توقفتُ ووضعتُ الهاتف جانباً ثم قمتُ بتسجيل العنوان في النص، من المزعج أنه كان بعيداً قليلاً لكن يمكنني طلب المساعدة من فايل، وبالحديث عنه، نظرتُ إلى الهاتف الذي بدأ يرن بسرعة وكان فايل يتصل.
يبدو أنه أنهى المشكلة، ولم تكن كبيرة حسب ما قال، يبدو أن ابنته دخلت في شجار مدرسي مثل كل مرة، حدث عادي بالنسبة لفايل لولا أن زوجته مشغولة لكان ساعدني أكثر في الميناء.
على أي حال أعلمته أنني عدتُ إلى المنزل وحددنا موعد لقاء غداً، من أجل التوجه إلى هذا الموقع لكن قبل ذلك من الأفضل محاولة جمع مزيد من المعلومات عنه.
والمكان المناسب هو دائرة أصدقائه في الحساب.
"سيكون هذا طويلاً."
76 شخصاً، لكن لم أهتم، بعض القضايا تتطلب عملاً أكثر من هذا وفي الواقع كان إيجاد نقطة بداية هذه المرة أسهل مما توقعت فلم يحتج سوى صورة.
ومع وصول المساء، صبغت السماء بلون برتقالي معلنةً نهاية اليوم وفي نفس الوقت وصل بحثي لنتيجة جيدة.
وجدتُ حساباً آخر.. ليس على نفس الموقع لكن عندما توجهتُ إلى حساب أحد أصدقائه عبر رابط لموقع آخر لاحظتُ وجود شخص بين أصدقاء ذلك الحساب يحمل صورة لنفس الشخص لكنها ليست رسمية.
مجرد حساب آخر لكنه قادني إلى حساب حقيقي تابع له وهناك حيث كانت هناك تحديثات مستمرة بل حتى عديد من صور ماركوس وزوجته وأطفاله الثلاثة.
لا يبدو أن هذا الحساب ملكه بل ملك زوجته وبعد بحث في المنشورات فقد تأكدتُ من ذلك قبل أن أتوقف عن البحث عند صوت طرق على الباب.
كانت فقط أمي تتأكد من عودتي للمنزل، ليس شيئاً مهماً، عدتُ إلى البحث أكثر لكن دون نتيجة واضحة، تنهدتُ وفتحتُ الصور، أبحث في الملف عن أي معلومة قد أكون قد أغفلتها.
تحوّل الأمر من مجرد فضول عابر إلى مطاردة حقيقية للخيوط. لقد حصرتُ الهدف الآن: ماركوس راين. الموظف الذي أُقيل في توقيت مريب، وصاحب الرقم الغريب، والذي يبدو أن حياته الرقمية ليست محصنة كما ظننت.
بينما أتفحص صور الملف بدقة أكبر تحت ضوء المصباح الخافت، وبينما ينسحب ضوء النهار تماماً تاركاً الغرفة لظلال الشك، لاحظتُ شيئاً في إحدى الصور التي التقطتها للصفحات الممزقة في الملف. لم تكن مجرد بيانات، بل كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط اليد في هامش الصفحة من ملف ماركوس، لم تظهر بوضوح في المعاينة السريعة سابقاً:
"يُراجع مع الشحنة رقم 404-B - القسم الغربي".
ماذا يعني هذا؟ لا أعلم لكن دونتها أولاً ثم استمررتُ في تقليب الصور على الشاشة، مكبّراً الزوايا، باحثاً عن تلك التفصيلة الصغيرة التي قد تُغيّر مجرى الفهم بالكامل.
وفجأة، توقفتُ في إحدى الصور مرة أخرى وقد لفت نظري ختمٌ باهت لم ألاحظه سابقاً. لم يكن ختماً إدارياً عادياً، بل كان ختماً مثلثاً صغيراً مكتوباً بداخله رمز كودي: "SEC-INV-09".
دونّتُ الرمز أولاً ثم بحثتُ أكثر في الصور، كان هناك بعض الأرقام والكلمات غير المفهومة لكن قمتُ بتدوينها على أي حال، حتى وصلتُ إلى الصورة الأخيرة.
"هذا كل شيء!"
لا بأس بذلك، يمكنني اعتبارها نتيجة جيدة حقاً، لكن لم أتوجه مباشرة للبحث في ما دونته بل عدتُ إلى الحساب وإلى السيرة الذاتية وقمتُ بتدوين كل المعلومات التي قد أحتاجها وتنقلتُ من حساب إلى حساب حتى وجدتُ نفسي قد دونتُ أكثر مما ظننت بعد أن أيقظني صوت طرق على الباب.
"أخي.. العشاء."
أتى الصوت من خلف الباب بنبرة لا مبالية كما لو أن الطرف الآخر قد طرق الباب واستمر بالسير غير مبالٍ، لا أفهم ما بال مزاج أختي هذه الأيام.
تركتُ زفيراً طويلاً يخرج مع التعب ثم توقفتُ وتوجهتُ إلى الطاولة بشكل طبيعي لكن كان هناك شخص غائب.
"أين أبي؟"
"مشغول، لن يعود الليلة."
"فهمت" لن يعود أو غير قادر على العودة.
لم أسأل، أخذتُ ملعقة وغمستها في الحساء، واستمر العشاء بصمت، لا أحد يتحدث ولا أحد لديه ما يشاركه وبعد قليل كانت أول من قام من الطاولة هي أختي مجدداً.
