لم تكن تلك ليلة عادية، بل ليلة بدت وكأن السماء نفسها فقدت توازنها، وكان

المطر كان يهطل بلا رحمة، قطراته تضرب الأرض بقوة شديدة، وكأنها تحاول أن تخترقها، بينما الرياح تعوي بين الأزقة الضيقة، حاملة معها رائحة التراب المبلل والبرد، وكانت أيضا المدينة غارقة في ظلال ثقيلة، والمصابيح القليلة المتبقية تومض بتردد، كأنها تخشى الاستمرار.

فجأة ظهر البرق وشق السماء بخط أبيض حاد، أضاء كل شيء لجزء من الثانية كل شوارع، وحتى النوافذ المغلقة بإحكام، والوجوه المختبئة خلف الزجاج،

ثم بعد جاء الرعد وكان صوته قويا، وعميقا، يسمعه القريب والبعيد.

كأن الليل نفسه يراقب، وكأن المطر لم يكن سوى ستارٍ تخفي خلفه قوى تتحرك، دون أن يدرك البشر أن هذه الليلة لن تُنسى أبدًا، ولكن في إحدى في سراديب المهجورة أسفل حيٍّ قديم، اجتمع سبعة أشخاص حول دائرة محفورة في الحجر.

الدائرة لم تكن رموزًا سحرية جميلة، بل خدوشًا عميقة، كأن أحدهم حاول محوها مرارًا وفشل في ذلك، وكان في مركزها، جسد ضخم مكبّل بالسلاسل.

لم يكن ميتًا، ولكنّه لم يكن حيًا أيضًا.

قال الرجل المقنّع بصوتٍ منخفض:

-«تأخرنا كثيرًا، لنواصل طقوس قبل انتهاء هذه العاصفة الرعدية».

رفعت المرأة الواقفة إلى جانبه رأسها، وقد كانت شابة، وشعرها أسود قصير، وعيناها ثابتتان بشكل مزعج.

-«الختم يضعف يا ستيفن، وهذه آخر ليلة نستطيع فيها المحاولة، هذه فرصة الأخيرة لطائفة ديابلوس لتدمير هذه المملكة اللعينة التي أخذت مني زوجي».

في الزاوية، كان هناك شاب نحيل يرتجف، وهو يضغط على كفّه المجروح.

-«أنتم قلتم إنه مسجون منذ ألف سنة، لم تقولوا إنه موجود هنا معنا».

أضافت الشاب النحيل:

-«لكن كيف أمكنه أن يستيقظ ونحن لم نكمل ربع طقوس الاستدعاء حتى؟».

تحرّكت السلاسل فجأة، فسمع صوت احتكاك المعدن بالحجر دوّى في السرداب، وتبعته شهقة جماعية.

الجسد في المركز فتح عينًا واحدة، وكانت عين بلا بؤبؤ.

همس شيء من داخله، فهو لم يكن صوتًا، بل إحساسًا اخترق العقول دفعة واحدة:

-«من يتجرأ على إيقاظي، أنا شيطان العظيم الذي حكم الليل والدم».

تراجع كل الاعضاء السبعة خطوة إلى الخلف، ثم قالت المرأة وهي مصدومة:

-«ما الذي؟ هذا مستحيل، لم يكن يجب أن يستيقظ الآن، نحن لم نكمل طقوس الاستدعاء وكذلك طقوس التثبيت الوجودي في هذه المدينة القذرة».

أضافت المرأة:

-«أكمل الطقس، لأنه قريبا سوف تعرف هذه مملكة حقيرة معنى اليأس».

بدأ الرجل المقنّع بتلاوة كلمات قديمة، لغة لا تنتمي لأي زمن معروف، والدائرة الحجرية بدأت تتوهّج بلونٍ أحمر يشبه الدم حين يُحرم من الضوء.

في تلك اللحظة، وفي مكانٍ آخر من المدينة استيقظ كايل مفزوعًا، وهو يضغط على صدره.

كان الهواء في غرفته كان ثقيلًا، وكأن أحدهم أغلق عليه العالم.

