خرج الشاب من المبنى قبل أن يبرد الدم تمامًا، وكان الليل في أواخره، والمدينة نائمة على خوفٍ اعتادت عليه من العصابات المجرمة في المدينة.

في الأزقة الضيقة، كانت المصابيح الزيتية قليلة، تترك مساحات طويلة من الظلام لا يختبئ فيها شيء، وذلك لأن الجميع يعرف من يسير هنا في الليل.

خطواته كانت هادئة، منتظمة، كأنها لا تخص إنسانًا بل أداة، و لم يكن في طريق عودته.

غير اتجاهه عمدًا.

توقّف أمام باب خشبي عريض، محفور عليه رمز ثلاثي الخطوط، وهو إحدى علامات أكبر عصابة في المدينة.

وضع يده على الباب، ودون تردد دفعه بقوة، و في الداخل، ارتفعت أصوات.

خمسة رجال التفتوا نحوه في آن واحد، وأحدهم قال ساخرًا:

-« هل أنت ضائع يا فتى؟».

لم يرد، بل تقدّم خطوتين فقط، ثم قال بهدوء خالٍ من أي شعور:

-«أبحث عن زعيمكم، اين هو؟ إذا اخبرتموني سوف أسمح لكم بالعيش».

ساد صمت قصير، ثم ضحكوا جميعا في آن واحد.

الرجل الأقرب اندفع نحوه أولاً، ولم يكمل خطوته الثانية، حتى قطع رأسه.

لم تكن معركة، بل كانت تنفيذًا.

سقط الأول، ثم الثاني، والثالث حاول الهرب نحو الدرج، لكن الشاب أمسك به من الخلف، وأسقطه أرضًا دون أن ينظر إلى وجهه، غرز سيفه في منتصف صدره.

الدم عاد يلطّخ يديه، بنفس البرود السابق، ومن أعلى الدرج، ظهر رجل ضخم، يرتدي معطفًا جلديًا، وعيناه تحلل المشهد بسرعة.

-«إذن أنت هو حاصد الأرواح المشهور».

رفع الشاب سلاحه ببطء، وقال:

-«ربما»

ابتسم الرجل ابتسامة حذرة، ثم قال:

-«جئتَ للمال؟»

هزّ رأسه نفيًا.

-«لا».

تقدّم خطوة، ثم أضاف:

«جئتُ لأُنهي شيئًا.»

لأول مرة، شعر الشاب بشيء مختلف في صدره، لم يكن غضبًا، ولا خوفًا.

في تلك اللحظة اندفع الشاب بعنف، بل بخطوة واحدة محسوبة، وفي اللحظة التي اقترب فيها، انزلق سيفه بهدوء إلى صدر الزعيم، حيث كانت طعنة دقيقة ودون أن يصدر أي صوت.

بعدها انسحب فورًا، خطوة إلى الخلف، كأن شيئًا لم يحدث.

الزعيم فتح فمه ليتكلم، ابتسم بسخرية، ثم توقّف، عندما نظر إلى صدره، إلى النقطة الصغيرة التي بدأت تتلوّن بالأحمر.

تراخت ركبتاه، وسقط على الأرض ميتًا قبل أن يفهم أنه قد طُعن.

أما الشاب، فكان قد أدار ظهره بالفعل، وهم بالمغادرة، ودون أن يأخذ أي شيء.

ولكن قبل أن يخرج شاهد أن حول عنق أخد رجال الذين قتلهم قلادة شكلها غريب حيث كانت عبارة عن حجر لونه اخضر معقود بخيط ذهبي، ولسبب ما قام شاب بأخذ ذلك الحجر، دون أن يعلم أن هذا الحجر سوف يجلب له شيطان.

في الشمال وصل الثلاثة عند الفجر، حيث كان القصر يرتفع أمامهم فوق هضبة حجرية، كأنّه قطعة من زمنٍ قديم لم تمسّه الحروب بعد.

جدرانه بيضاء مائلة إلى الصفرة، وأيضا عالية وسميكة، تتخللها نوافذ ضيقة، وعلى الأبراج رايات تحمل شعار آل ماكسويل، ما زالت ترفرف رغم الريح الباردة.

توقّف إيرون عند البوابة الحديدية، ورفع بصره ببطء، وقال:

-«إذن هذا هو قصر ابنة الكونت».

ماريس شدّت عباءتها، وعيناها تراقبان المكان بحذر، ثم أجابته:

-«المكان هادئ أكثر مما يجب، رغم أن القصور لا تصمت هكذا إلا عندما تُخفي شيئًا».

كايرن لم يقل شيئًا، بل كان ينظر إلى الظلال تحت الأسوار، إلى نقاط الحراسة، وإلى المسافة بين الأبراج.

حفظها كلها في لحظة، بعد ذلك تقدّموا نحو البوابة، وقبل أن يطرق إيرون، فُتحت من الداخل ببطء.

ظهر حارس بملامح صارمة، نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم قال:

-«أنتم متإخرون، ابنة الكونت سيدة لورين كانت بانتظاركم».

تبادلت ماريس وإيرون نظرة سريعة.

هذا لم يكن مطمئنًا.

عبروا البوابة، ومع انغلاقها خلفهم بصوت ثقيل، شعر الثلاثة بالأمر ذاته، لقد وصلوا إلى وجهتهم أخيرًا، ولكن الطريق الحقيقي، لم يبدأ إلا الآن.

2026/02/03 · 6 مشاهدة · 554 كلمة
Overminder
نادي الروايات - 2026