في الغرب، غارقة في ظلام الليل.

في أقصى الغرب، حيث تبهت الخرائط وتفقد الأسماء معناها، توقّف الشيطان.

كانت القرية هارم الصغيرة والنائية، لا تحميها أسوار ولا بركة، بيوت خشبية متآكلة، وأرض موحلة تفوح منها رائحة الدخان والرطوبة. قرية لا سبب لوجودها وسكانها فقراء، لهذا اختارها الشيطان.

تقدّم ببطء، والجسد الأنثوي الذي يسكنه يتمايل بخفة غير بشرية، وعيونه كانت تنظر إلى الأبواب المغلقة، وعلى النوافذ التي أُسدلت خلفها ستائر مرتجفة من الليل.

ابتسم ثم قال بصوت مليء بالشر:

-«الخوف، ما زال لغة الوحيدة التي يفهمها جميع البشر».

دخل الساحة الصغيرة في منتصف القرية هناك، وعند بئر جافة ركع رجل مسنّ، وهو يتمتم بصلاة متقطعة، فجأة رفع رأسه حين شعر بوجود شر عظيم قريب منه، عندها اتسعت عيناه وقال:

-«أنتِ؟ لا مكان لك في هذا العالم يا عدوة البشرية»

لم يُكمل.

رفع الشيطان يده فقط، وفي اللحظة التالية، صوت القرية اختفى.

لا صراخ، ولا مقاومة، فقط سكون مطلق، كأن الهواء نفسه حُكم عليه بالصمت.

خفض يده، وتنهد.

-«سحقا لكم، أنا لا أبحث عنكم أيها البشر الحمقى، بل عمّا مرّ من هنا».

ركع قرب البئر، ووضع كفه على الحجارة البئر المتشققة، ومضة سوداء تسللت في الشقوق، ثم توقّفت.

-« ذلك الأثر القديم قد كان هنا، ولكن هناك من نقله بعيدا».

نهض.

-«إذًا، ما زال علي البحث عنه في الأماكن الأخرى، ولكن لا بأس طالما، أستطيع قتل البشر وتدمير مواطنهم فتلك هي سعادتي الكبرى، ومصدر متعتي».

وفي طرف آخر من العالم، كان كايل يواصل رحلته ناحية شمال.

الطريق الحجري تفرّع إلى مسار ضيق، تغطيه آثار عجلات مكسورة وبقع داكنة من الدم قد جفت منذ ساعات.

رأى العربة المحطمة أولًا، ثم البضائع المنهوبة، وأخيرًا الجثّة، وكانت لرجل في منتصف العمر، ممدد على جانبه، وكان صدره مثقوب بضربة غير متقنة.

بجانبه كانت هناك امرأة جالسة، ثوبها كان ممزقا، ويدها تنزف، وكتفها الأيسر مغطى بجرح غائر.

كانت تبكي بصمت، دموعها تختلط بالوحل.

حين اقترب، رفعت رأسها فجأة، ويدها اتجهت نحو سكين مكسورة، وقالت له:

-«لا تقترب، أيها المجرم».

رفع كايل كفيه ببطء، وقال لها:

-«لن أفعل».

ترددت، ثم انهارت كتفاها، وهي تقول له:

-«قاطعو طرق هاجمونا عند المنعطف، وقتلوا زوجي، وأخذوا كل شيء».

صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت أجشّ:

-«لا أعرف أين أنا، لقد تهت، فزوجي من كان يعرف طريق، كما أنني متعبة».

نظر كايل إلى الدم الذي لم يتوقف، وقال لها:

-«بهذا الشكل، لن تصلي».

ضحكت بمرارة.

-«إذًا أموت هنا؟».

تأملها جيدا، في الرواية الأصلية هذا المشهد لم يكن موجودًا. لا المرأة، ولا العربة، ولا الطريق.

وهذا ما جعله قلقا ومتوترا.

صوت اشعار النظام:

-[ساعد المرأة في صول لمعبد الشمس واحصل على جائزة الانحراف 3.6٪]

فكر كايل قليلا، مع نفسه، ثم قال لها:

-«أنا متجه إلى معبد الشمس». قال أخيرًا.

-«إن أردتِ، رافقيني».

حدّقت فيه طويلًا.

-«ولماذا تساعدني؟».

ابتسم ابتسامة خفيفة، بلا دفء، وقال:

-«لأن تركك هنا، قد يغيّر أشياء لا أريدها أن تتغيّر في قصتي مأساوية».

قالت أخيرًا، بصوت ضعيف:

« لم أفهم، ولكن معبد الشمس؟ هل يمكنني حقًا الثقة بك؟».

ابتسم كايل، لكنه لم يخف شعوره بالمسؤولية الثقيلة:

«أعدك، أنا سوف أحميك، على أقل حتى نصل للمعبد، ولكن يجب أن تثقي بي أولا، وإلا ستظلّين هنا ضائعة، وقد تهجم عليك ذئاب وتأكلك».

