كايل فون كارد كان يسير في وسط السوق القديم جنوب مدينة افروس، حيث الأزقة الضيقة المتشابكة، والوجوه التي يعرفها منذ طفولته، ومع ذلك كان يشعر بأن هناك خطأً صغيرًا، غير مرئي، وكأن الواقع نفسه قد تشوه منذ تلك حادثة.
توقّف عند بائع الجرائد، وتناول جريدة من جرائد، حيث كانت العناوين عادية، وكذلك الصور، ولكن وهو يقلب صفحات جريدة صادف إحدى الصفحات، والتي كانت فارغة، دون بالكامل مجرد صفحة بيضاء.
قال كايل مترددًا:
-«هل هذه صفحة ناقصة؟».
نظر البائع إليه باستغراب:
-«أي صفحة؟».
أخذ الجريدة من يده، قلّبها بسرعة، ثم نظر إليه بملل:
-«كلها كاملة، يا سيد كايل».
تجمّد كايل في مكانه، فهو متأكد أن أنه رآها فارغة، والآن الصفحة البيضاء لم تكن موجودة إلا بالنسبة له.
ترك الجريدة ومضى، وقلبه ينبض بوتيرة غير مريحة، و بعد بضع خطوات، اصطدم بشخصٍ ما.
-«انتبه!».
رفع كايل رأسه معتذرًا، لكنه توقّف عن الكلام، فالرجل الذي أمامه لم يكن غريبًا،
ولم يكن مألوفًا.
كان في منتصف العمر، ملامحه عادية إلى حدّ النسيان، لكن عينيه كانتا تنظران إلى كايل، وكأنهما تعرفانه منذ زمن طويل.
قال الرجل بهدوء:
-«أنت تشعر بها، أليس كذلك؟».
شدّ كايل كتفيه:
-«بماذا؟».
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لا تحمل ودًّا ولا عداء ثم قال له:
-«بالفراغات، إنها كما تعلم تلك الأشياء التي كان يجب أن تكون هنا، ولم تعد».
قبل أن يرد كايل، مرّت امرأة بينهما، وحين استدار مجددًا، كان الرجل قد اختفى، لم يترك خلفه أي خطوات أو أثر له.
في تلك اللحظة، اهتزّت المدينة، لم يكن زلزالًا، بل رعشة صغيرة، وكأن شيئًا عملاقًا تحرّك تحت هذه المدينة ثم توقف عن حركات فجأة.
وفي الجانب الآخر من المدينة، كان البطل ليون يقف أمام مبنى قديم مهجور، لم تطأه قدم منذ سنوات، ولسبب مجهول وجد ليون نفسه واقفا أمام هذا مبنى متهالك، حيث المكان كان محاطًا بشريط تحذيري، لكن الباب كان مفتوحًا.
دخل.
في الداخل، كانت الجدران مغطاة بعلامات خدش عميقة، ليست آثار معركة، بل آثار محاولة خروج.
لمس أحد الجدران، فشعر ببرودة غير طبيعية ثم قال بصوت منخفض:
-«هذا المكان».
خلفه، سمع صوت تنفّس.
استدار بسرعة، وسحب سيفه نصف سحبة.
امرأة كانت تقف عند المدخل، شعرها مربوط بإهمال، ترتدي معطفًا داكنًا، وتحمل مصباحًا يدويًا.
قالت دون خوف:
-«لا تقلق، لو أردت قتلك، لما سمعتني أصلًا».
تردّد ليون، ثم قال:
-«من أنتِ؟».
رفعت المصباح قليلًا، كاشفة عن عينين متعبتين، وقالت:
-«شخص يحاول فهم لماذا هذه الأشياء بدأت تظهر فجأة، ولكن أنت شخص لا يفترض أن يكون هنا».
هزّت رأسها ببطء ثم أضافت:
-«إذًا نحن متشابهان أكثر مما تظن».
فجأة، انطفأ المصباح، وفي الظلام، سُمع صوت تكسّر، ليس من الجدران، بل من الهواء نفسه.
