الرياح اندفعت بقوة فجأة، ليس نحوي مباشرة بل حولي، لقد كانت تلتف حولي كالثعبان، وكأن المكان نفسه قرر أن يعزلني عن البطل والمرأة ذات شعر الفضي.
الهواء داخل المستودع تغيّر، لم يعد خانقًا فقط، بل عدائيًا، حيث كل نفس كنت ألتقطه كان يُسحب مني ببطء، وكأن شيئًا غير مرئي يختبر قدرتي على البقاء.
الشقوق في الهواء اتسعت أكثر، والعيون الحمراء بدأت تظهر بوضوح، واحدة تلو الأخرى، حيث كانت تفتح وتغلق ببطء، كأنها تتجهز لتفتح كلها، أما البطل ليون فقد تقدّم خطوة واحدة فقط، ثم توقّف في مكانه، لقد كان سيفه مرفوعًا، لكن ذراعه لم تكن ثابتة، بعد ذلك قال لي:
-«إنه ينظر إليك، أيها الغبي».
لم أنكر، ولم أبتسم، وذلك لأنني عرفت ذلك منذ اللحظة الأولى التي رأيته.
المرأة ذات الشعر الفضي همست بصوت بالكاد سمعته:
-« اللعنة، إن عدد العيون التي تفتح تزداد ».
رفعت نظري نحو الإعصار، وعددتها بسرعة.
- خمسة، عشرة، عشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثين.
في الرواية الأصلية التي قرأتها، عندما تتجاوز العيون الأربعين، يبدأ الكيان بترسيخ وجوده في هذا العالم، أما إذا وصل عدد عيونه إلى الخمسين، فإنه يتحول إلى هيئته الشبه الكاملة، عندها كل شيء سوف يهلك المدينة ونحن، وكل شيء في نطاق 8 كيلومترات.
صوت إشعار النظام اخترق رأسي، بقوة شديدة:
-[تحذير]
-[مستوى التشوه يرتفع]
-[السبب: بقاء عنصر شاذ بالقرب من الكيان]
أغمضت عيني لثانية واحدة، وقلت في داخلي:
-«إذًا كايل، هكذا سيكون الأمر».
الكنز الأسطوري في يدي اهتز بعنف، الرموز عليه أضاءت ثم خفتت، كأنه
يسألني إن كنت مستعدًا لدفع الثمن.
في تلك اللحظة البطل ليون التفت نحوي بحدّة وقال:
-«ابتعد عنه حالا، قبل أن يقتلك يا هذا».
-«إن هذا المسخ قوي للغاية وخطير جدا، أستطيع شعور بخطورته في كل شبر من جسدي».
نظرت إليه، وكانت نظرة واحدة فقط، حينها رأيت البطل كما وصفته الرواية: شاب طيب، وشجاع، مستعد للموت في سبيل إنقاذ حياة الناس، ولكنه غير مستعد لفهم ما يحدث فعلًا هنا.
-«ليون». قلت بهدوء.
التفت فورًا.
-«إن بقيتُ هنا، ولم ابتعد عن هذا الكيان الشرير في . . .».
توقّفت لحظة قصيرة، ثم واصلت:
-«سيموت أحدنا».
المرأة ذات الشعر الفضي شهقت، وكأنها فهمت المعنى كلامي قبل أن أكمله.
-«هذا خطير للغاية، لا تفعل».
لكن تلك الرياح لم تنتظر اجابتي على إطلاق، حيث اندفعت نحوي بقوة شديدة، والعيون الحمراء اتسعت دفعة واحدة، كأن الكيان وجد أخيرًا مركزه.
آكل الأموات لم يهاجم ليون، ولم يلتفت للمرأة ذات شعر الفضي، بل كل شيء حرفيا كان موجهًا إليّ.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ولم تكن ابتسامة شخص لديه خطة أو قدرة خفية بل ابتسامة شخص قرأ هذا المشهد من قبل.
-«حسنًا». همست.
-«إن كنتَ تنجذب إلى الأخطاء، وطاقة السلبية التي تبعث مني بقوة».
استدرت بسرعة نحو الممر الخلفي للمستودع.
كان ذلك طريق ضيقا، ونظام للغاية، والعجيب أنه لم يُذكر في الرواية إلا مرة واحدة فقط قبل كارثة كبيرة.
-« إذا، أيها كيان محب للموت، سأكون الخطأ الذي لن تستطيع تجاهله أبدا ».
بدأت أمشي، وخلفي، صرخة المرأة ذات الشعر الفضي:
-«كايل! إذا ابتعدت أكثر فأنت سوف . . . ».
لم أسمع كلماتها للنهاية بسبب أن الرياح انفجرت خلفي، والإعصار تحرّك أخيرًا.
آكل الأموات تبعني، وذلك تمامًا كما توقعت.
صوت النظام صرخ للمرة الأخيرة:
-[انحراف: حرج للغاية وصل 16% ]
-[الفصل القادم، لن يكون مستقرا]
ابتسمت وقلت في داخلي:
-«الفصل القادم».
-«هذا جيد».
لأنني أعرف، أن الشارع الذي سنصل إليه بعد لحظات هو حيث لن يخرج منه أحد.