أغمضت الفتاة عينيها للحظة، قبل أن تهزّ رأسها ببطء، وتتماسك:

«حسنًا، سأذهب معك».

لم تفهم، لكنها نهضت متألمة، وأسندت نفسها إليه.

وبعيدًا عن ذلك، في السهول المفتوحة، كان ليون ورفاقه يركضون.

حيث المخلوق كان أمامهم تنين بريّ، ليس من العظماء، لكنه بالغ الضخامة، جناحاه يولدان الرياح القوية وهما يرفرفان ، ونَفَسه يحرق العشب.

-«استخدم الختم الآن!» صرخ أحد الرفاق.

تردد الشاب للحظة، ثم أخرج الختم الخام، لم يكن من المفترض استخدامه هنا، ولكن التنين كان يقترب من القرية خلفهم وإذا وصل لها حتما سوف يبيدها.

-«إن لم أستخدمه الآن، سيموت الناس».

ضغط الختم.

انفجرت طاقة غير مستقرة، أصابت التنين، لكنها خرجت عن السيطرة، حتى أن الأرض تشققت، والهواء انحرف.

صرخ البطل ليون بأعلى صوته:

-«جميع».

-«تراجعوا الآن».

-«سأوقفه، لذلك جميعا اهربوا».

اندفع، قاوم، ضرب، لكن الفارق كان مهينًا.

ضربة واحدة من ذيل التنين أطاحت به أرضًا، و التنين نفث اللعب على البطل ليون، والحرارة كادت تحرقه لولا أن الدرع الذي يرتديه يوفر له حماية مقدسة.

لكن قبل أن يكمل التنين هجومه، ويطعنه بمخالبه القاطعة، فجأة سقط.

ليس بفعلهم، بل سيف واحد عتيق تآكل نصله، ضربة واحدة فقط قطعت عنقه.

وقفت امرأة أمام الجثة، درعها داكن عتيق، وسيفها يقطر دمًا ساخنًا. لم تكن تتنفس بسرعة، كأن ما فعلته شيء عادي، ولا يستحق الذكر أو التفاخر به.

وجودها فرض احترامًا وخوفًا في الوقت نفسه، مجرد نظرة منها جعل الهواء متوتّرًا.

لكن، البطل ليون نظر إليها بانبهار شديد.

-«أنتِ مذهلة».

نظرت إليه، من رأسه حتى قدميه، ثم قالت ببرود:

-« لا، لست مذهلة، بل أنتم ضعفاء، خصوصا أنت لا تجيد سوى صراخ».

تجمد في مكانه.

-«ماذا؟». قال ليون وهو مصدوم.

أجابته:

-«تتردد، تعتمد على أدوات لا تفهمها. وتظن أن النية الطيبة تكفي للفوز».

اقترب خطوة من المرأة، وقال لها:

-«درّبيني».

ضحكت، ضحكة قصيرة، ساخرة وقالت له:

-«أنت لا تنتمي لسلالة الشمس».

اتسعت عيناه.

-«وما علاقة هذا؟».

-«كل شيء». اجابت

استدارت، وهمّت بالرحيل.

-«العالم لا يُنقذ بالامنيات وتضحيات والأحلام الوردية، بل بالقوة مطلقة».

وقف ليون خلفها، وصوته انخفض:

-«أرجوك علّميني، سوف افعل اي شيء تطلبينه مني يا سيدتي».

توقفت لحظة.

لم تلتفت.

-«إن بقيت حيًا حتى الغد ربما أعيد النظر، خصوصا، وأنهم قادمين الآن».

-«من تقصدين يا سيدتي». سأل ليون.

في طريق إلى الشمال.

وفي نفس الوقت، كل من كايل والمرأة إلى جانبه، قد انطلقت رحلتهما إلى معبد الشمس.

لم يعد مجرد مسار، ينتظر كايل بل أصبح اختبارًا، وانحراف في الرواية.

في الغرب، كانت جثث سكان القرية هاريم في كل مكان، وحين ابتعد الشيطان عن الساحة، ووقف عند أطراف القرية، ثم التفت نصف التفاتة، وقال:

-«سلالة الشمس اللعينة، لا تزال تتكاثر حتى بعد مرور ألف سنة».

رفع إصبعه، ورسم علامة صغيرة في الهواء، ثم ألقى تعويذة من درجة الخاصة.

-« يا بير، أنا سيدك هيفار أمرك، أن تحرقني كل من وجد في هذه الأرض ».

بعدها اختفى دون أثر.

وفي اللحظة ذاتها، اشتعلت القرية كلها بالنيران من كل مكان، وكأنها الجحيم.

2026/01/30 · 6 مشاهدة · 955 كلمة
Overminder
نادي الروايات - 2026