لقد ساد الصمت في الشارع، وذلك ليس لأن الرياح توقفت، بل لأن كل شيء يبدو أنه قد انتهى.

خرجت من الممر الخلفي بسرعة، إلى الشارع المظلم، والهواء هنا كان أثقل، و كأن المدينة نفسها تحبس أنفاسها.

المصابيح الشوارع المرتفعة كانت تومض دون نظام، والظلال على الجدران لم تكن تتبع مصادر الضوء، ورائي كان الإعصار خرج فآكل الأموات لم يعد أثرًا.

الشقوق الهوائية انفتحت دفعة واحدة، والعيون الحمراء ظهرت بوضوح، لم تعد تتشكل ببطء، بل فتحت كلها فعددها قد تجاوز الأربعين، لم أكن بحاجة إلى عدها ببساطة قد عرفت.

الرياح التفّت حول الشارع، ليس كمجرد عاصفة، بل كقَفص مغلق حاصرنا جميعا.

صوت إشعار النظام اخترق رأسي بعنف لم أشعر به من قبل:

-[تحذير نهائي]

-[الكيان يرسّخ وجوده]

-[الخطر: إبادة محلية]

ابتسمت ببطء وهمست:

-«متأخر جدًا».

خلفي، سمعت وقع خطوات.

خطوة، ثم خطوتان، ثم ثلاث خطوات.

البطل الرواية ليون كان قد خرج من الممر، وسيفه كان مرفوعًا دون تردد هذه المرة، وعيناه الزرقاوان كانتا ثابتتين، لكنني رأيت فيهما شيئًا جديدًا.

غضبًا شديد

-«قلت لك لا تبتعد». قالها بصرامة قاتلة.

-«لقد جررت هذا الشيء إلى هنا».

المرأة ذات الشعر الفضي ظهرت خلفه مباشرة، وقد كان وجهها شاحبا، ونظرتها كانت مثبتة على السماء المشققة.

-«عدد العيون…». همست.

-«تجاوز الحد».

لم ألتفت إليهما فورًا، بل كنت أحدق في الكيان.

آكل الأموات تمدد فوق الشارع، لم يكن له شكل محدد، لكن ظله كان يغطي المباني كلها، وكل عين من عيونه كانت تنظر إليّ وحدي، فهو لم يعد يبحث أو ينتظر، بل لقد اختار، ببساطة لقد اختارني.

-«اسمع». قالت المرأة الفضية بصوت مكسور.

-«إن بقيت هنا، فهذا الكيان سوف».

قاطعتها بهدوء:

-«سيموت أحدنا، أو . . .».

ثم أضفت دون تردد:

-«أو كلنا».

ليون شدّ قبضته على السيف، ثم قال بصوت شديد لهجة:

-«إذًا ابتعد فورا، ولن يموت أحد».

بعد ذلك أضاف:

-«سأقطعه قبل أن يلمسك».

ضحكت من الألم الذي اخترق صدري، وقلت له:

-«أنت لا تستطيع قتله بعد».

-«وليس هذا دورك الآن، يا ليون».

التفت إليّ بحدة:

-«ومن قرر ذلك؟».

رفعت يدي، والكنز الأسطوري كان يهتز بعنف شديد، وغير مسبوق، كما أن الرموز التي كانت عليه لم تعد متناسقة، كأنها تنكسر من الداخل.

-«القصة».

في تلك اللحظة اهتز الشارع، والزجاج تحطم دفعة واحدة، كما أن إحدى العيون الحمراء فتحت بالكامل، ثم تبعتها أخرى، لقد وصل عددها للرقم خمسون.

المرأة ذات الشعر الفضي شهقت، ثم قالت لي:

-« مستحيل، لقد وصل».

في تلك اللحظة، آكل الأموات صرخ ليس صوتًا يُسمع، بل ضغطًا هائلًا سحق الهواء، وجعل ركبتي تنحني للحظة.

لكنني لم أسقط، بل قمت بتثبيت قدمي، ورفعت رأسي.

-«كنت أعرف». همست.

-«أن هذا الشارع هو النهاية».

الكيان تحرّك أخيرًا، ليس نحوي فقط، بل نحونا جميعًا، عندها البطل ليون اندفع للأمام، سيفه اشتعل بطاقة بيضاء، وصرخ:

-«ابتعدا سوف أدمره هنا والآن».

المرأة ذات الشعر الفضي رفعت يدها، وبدأت تتمتم تعاويذ لم أسمعها في الرواية من قبل.

أما أنا فببساطة خطوت خطوة واحدة إلى الأمام.

-«كايل!». صرخ ليون.

-«ارجع!».

لم أستجب له، بل ابتسمت تلك الابتسامة التي وصفني بها كاتب الرواية في الفصول التي ظهرت فيها شخصية كايل، والتي كانت تبتسم دائما ابتسامة :

ذكية، ولكنها جبانة، ومليئة بالشر.

-«إن كان لا بد أن يُكتب فصل القادم هنا». قلت بهدوء.

-«فلن أسمح أن يُكتب بأنني سوف أموت هنا».

