعادة الاتصال لكن تم حظر الرقم.
إذا كان مجرد اتصال خاطئ، فلماذا كلفت نفسها حظر الرقم؟
"أعد لي الهاتف إذا انتهيت."
"بالطبع." تنهدتُ وأعدتُ الهاتف وسجلتُ أفكاري أولاً.
لكن لماذا حُظر الرقم فوراً؟ في العادة، إذا أخطأ شخص ما في الرقم، فإنه يكتفي بإنهاء المكالمة، أما الحظر السريع فيعني "خوفاً" أو "احترافية" في قطع أي خيط يقود للمكان. يبدو الأمر كما لو أن ماركوس يتم إخفاؤه.. أو هو من يخفي نفسه.
"إلى أين الآن؟" سأل فايل وهو يشغل المحرك، "المكان التالي في الخريطة ليس بعيداً من هنا، أليس كذلك؟"
"لا، إنه في الضواحي الغربية لهذه المدينة.. يبدو أنه مستودع قديم أو مكتب مسجل باسم شركة استشارات هندسية أفلست قبل 5 سنوات."
"حسناً." انطلق فايل، وبينما كانت المناظر الطبيعية تتلاشى خلف نافذة السيارة، كنتُ أعيد تحليل ما حدث. سيدة المنزل المجاور قالت إن عائلة ماركوس انتقلت للخارج، لكن الرقم المحلي الذي اتصلتُ به لا يزال يعمل، والمرأة التي أجابت لم تكن "مارين" زوجته، وحظرها للرقم كان "رد فعل دفاعي" مبالغاً فيه.
"فايل، ما الذي يجعلك تقوم بحظر شخص فجأة؟"
"همم.. هل ترى هاتفاً هناك؟" أشار فايل بعينه وتابع بينما ينظر إلى الطريق: "قم بسؤاله إذا كنت تبحث عن شيء."
لا أعلم لمَ هو منزعج اليوم، عادة يكون أكثر نشاطاً من هذا، هل... حدث شيء في منزله؟
"أعلم ما تفكر به، لم يحدث شيء في منزلي."
"هل تقرأ الأفكار؟"
"يمكنك أن تقول ذلك."
ابتسم ويبدو أن مزاجه قد تحسن، حتى أنه شغّل موسيقى مفضلة لديه، وبالطبع قمتُ بإغلاقها: "دعنا لا نتحدث عن ذوقك ولكن احترم من يجلس قربك."
"وكأنني أهتم!" دون اهتمام أعاد تشغيل الموسيقى وأغلقتها مجدداً، وبحكم أنه يقود استسلم بسرعة.
بعد بحث في الهاتف أيضاً فهمتُ ما يمكن أن يجعل الشخص يقوم بحظرك، باختصار:
الحظر الوقائي (لتجنب المشاكل قبل وقوعها).
الحظر العقابي (كرد فعل على فعل مؤلم).
الحظر العاطفي (ناتج عن الغضب اللحظي).
حظر التعافي (للمساعدة على نسيان شخص ما).
حظر الحماية (لصد المتطفلين والمسيئين).
الحظر الصامت (لإنهاء علاقة دون مواجهة).
حظر الغيرة (لإبعاد الطرف الآخر عن المراقبة).
حظر الحدود (لإيقاف الإلحاح والإزعاج).
الحظر الاضطراري (بسبب ضغوط خارجية أو طرف ثالث).
الحظر الاستعلائي (لإشعار الطرف الآخر بعدم الأهمية).
نظرتُ إلى الهاتف بصمت، لكن ما الحالة التي تتوافق مع ما حدث؟ فأنا لا أعرف الطرف الآخر، ولا أعتقد أن الطرف الآخر يعرفني حتى يتصرف بهذه الطريقة.
"غريب."
"متى سوف تشاركني ما تبحث عنه؟"
"لاحقاً." تنهدتُ وبحثتُ أكثر في علم النفس، فهذا ليس مجالي ولكن لم أجد الكثير حقاً. أعلن فايل وصولنا إلى المكان، ولحسن الحظ يتطابق المكان مع الصورة.
"لنذهب."
"نذهب؟" ابتسم فايل ساخراً وهو يخرج هاتفه: "أراك لاحقاً، لن ألحق بك."
"ألم ترغب بمعرفة ما أبحث عنه؟"
"في ذلك المبنى؟" نظر فايل للمبنى أمامه وسخر: "حتى لو قتلتني لن أدخل."
"أيها الجبان!"
لكن بالنظر إلى المبنى المهجور مجدداً في هذا المكان المعزول، ومع خوف فايل من الأماكن المهجورة، كنتُ أتوقع ذلك. لا أعلم ما قد أجد هنا، لكن على أي حال لنذهب: "سوف أعود."
"إذا تأخرتَ أكثر من ثلاث ساعات هل يمكنني المغادرة؟"
"لا."
"تسك!" لعن فايل في سره وعاد لتشغيل اللعبة.
__________
نهاية الفصل
__________