في الجنوب، لم تكن رائحة دم التنين قد بردت بعد.

كان الليل يكتسي السهول بلون الدم، والريح تعصف بأوراق الأشجار الميتة.

الهواء كان ثقيلًا، ومشبعًا بحرارة الموت، والعشب المحترق ما زال يتصاعد منه بخار خافت.

فجأة اهتزت الأرض، وظهرت من خلف الأشجار الغيلان، كانوا بالعشرات، عيونهم حمراء، وأنيابهم تلمع في الظلام، ويمتلكون أجساد منحنية، و أطراف طويلة وقد جذبتهم رائحة الدم القديم والجديد جذبتهم بلا رحمة.

الغيلان زأرت زئيرا لم يكن صراخًا، بل صرخة جوع شديد تحمل وعد الموت لكل من يسمعه.

ليون ورفاقه تجمدوا للحظة، ثم صرخت ناتاشا بأعلى صوتها:

-«استعدوا، هجوم الغيلان قد بدأ»

اندفع الغيلان بسرعة هائلة، وكل خطوة يخطونها يسمع معها صوت تحطم الأغصان والصخور.

حاول رفاقه صدهم، لكن العدد كان مهولًا، والقوة الهجومية للغيلان تجاوزت توقعاتهم، بعد ذلك، قامت عشرات الغيلان التف حولهم بشكل دائرة، ومحاصرتهم.

أحد رفاق ليون تراجع وهو يصرخ:

-«إنهم كثيرون جدا، لن نصمد حتى صباح، علينا خلق ثغرة الآن، وتراجع».

التفت البطل ليون إليه بغضب، وقال له:

-«يمكنكم الانسحاب أنتم، ولكنني سوف أواصل، سوف أقاتل حتى أخر نفس».

لكن قبل أن يكتمل الذعر، تحرّكت المرأة بسرعة، هي لم تصرخ ولم تتردد لثانية.

سيفها العتيق خرج من عمده بسرعة، ثم اختفى وعاد ملوثًا بالدم.

بضربة واحدة شقّت اثنين من غيلان معًا، ثم ضربة ثانية قطعت رأس ثالث قبل أن يدرك أنه مات.

ليون حدّق في المرأة، وأنفاسه متقطعة، ثم كلم نفسه:

-«هذه، هذه ليست قوة عادية».

قالت دون أن تنظر إليه، وصوتها بارد كالفولاذ:

-«راقب وتعلّم، إن استطعت».

اندفعت وسط القطيع، وكأن الغيلان ليسوا سوى حشرات، وكل حركة منها كانت دقيقة، قاتلة، وبلا هدر.

ليون ورفاقه استعادوا توازنهم، وهاجموا خلفها، ولكن الفارق كان واضحًا، وهي تقاتل، وهم يحاولون البقاء أحياء.

في الشمال، كان الطريق إلى معبد الشمس يضيق بين الأشجار، والضباب كثيف، والصمت غير مطمئن.

فجأة، توقف كايل، حيث أمسك المرأة بسرعة، ووضع يده على فمها، وسحبها خلف شجرة عريضة، كانت خائفة، أما جسدها ارتعش، لكنها لم تصرخ.

أمامهما، بين شجيرات، كان قاطعو الطرق.

نار مشتعلة.

ضحكات فظة.

وأغراض مبعثرة، ومألوفة بشكل مؤلم بالنسبة للمرأة.

عينا المرأة اتسعتا.

صناديق الخشبية، السوار، الفضي، هدية زفافها، وحتى الكيس الجلدي، كانت

أشياءها.

وفي الوسط، زعيمهم، وكان يركب الحصان، إنه حصان زوجها.

قبضت على ذراع كايل بقوة، ودموعها سالت بصمت.

كايل همس قرب أذنها:

-«إن تحركنا الآن، سوف نموت، لأكون صريحا معك، أنا رجل ضعيف وجبان».

الزعيم ضحك وقال بصوت عالٍ:

-«كان رجلًا ضعيفًا، ظن أن الطريق آمن، ولكن أكثر ما أضحكني هو أنه حاول حماية زوجته القبيحة، التي كانت تصرخ خوفا، وكأنها دجاجة عيد دوديامس».