مددت يدي نحو الكيان، والغضب يملئ قلبي، عندها الضوء الذي كنز الأسطوري انفجر، لم يكن نورًا، بل كسرًا، في تلك اللحظة الشارع، والمدينة، وحتى القصة نفسها، كانت قد دخلت في لحظة لا تشبه أي فصل سابق، فالضوء لم ينفجر

بل ببساطة انكسر. وكأن أحدهم أمسك بالواقع من المنتصف وشقّه ببطء.

الشارع انحنى، المباني انحرفت من مكانها، والظلال لم تعد تلتصق بالأرض، بل بدأت ترتفع، وكأنها تحاول الهرب بعيدا.

آكل الأموات توقّف فجأة.

لأول مرة، استطعت رؤيتها تلك العيون الحمراء ارتعشت، بعضها أُغلق، وبعضها اتسع أكثر من اللازم، كأن الكيان لم يفهم ما الذي حدث له للتو.

شعرت بحرارة حادة في كفي.

الكنز الأسطوري لم يعد يهتز، بل بدأ يفتح، كأنه زهرة.

الرمز المركزي تشقّق، لا ككسرٍ مادي، بل كحاجز أُزيل، ومن داخله ظهر شيء لم أره في الرواية أبدًا، فهو لم يكن سلاحًا، ولم يكن طاقة، بل كان مجرد اسم.

-«هذا غير ممكن». همست المرأة ذات الشعر الفضي، وصوتها كان مليئًا بالذعر.

-«هذا الرمز، أنا متأكدة، هذا رمز بتحديد لا يجب أن يكون هنا».

ليون تجمّد في مكانه.

سيفه خفت بريقه، وعيناه الزرقاوان اتسعتا.

-«كايل». قال ببطء.

-«ماذا فعلت؟».

لم أستطع الإجابة فورًا، وذلك لأن رأسي كان يعجّ بمعلومات لم تكن لي.

ذكريات ليست ذكرياتي، ومشاهد لم تحدث بعد، لكنني استطعت أن أهم شيء واحدا فقط، وهو أن الكنز الأسطوري لم يكن مجرد أداة، بل كان بل عقدًا.

عقدًا يربطني بكيان آخر، هذا الكيان كان اقوى وأعلى من آكل الأموات.

آكل الأموات أطلق صرخة مشوّهة، هذه المرة لم تكن تهديدًا، بل كان رفضًا.

الشقوق في الهواء بدأت تنغلق، واحدة تلو الأخرى تباعا.

العيون الحمراء تناقصت، واحدة تلو الأخرى، كأن شيئًا ما يسحب منه بالقوة.

-«لا». خرج الصوت من الكيان، متقطعًا.

-«ليس الآن . . . ليس أنت . . . كل ما أردته . . . طاقة السلبية».

ابتسمت ابتسامة ساخرة، ولكنها هذه المرة لم تكن واثقة، وقلت له:

-«إذًا في النهاية، أنت كنتَ خادمًا».

-«ولستَ النهاية».

الأرض تحت أقدامنا اهتزت بعنف، شديد وكأنها زلزال و جدران الشارع تشقّقت، وحتى العاصفة بدأت تفقد تماسكها، والرياح تفقد قوتها.

المرأة ذات الشعر الفضي نظرت إليّ، وعيناها كانتا مرعوبتين، ليس من النتائج ما حدث، بل كانت خائفا من المعرفة والحقيقة التي رأتها بعينيها.

-«كايل». قالت ببطء.

-«الشيء الذي في يدك، هو ذلك . . .».

قاطعتها وأنا أُغلق قبضتي على المجسم، والضوء بدأ يخفت.

-«أعرف».

-«والمشكلة هنا، هو أنني الآن أعرف أكثر مما ينبغي».

ليون اقترب خطوة واحدة.

-«عن ماذا تتحدثان أنتما اثنين، أجبني أيها الملثم؟».

نظرت إليه أخيرًا، وكانت نظرة طويلة.

-«نحن تحدثنا واتفقنا كلانا أنك سوف تصبح بطل عظيما، سوف يغير العالم».

-«والسبب الذي يجعلني خطأً ضروريًا، في هذه القصة، وهذا العالم».

صوت إشعار النظام عاد، لكنه لم يكن آليًا هذه المرة، ولكنه بدا لي، كما لو كان مترددًا.

-[إشعار]

-[تم فتح جزء من الختم]

-[تحذير: المعرفة غير قابلة للإلغاء]

آكل الأموات تراجع داخل الشق الأخير، صوته تلاشى، لكن أثره لم يختفِ تمامًا.

الشارع سكن تدريجيًا، كأنه لم يصدق نجاته، ولكنني كنت أعرف أن هذا لم يكن انتصارًا، بل دعوة لي لمواصلة هذه القصة.

نظرت إلى الكنز مرة أخيرة، والاسم المختفي ما زال محفورًا في ذهني.

-«الفصل القادم». همست.

-«لن يكون عن الوحوش».

رفعت رأسي، والمدينة أمامي بدت قد مختلفة.

-«بل عن الحقيقة».

2026/01/23 · 18 مشاهدة · 1021 كلمة
Overminder
نادي الروايات - 2026