قال وهو يهمس محدثا نفسه:

.

-« ما هذا الإحساس الغريب؟».

لم يكن حلمًا، بل كان نداءً.

في الوقت نفسه، كان ليون يقف فوق أحد أسوار المدينة، ينظر إلى الأفق، وفجأة سيفه اهتزّ داخل غمده، وكأنه استجاب لشيء ما شرير يحاول خروج.

قال بصوتٍ خافت، والمطر يتساقط عليه بقوة:

-«شيء قديم، يحاول تحرر، لذلك سيف اودين قد استجاب».

في نفس الوقت وفي ذلك السرداب حيث كانت الجماعة تحاول تحرير شيطان الليل والدم، صرخ الرجل المقنّع بصوت عالي:

-«لقد استجاب، يا سيدتي ليليان، هذه المرة الأولى التي يستجيب فيها لنا».

لكن المرأة كانت تحدّق في الدائرة بوجه شاحب ثم قالت بصوت مضطرب:

-«لا».

تشقّق الحجر، وليس في المركز الرمز القديم حيث كان ذلك الجسد

قالت قائدة جماعة ديابلوس:

-«نحن لا نوقظه فقط، بل سوف نفك كل الأختام عنه، لتتحرر قوته كلها».

الجسد في الدائرة ابتسم، وكانت ابتسامة واسعة، غير بشرية، ثم قال لهم:

«أنتم، قد كسرتم القفل الخطأ».

في تلك اللحظة انطفأت كل شموع حول دائرة الدائرة الاستدعاء دفعة واحدة.

وسقط السرداب في ظلامٍ مطبق.

وفي عمق المدينة، بدأ شيء ما يستيقظ قبل أوانه.

بدأت أول سلسلة تتحرك ببطء، صوت احتكاك المعدن بالصخر دوّى في السرداب.

ثم تليها الثانية، واحدة تلو الأخرى، تحطّمت السلاسل كأن قوة خفية تكسر كل قيود، حتى سقطت الأخيرة على الأرض مع صليل حاد.

الجسد الضخم وقف بالكامل، عيناه تتوهجان باللون الأحمر، والظلام يلتف حوله كأفعى حيّة.

أعضاء طائفة ديابلوس سقطوا على ركبهم عاجزين عن الحركة، الرعب يملأ عيونهم.

قال الشيطان بصوتٍ عميق، اخترق أذهان الجميع:

-«أيقظتموني بعد ألف عام من النوم تكلموا ما هي أمنيتكم؟».

رفعت المرأة رأسها ببطء، وعيناها مليئتين بالكراهية والحقد:

-«أريدك منك أن تدمّر هذه المملكة كلها، حجرًا حجرًا، وتريق الدماء كلها».

ابتسم الشيطان ابتسامة مظلمة، ثم بدأ جسده يتفكك إلى دخان أسود كثيف، يتلوّى في الهواء كأنه سحابة مليئة بالحياة، قبل أن يندفع فجأة مباشرة إلى فم المرأة ويدخل من خلاله إلى جسدها .

لحظة واحدة فقط ، وتغيرت ملامح وجهها، وبدأت تسعل سعال شديد جعلها تسقط على الأرض جاثية على ركبتيها، قبل أن تبدأ فجأة بتقيء دمًا غزيرًا على الأرض، وكأن جسدها أخرج كل الدماء الذي يحتويها، مستسلما للشيطان العظيم.

نهضت، و لكن التي نهضت لم تكن المرأة، بل كان الشيطان قد استولى على جسدها بالكامل، وكانت قزحية عينيها حمراء، بعد ذلك قامت بقتل الجميع.

وقف بين جثث الطائفة، عيناه الحمراوتين تتوهجان، وصوته يهمس في الصمت:

-« لا تقلقي، أمنيتك سوف أحققها لك، سأدمّر هذه المملكة، ولكن ليس الآن، فبعد ألف سنة من الانتظار، لدي أهدافي، وعندما أنتهي سأحقق أمنيتك تلك».

2026/01/27 · 10 مشاهدة · 803 كلمة
Overminder
نادي الروايات - 2026