قلب كايل اشتعل غضبا، ولكن عقله كان أبرد من النار، لقد علم أنه لن يتمكن من نجاة إن حاول تصرف بطيش، ربما كان عقل شخصية الشرير ثانوي ضعيف قد اشتغل، فلطالما عرف هذه شخصية الضعيفة سبل نجاة حتى قتله البطل ليون.

انتظر.

راقب.

وبعد وقت طويل، تحرك قاطعو الطرق، و ضحكاتهم تبتعد، والشمس الغروب تختفي خلف جبال.

كايل أنزل يده ببطء، وقال بصوت خافت، ولكنه حازم للمرأة:

-«سنعبر طريق، ولكن ليس الآن».

هزّت رأسها، وفي عينيها شعلة من المشاعر، لم تكن خوفا، بل وعد صامت.

في نفس الوقت في الغرب، حيث القرية المحترقة، وقف الشيطان عند أطراف الدمار، عيناه تتوهجان بالشر.

اقترب من البئر الجافة، ووضع كفه على الحجارة المتشققة، وهمس بتعويذته، وفجأة ارتفع من البئر حجر أحمر نادر، يلمع بقوة غريبة، وكأنه ينبض بالحياة.

ابتسم الشيطان ابتسامة مظلمة وقال:

-«ها هو، ما كنت أبحث عنه، فقط ،انتظروا قيلا بعد يا إخوتي».

رفع الحجر بين يديه، وألوان النار والظلام تعكس على وجهه، بعد ذلك قبض على الحجر بقوة وقال:

-«قريبًا سوف تعودون، وسوف ندمر كل فرد من سلالة الشمس».

بدأ يضحك ضحكته الشريرة قبل أن يختفي في ظلال، وضحكته تلك قد تلاشت مع جسده، ولم يبقَ سوى النار، والوعيد.

في نفس الوقت، وفي طريق إلى شمال، وصل الثلاثة إلى مقبرة قديمة وسط أطلال مهجورة، شواهدها مائلة، والضباب يزحف بينها ككفنٍ يغطي الأموات.

توقّفت ماريس فجأة، وقالت وهي تشعر برجفة باردة:

-«هناك حتما، شرّ محبوس في أحد القبور».

فتحت كتابها، وأسقطت السلسلة حول قبر متشقق، وبدأت تتمتم بتعويذة خافتة، فاهتزّ التراب وانفلق الحجر.

اندفعت يد سوداء شيطانية من القبر، متغوّلة، تضرب الهواء بقوة وحشية، فاندفع إيرون وصدّها برمحه، بينما كبحت ماريس اندفاعها بختمٍ مقدّس.

قالت بحدّة:

-«هذا كيان، هو بقايا شيطان قديم، استحوذ على الجثة وبقي مسجونًا بعد موت صاحبها».

كايرن رفع كفّه، وثبّت الظلّ بنبضٍ باهت، فانقضّ الثلاثة معًا، ضربةً واحدة أنهت الكيان وأعادته إلى العدم.

تنفّس الثلاثة بعمق، وابتسم إيرون قائلاً وهو يمسح عرقه:

-«هذا ما يحصل عندما يعمل الثلاثة كواحد، لا أحد يقف في وجهنا، ولكن ياليت كانت إيريس معنا، تلك المرأة مهوسة بالقتال، لو كانت معنا لما اضطررت للقتال، وأنا رجل عجوز».

ابتسمت ماريس بسخرية، وقالت:

-«أنت لا تزال في الأربعينات، كفّ عن التذمّر. كل ما في الأمر أنك كسول، تحب المال والنساء أكثر من أي شيء آخر. أما السيدة إيريس، فلها هدف واحد فقط، وهو العثور على آخر فرد من سلسلة الشمس».

صمت إيرون لحظة، ثم رفع رأسه وقال بحزم:

-«حسنًا، هدفنا واضح. سنجد فارس الشمس وعذراء القمر، مهما كان الثمن».

شدّوا عتادهم، وغادروا المقبرة، مواصلين رحلتهم، بينما عاد الصمت ليبتلع الأطلال

2026/01/31 · 7 مشاهدة · 806 كلمة
Overminder
نادي الروايات - 2026