ظهر شقّ صغير في الفراغ، لا ضوء يخرج منه، بل ظلّ، ظلّ يتحرّك كأنه يبحث عن شكل.
تراجع ليون خطوة، وقال:
-«ما هذا؟».
أجابت المرأة بصوت مرتجف لأول مرة:
-«هذا لم يكن موجودًا بالأمس».
في ذلك الوقت، وفي السوق، سقطت الصفحة البيضاء من جيب كايل، رغم أنه متأكد أنه لم يأخذ الجريدة وما إن سقطت وكادت تلامس الأرض، حتى اشتعلت.
لم تكن نارًا حقيقية، بل احتراقًا صامتًا، اختفت الورقة خلال ثانية واحدة، تاركة خلفها أثرًا أسود على الهواء نفسه، كأن الواقع احترق بدلًا منها.
تراجع كايل مذعورًا وقال في داخله:
-«ما الذي يحدث بحق؟».
وقبل أن يُكمل جملته، الناس كانوا ما زالوا في أماكنهم، أفواههم مفتوحة، أيديهم ممدودة، لكنهم متجمّدون، كتماثيل بلا حياة.
وفي منتصف الشارع، على بعد أمتار منه، ظهر شيء لم يكن هناك قبل لحظة.
طفل.
طفل صغير، لا يتجاوز العاشرة، يقف حافي القدمين، رأسه مائل قليلًا، وعيناه
فارغتان.
قال كايل بصوت مرتجف: -«يا صغير؟».
رفع الطفل رأسه ببطء، وعندما فتح فمه، لم يخرج صوت واحد.
بدلًا من ذلك، انشقّ صدره، ولم يخرج أي دم أو أحد اعضائه، بل فراغ دائري أسود، يدور ببطء، مثل فتحة بلا قاع، ثم من داخله، خرج نفس النقش الدائري الذي رآه سابقًا، ولكن هذه المرة كان مكسورًا.
صرخ كايل وتراجع، وفي اللحظة نفسها عاد كل شيء إلى طبيعته.
الأصوات انفجرت مجددًا، الناس تحرّكوا، ولكن ذلك الطفل قد اختفى تماما.
بقي شيء واحد فقط.
في تلك اللحظة شاهده كايل، لقد كان النقش المكسور، محفورًا في أرض الشارع.
وفي الطرف الآخر من المدينة، انفجر الشق داخل المبنى المهجور.
ليس انفجارًا ناريًا، بل تمزّق عنيف في الفراغ، دفع ليون والمرأة أرضًا.
من الشق خرجت ذراع واحد فقط، حيث كانت ذراع سوداء، غير مكتملة، تتحرّك بعشوائية، تخدش الجدران، وتترك وراءها نفس الرموز الدائرية،ولكنها مشوّهة.
حاول ليون الوقوف، ثم قال للمرأة:
-« ما هذا الشيء المقرف؟ هل يمكن أن يكون كيانًا غير مكتمل؟».
صرخت المرأة:
-«لأنه لم يُستدعَ بالكامل!».
اندفع ليون للأمام، وسيفه اشتعل بخط الضوء نفسه، وضرب الذراع.
صرخة مزّقت الهواء، لم تكن صرخة ألم،بل مجرد صرخة غضب.
انسحب الذراع فجأة، وانغلق الشق بعنف، تاركًا خلفه صمتًا خانقًا.
ليون كان يلهث. نظر إلى سيفه، و الضوء لم يختفِ.
قال بصوت ثقيل:
-«إذًا هذا ما يحدث عندما، تغضبني أيها مسخ المقرف».
وفي تلك الليلة، انتشرت في المدينة إشاعة واحدة فقط:
“هناك أشياء تظهر، ثم تختفي، وتترك علامات لا يفهمها أحد.”
وفي مكانٍ لا يخضع للزمن، تحرّك سنّان من العجلة دفعة واحدة.
والصوت، لأول مرة، لم يكن هادئًا:
-«التجربة الأولى فشلت، والآن سيبدأ العدّ التنازلي لظهوري».
نهاية الفصل 14