الغريب أن والدتي قامت بعدها وبدأت بجمع الأطباق رغم أنني ما زلت أتناول الطعام، وبعد أن انتهت لم تقل أكثر مما قالته:
"عندما تنتهي ضع أطباقك في الحوض سوف أذهب لأرتاح."
"حسناً."
استمرت بالسير دون أن أعلم ما إذا سمعت صوتي أم لا، وتركتني وحيداً جالساً أمام طبق من الحساء وبعض أشياء بسيطة لم تقم بإزالتها من الطاولة.
تنهدتُ ولم أقل شيئاً، يبدو أن تأثير ما يحدث مع والدي أكبر مما توقعت وسوف أكون مشغولاً بعد أيام قليلة لذلك أحتاج أن أسرع وأرى ما الذي يحدث أولاً...
أنهيتُ الأكل أيضاً وعدتُ إلى الغرفة وبدأتُ أحلل ما دونته في المذكرة وقبل أن أعلم كان الوقت قد وصل منتصف الليل لكن والدي لم يعد.
ووالدي لا يغيب عن المنزل هكذا إلا إذا كان الأمر قد خرج عن السيطرة.
تنهدتُ وتابعتُ البحث، بحلول منتصف الليل، ساد سكون ثقيل في المنزل، سكون لا يقطعه إلا أزيز مروحة الحاسوب وصوت القلم وهو يحك الورق. جلستُ أتأمل المفكرة التي امتلأت برموز بدأت تتشابك: "ماركوس راين"، "الشحنة 404-B"، والختم المثلث "SEC-INV-09" وما إلى ذلك.
أدركتُ أن الختم المثلث ليس مجرد إجراء إداري، فهذا النوع من الأكواد (SEC-INV) عادة ما يشير إلى "Security Investigation" أو تحقيق أمني داخلي.
ثم جلستُ أمام الشاشة، عيناي تؤلماني من شدة التركيز، لكن الأدرينالين كان أقوى من التعب. سحبتُ المذكرة وقربتها من ضوء الشاشة لأفكك هذا الغموض الرقمي:
SEC: اختصار لـ Security (أمن).
INV: اختصار لـ Investigation (تحقيق) أو Inventory (جرد).
09: هذا هو الجزء الأخطر، فهو يشير غالباً إلى البروتوكول التاسع.
حسب المعلومات ففي العرف الإداري للموانئ الكبرى، "البروتوكول التاسع" لا يُفعّل إلا في حالات "الاختراق الأمني المتعمد" أو "السرقة من الداخل". وضع هذا الختم على ملف ماركوس يعني أنه لم يُقل بسبب تقصير في العمل، بل كان هدفاً لتحقيق أمني داخلي رفيع المستوى. والدي، بصفته مسؤولاً، لا بد أنه كان جزءاً من هذا التحقيق، بل بشكل أدق هو من وقع على قرار تفعيله.
"لكن لماذا؟"
إذاً ماذا عن الشحنة.. 404-B؟
الرقم 404 في عالم التقنية يعني "غير موجود" ولكن في الموانئ، هو كود فئة معينة من البضائع.
الفئة 4: تشير عادةً إلى المواد القابلة للاشتعال أو المواد الكيميائية الخطرة.
اللاحقة B: تعني "Transit" أو بضائع عابرة لا يُفترض أن تخرج من أرض الميناء إلى المدينة، بل تُنقل من سفينة إلى سفينة.
إذا ربطنا الخيطين معاً: ماركوس كان "يُراجع" ملف شحنة كيميائية خطرة (404-B) خاضعة للتحقيق الأمني (SEC-INV).
إذاً هل اكتشف ماركوس سرقة في هذه الشحنة؟ أم أنه كان هو "الأداة" التي سهّلت اختفاءها؟
شيء آخر.. نظرتُ إلى الشاشة وكانت صورة زوجة ماركوس معروضة على الواجهة.
بشكل أدق، صورة زوجته في "المنطقة الصناعية - البوابة الرابعة"، والتي تكون بوابة المدخل الخلفي للمستودعات الكيميائية التي لا تخضع لرقابة مشددة كبقية الميناء.
لقد أصبحت القطع تتجمع، لكن الصورة التي تشكلت لا تبشر بالخير. نظرتُ إلى الساعة، الواحدة صباحاً. الصمت في البيت أصبح خانقاً، وكأن الجدران نفسها تعرف ما اكتشفته، وكما يفعل فايل..
تنهدتُ وأطفأتُ الضوء على المكتب، لن أضع افتراضيات حالياً حتى أجمع مزيداً من المعلومات.
أغلقتُ الحاسوب تماماً هذه المرة، ولم يتبقَّ في الغرفة سوى بصيص ضوءٍ خافت يتسلل من تحت الباب. سحبتُ جسدي المنهك نحو السرير، لكن عقلي رفض الانصياع لهذا السكون؛ كانت الرموز تتراقص أمام عينيّ كلما أغمضتهما، وكأنني لا أرى ظلاماً، بل أرى خريطة لم تكتمل معالمها بعد. تمددتُ فوق السرير بملابسي، واضعاً يدي خلف رأسي، أحدق في سقف الغرفة الذي بدا لي أبعد مما هو عليه في الواقع.
ومع أول بوادر ثقل الأجفان، تركتُ تنهيدةً أخيرة ذابت في صمت الليل، مستسلماً لنومٍ قصير ومضطرب، لا طلباً للراحة، بل انتظاراً لساعة الصفر التي بدأت تقترب مع كل دقة من دقات الساعة..