لم تعد الكنيسة تقتل باسم الإيمان، بل باسم الذريعة.
كلمة زائدة، نظرة مشبوهة، ذكر اسم محرّم، أو حتى جملة بريئة تُفهم على غير هواهم، وكانت كافية لإرسال إنسان إلى المشنقة.
الإعدامات صارت يومية، وسريعة، وبلا أي محاكمة حقيقية.
وبعد أن تسكن الأجساد وتبرد، لا تُدفن ولا تُكرَّم، بل تُنقل سرًا عبر ممرات تحت الكاتدرائية، إلى القبو المحظور أسفل الكنيسة.
هناك، تُجرَّد الجثث من إنسانيتها للمرة الأخيرة، ويُستخرج ما تبقّى فيها من خوف ويأس وكراهية، طاقة سلبية خام، تُسحب قسرًا وتُضخ داخل ذراع شيطانية محفوظة منذ عشرة قرون.
لم يكن الهدف الانتقام ولا التطهير، بل مجرد التغذية.
فالكنيسة لا تسعى لصنع سلاح عادي، بل قوة تُوازي عذراء القمر وفارس الشمس مجتمعين، وهو سلاح بلا روح، وبلا رحمة، ويخضع لها وحدها.
في القصر الملكي، داخل غرفة الملكة، أُغلق الباب بإحكام.
لا خدم، لا حراس، ولا علم للملك.
وقفت الأميرة في منتصف الغرفة، تنظر بين الملكة ومستشار العرش بقلق صامت.
كانت تشعر أن الحديث ليس عاديًا… وأن اسمها على وشك أن يُنتزع منها.
تنفّس المستشار بعمق، ثم قال:
-«قبل أن نكمل، يجب أن تفهمي ما أنتِ عليه».
رفعت الأميرة رأسها ببطء.
-«ماذا تقصد؟»
تقدّمت الملكة خطوة، صوتها هادئ لكنه ثقيل:
-«عذراء القمر ليست لقبًا، ولا أسطورة كما تروّج الكنيسة».
أكمل المستشار:
-«هي كيان نادر، يظهر فقط عندما يختل ميزان العالم. عذراء القمر قادرة على موازنة قوى النور، وربطها بفارس الشمس».
اتسعت عينا الأميرة.
-«ربطها؟»
قال المستشار:
-«وجودك بجانبه يضاعف قوته، يثبّت روحه، ويمنحه القدرة على مواجهة ما لا يُفترض بالبشر مواجهته».
وأضافت الملكة بصوت منخفض:
-«الشياطين السبعة القدماء».
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
قال المستشار:
-«في الحرب القادمة، فارس الشمس وحده لا يكفي. ضد الشياطين القدماء، حتى هو يحتاج إلى مرساة… وعذراء القمر هي تلك المرساة».
تنفّست الأميرة باضطراب.
-«وهل، هذا قدري؟»
أجابتها الملكة دون تردد:
-«مكانتك ليست دون الملوك ولا دون القديسين. وجودك يحدد مصير الحرب نفسها».
ثم نظر المستشار إلى الأميرة طويلًا، وقال:
-«والعلامات… ظهرت كلها تقريبًا».
شدّت الملكة قبضتها، ثم قالت:
-«أي علامات؟»
أومأ المستشار برأسه:
-«عيناها تزدادان زرقة، كسماء صافية، وشعرها الأشقر صار ذهبيًا أكثر من أي وقت مضى. والأهم من ذلك القمر».
توقف لحظة، ثم تابع:
-«في الأشهر الأخيرة، يتحول إلى بدر بوتيرة غير طبيعية».
همست الملكة:
-«عذراء القمر . . .».
أومأ برأسه
-«لا تظهر إلا عندما يختل ميزان النور، ويبدأ ظهور الأشواك».
تقدّمت الملكة، وضعت يديها على كتفي ابنتها، ونظرت مباشرة في عينيها، وقالت بنبرة حاسمة:
-«اسمعيني جيدًا. سنحميكِ، حتى لو اضطررنا لتدمير الكنيسة نفسها، أو إبعادكِ عن المملكة. مصيركِ أن تكوني بجانب فارس الشمس».
اتسعت عينا الأميرة بدهشة.
-«لكن . . . . يا أمي، ظننت أنكما تكرهان فارس الشمس».
تبادل المستشار والملكة نظرة قصيرة، ثم ضحكا ضحكة خفيفة، صادقة.
قال المستشار:
-«هذا ما نُظهره فقط، بصراحة أكره نفسي لأنني لا أستطيع حماية الناس المساكين من براثم الكنيسة، والأسوء هو تظاهر بالبرودة ولا مبالاة يا سيدتي».
وأضافت الملكة:
-«فارس الشمس هو منقذ البشرية، سواء اعترفوا بذلك أم لا».
انخفض صوت المستشار:
-«نحن نساير الكاهن الأعلى لا أكثر. ذلك الرجل يتحكم بالملك من الخلف، ولو تُرك، فسيسوق مملكة فولكارين إلى الهاوية».
ساد صمت ثقيل، ثم قالت الملكة أخيرًا:
-«ولهذا يجب أن تبقي بعيدة عن أنظار الكنيسة، وإلى سوف تقتلين».
في الشمال، بعد أيام من السير، توقّف كايل والمرأة عند حافة مرتفعة.
أمامهما، كان معبد الشمس.
جدران متشققة، أعمدة مكسورة، وساحة خالية يلفّها الصمت.
بعض الأجزاء بدت منظمة بعناية غريبة، بينما أغلب المكان كان مهجورًا كأنه تُرك فجأة.
قالت المرأة بانزعاج:
-«كل هذا الطريق، والتعب من أجل هذا؟»
كايل لم يجب فورًا، فقد كان يحدّق في المعبد، وعيناه تحملان دهشة ثقيلة.
«في الروايات القديمة، كان هذا المكان يعج بالكهنة والزوار. لم يكن ينام أبدًا».
قبل أن يكمل، خرج صوت ضعيف من الداخل:
-«هل هناك أحد؟».
ظهر رجل عجوز، أعمى، عيناه بيضاوان بالكامل، يرتدي ملابس قديمة باهتة وعليها رمز الشمس.
تقدّم مباشرة نحو كايل، وكأنه يراه، وقال بصوت متعب:
-« أيها الغرباء، هل عندكم طعام؟ لم آكل منذ يومين».
أخرج كايل خبزًا وجبنًا وعنبًا من حقيبته، وناولها له دون تردد.
جلس العجوز على الأرض وأكل بسرعة، بشراهة من اعتاد الجوع.
سأله كايل:
-«كنتَ كاهنًا هنا؟»
ابتسم العجوز ابتسامة حزينة:
-«كنت قبل أن يقرروا أن الشمس هي عدوة البشرية، هل تصدق هذا؟».
في تلك اللحظة، اهتزّ وعي كايل، وظهر أمامه إشعار واضح وثابت:
[إشعار نظام]
تم رصد موقع: معبد الشمس
المطلب: البقاء والتعلّم
الفنون المتاحة: فنون قتال النار
المكافأة: انحراف +9%
تجمّد كايل في مكانه، فهو لم يكن هذا اختيارًا عاديًا.
كان طريقًا جديدًا، وطريق النار، لا يُعرض مرتين.
قال كايل في تفسه:
-«صحيح أنني لم أعرف نهاية الرواية ولم اقرء فصول الأخيرة حين قامت بين شياطين والأبطال، ولكن هذا كثير بالنسبة لي».